web analytics
4.7 C
Mississauga
Wednesday, August 19, 2026
Home Special Opinionsأراء خاصة ميشال طوق/أبو أرز يروي من الجريدة إلى البندقية: كيف ابتلعت الحرب حراس...

ميشال طوق/أبو أرز يروي من الجريدة إلى البندقية: كيف ابتلعت الحرب حراس الأرز

17

 

أبو أرز يروي من الجريدة إلى البندقية: كيف ابتلعت الحرب حراس الأرز (2 من 3)
ميشال طوق/نداء الوطن/19 آب/2026
بدأت الحكاية حول مائدة غداء، ثم صارت صحيفة تُباع في الشوارع ومراكز تستقطب الشباب. ومع انهيار الدولة، انتقل بعض بائعي “لبنان” إلى حمل السلاح. يروي “أبو أرز” كيف تحولت العقيدة إلى تنظيم عسكري، وكيف ابتلعت الحرب حلفاءها، من تل الزعتر إلى إهدن والصفرا وحرب الإلغاء. قبل أن تصبح لحراس الأرز بزات وشارات ومواقع، كانت هناك أوراق على طاولة. في مطلع السبعينيات، كان لبنان يبدو مستقرًا على السطح، لكن التوازن القديم كان يتآكل. فاتفاق القاهرة سنة 1969 منح الوجود الفلسطيني المسلح داخل المخيمات إطارًا تجاوز عمليًا قدرة الدولة على الاحتكار الأمني، ثم زادت الاشتباكات والاستقطابات الإقليمية هشاشتها. في منزل مي المر، كان سعيد عقل وإتيان صقر ووجوه أخرى يجتمعون حول فكرة بلد يريدونه مستقلا بهويته وقراره. لم يكن السلاح نقطة البداية، كانت البداية تعريفًا للبنان. كان سعيد عقل، وفق وصف “أبو أرز”، قادرًا على صياغة الرؤية ومنحها لغة لامعة، لكن الانتقال من الفكرة إلى التنظيم بقي بطيئًا. يقول: ” أفكار قد ما بدك، رؤية قد ما بدك. بس عمليًا على الأرض، بدها مين ينفّذ!”. امتدت الاجتماعات، وبحث المجتمعون في الاسم والبرنامج والترخيص. أما هو، فكان يرى أن الوقت يضيق وأن الصدام يقترب أسرع من اكتمال الأوراق.
عندما صار الكلام فعلا
بين 1973 و1974، تحول القلق عند “أبو أرز” إلى قرار. في أحد الاجتماعات أعلن أنه بدأ تدريب الشباب وشراء السلاح. لم يكن ذلك موضع إجماع، فالانتقال من حزب ثقافي إلى استعداد عسكري حمل مخاطر كبيرة، كما أنه ساهم في منطق التسلّح الذي كان ينتشر خارج الدولة. لكنه يقدمه اليوم كاستجابة لانهيار احتكارها للقوة، لا كرغبة في إنشاء ميليشيا لذاتها.
بحث عن أماكن للتدريب وأشخاص يملكون خبرة، وتعاون بعض شبابه مع عناصر من “التنظيم”. كانت الإمكانات محدودة، والسلاح يحتاج إلى المال، والعمل السرّي إلى شبكة تستطيع الحركة. إلا أن التدريب وحده لم يكن كافيًا. احتاج الحزب إلى صوت علني يشرح ماذا يريد، ويحوّل الدائرة الصغيرة إلى جمهور. من هنا جاءت “جريدة لبنان”.
لم تكن الصحيفة مشروعًا مترفًا. احتاجت إلى امتياز ومطبعة ومال وفريق توزيع. جمع “أبو أرز” مساهمات أولى، وتواصل مع متري نصر الله لطباعة العدد. كتب سعيد عقل باسم “سليل المردة”، وميّ المر باسم “إليسار”، واختار إتيان صقر توقيع “أبو أرز”. حتى الأسماء المستعارة بدت أجزاءً من عقيدة واحدة، تستدعي الجبل وقرطاج والأرز إلى صفحات سياسية معاصرة.
الفكرة تحولت إلى جريدة، والجريدة فتحت المراكز، والمراكز دخلت الحرب
بعد الطباعة جاء الامتحان: من يبيع الجريدة؟ لم تكن هناك مؤسسة توزيع ولا حملة إعلانية، فحملها الشبان إلى الشوارع والبلدات. يقدّر “أبو أرز” أن المبيعات بلغت في بعض المراحل نحو عشرين ألف نسخة، رقم لا يمكن تثبيته اليوم من دون سجلات، لكنه يكشف مكانة الصحيفة في ذاكرته. فقد نقلت الفكرة إلى أشخاص لم يجلسوا مع المؤسسين، وجلبت رسائل وشبابًا يريدون الانضمام. من الجديدة إلى جونيه وشكا والبترون، فُتحت مراكز متفاوتة الحجم. أحيانًا لم يكن المركز أكثر من غرفة، لكنه منح الحركة عنوانًا ثابتًا. الجريدة جذبت القراء، والقراء صار بعضهم أعضاء، والمراكز وسعت التوزيع. عند تلك النقطة، تداخل الثقافي بالسياسي والعسكري: الشاب الذي يبيع العدد قد يحضر اجتماعًا عقائديًا ثم ينتقل إلى التدريب، والمكتب الذي تُحرر فيه المقالات قد يتحول، عند انهيار البلاد، إلى موقع ميداني.
13 نيسان: تبدّل وظيفة الكلمات
في 13 نيسان 1975، لم تولد أسباب الحرب فجأة، لكنها انفجرت في حادثة بوسطة عين الرمانة وتحولت إلى مواجهة مفتوحة. انتشرت الحواجز وتقطعت الطرق وبدأت بيروت تنقسم. التنظيم الذي بدأ بجريدة واجتماعات وجد نفسه أمام حرب فعلية من دون ترسانة كبيرة أو مؤسسة عسكرية مكتملة. بعض الشبان الذين كانوا يبيعون “لبنان” صاروا يحملون السلاح، والمراكز التي فتحتها الصحيفة دخلت شبكة الجبهات. عندما يعود “أبو أرز” إلى تلك المرحلة، يرفض اختصار حزبه في صورة المقاتلين. يقول: “حافظنا على عقيدتنا، وكتبناها ومارسناها”. كان يرى أن السلاح بلا فكرة يتحول إلى قوة في خدمة مصالح الآخرين، لذلك استمرت البيانات والاجتماعات والجريدة. لكن الحرب تضع هذا القول أمام مفارقته القاسية: الكلمة التي أعطت البندقية سببًا، لم تعد قادرة دائمًا على ضبط ما تفعله البندقية.
تل الزعتر: روايتان لا تلتقيان
عام 1976، كان “أبو أرز” يجلس إلى جانب الرئيس كميل شمعون في سيارته الـ”بنتلي”. بعد سقوط الكرنتينا، دار نقاش حول الهدف التالي. طُرح جسر الباشا، لكنه اعترض ورأى أن الموقع الحاسم هو تل الزعتر. قالها مباشرة: “تل الزعتر”. وحين سأله شمعون عن إمكان السيطرة عليه، أجاب: “إذا بدنا، فينا!”. يصر اليوم على أن الاقتراح خرج من تلك المحادثة: ” ما حدا كان مخطّط. أبدًا”. كان المخيم كتلة سكانية وعسكرية كبيرة داخل المنطقة الشرقية، وموقعًا محصنًا يقطع التواصل بين مناطق القوى المسيحية في نظرها. لكنه كان أيضًا بيتًا لعشرات آلاف اللاجئين، مدنيين ومسلحين، انتهوا داخل حصار ومعركة من أعنف فصول الحرب. هنا لا تكفي خريطة المحاور العسكرية لفهم ما وقع. ففي ذاكرة “أبو أرز”، تحتل المواقع والأسلحة والأخطاء المساحة الكبرى، وفي ذاكرة الناجين الفلسطينيين، يعني تل الزعتر الحصار والفقد والاقتلاع. هاتان الذاكرتان لا تلتقيان بسهولة.
قبل الهجوم، جمع “أبو أرز” مقاتليه في السيوفي ليعرض أمام شمعون قدرة التنظيم. يقول إن نحو خمسمئة حضروا. ثم جاءت أسلحة من البحر عبر اتصالات خارجية، بينها المساعدة الإسرائيلية التي لا يخفيها. يضعها في سياق اختلال ميزان القوى ودعم الفصائل الفلسطينية من دول عدة. غير أن الصناديق الآتية من البحر حملت معها بذور نزاع آخر: كل حزب أراد حصته وخشي أن يتفوق الحليف عليه.استمرت معركة تل الزعتر اثنين وخمسين يومًا، ويثبت دور حزبه بقوله: “أخذنا تل الزعتر”. إنها روايته داخل تنافس قديم على ملكية الانتصار والذاكرة. فقد كان لكل تنظيم شهداؤه وصوره ونسخته من غرفة العمليات. وبقدر ما وحّد الخصم الجبهة المسيحية، كشفت النتيجة أن التنافس داخلها لم يكن أقل حضورًا من الحرب خارجها.
حين أصبح الحليف خصمًا
ما إن تراجع الخطر المشترك حتى ظهرت المشاريع المتنافسة. مع صعود بشير الجميل، بدأ توحيد “البندقية المسيحية” تحت قيادة واحدة. رآه مؤيدوه ضرورة لإنهاء الفوضى، فيما اعتبره خصومه إلغاءً بالقوة. كان “أبو أرز” قريبًا من طوني فرنجية وحاول التقريب بينه وبين بشير، لكن اللقاءات لم تمنع الانفجار. بعد مقتل جود البايع، اتجهت القوة الكتائبية إلى إهدن في حزيران 1978، وانتهت العملية بمقتل طوني فرنجية وزوجته وابنته وعدد من مرافقيه. يقول “أبو أرز”: “طوني ما كان لازم يموت”.
لا يمنحه سؤاله عن بشير جوابًا واحدًا. يعترف بكاريزمته وقدرته على تحريك الناس، ويقول: “لو حكم، كنا صرنا بمحل تاني”. لكنه ينتقد قسوته ويرى أن توحيد القوى انحرف عندما صار إلغاءً. بعد إهدن جاءت الصفرا سنة 1980 وتفكيك القوة العسكرية لـ”نمور الأحرار”. نجح بشير في جمع معظم السلاح تحت قيادته، لكنه ترك جروحًا سياسية وأخلاقية داخل البيئة التي أراد توحيدها.ثم جاءت حرب الإلغاء سنة 1990 بين الجيش بقيادة ميشال عون و”القوات اللبنانية” بقيادة سمير جعجع. عندها تتغير نبرة “أبو أرز”. يقول: “أصعب معركة بكل الحرب كانت معركة الإلغاء”، ثم يضيف: “هيدي قضت على كل شي، وقضت على المستقبل المسيحي لأجيال”. بالنسبة إليه، لم تكن الخسارة عسكرية فقط، كل ما ظنت القوى المسيحية أنها راكمته تبدد عندما وُجّه السلاح إلى الداخل. من هنا يأتي رفضه للفدرالية الطائفية، وهو موقف قد يفاجئ من يعرف تشدده الهوياتي. يقول: “إذا عملوا كانتون مسيحي، رح يقتلوا بعضن متل العادة”. كما يرى أن المسيحيين منتشرون في لبنان كله، وأن حصرهم في منطقة يلغي دورهم كصلة بين الجماعات. ويختصر: “المسيحي هو يلّي بيجمع، مش يلّي بيفرّق”.خرجت الحرب، في النهاية، عن أصحابها. بدأت عند “أبو أرز” بفكرة، ثم بجريدة، ثم بتنظيم يريد حماية وطن كما عرّفه. لكنها انتهت إلى حلفاء يتقاتلون على السلاح والنفوذ والذاكرة. ربحوا معارك، وأنشأوا مناطق متصلة وقوة تفاوضية، لكنهم لم ينشئوا نظامًا يمنعهم من استخدام تلك القوة بعضهم ضد بعض. بين الجريدة والبندقية، بقي السؤال معلقًا: هل كانت الكلمات تقود السلاح فعلا، أم أن السلاح، ما إن خرج، أعاد كتابة الفكرة على صورته؟

 

 

Share