web analytics
Home Special Opinionsأراء خاصة نديم قطيش/حين تصبح المقاومة مصنعاً للاحتلال

نديم قطيش/حين تصبح المقاومة مصنعاً للاحتلال

6

حين تصبح المقاومة مصنعاً للاحتلال
نديم قطيش/أساس ميديا/2026
تتصرّف ميليشيا “الحزب” كمن يحتاج إلى الاحتلال أكثر من حاجته إلى التحرير. يتّضح الآن، في ضوء ما جرى منذ إعلان “حرب الإسناد” على إسرائيل، من طرف واحد، في 8 تشرين الأوّل 2023، أنّ أكثر من ربع قرن من عمر لبنان أُنفق على بناء الشروط التي تجعل الاحتلال القائم الآن حتميّاً وربّما دائماً. رأت إسرائيل، مجتمعاتِها الشماليّةَ تفرغ تحت ضغط الصواريخ والمسيّرات، الآتية من المناطق نفسها التي انسحبت منها. واستنتجت أنّ المنطقة العازلة التي تُفكَّك، كما حصل بعد العام 2000، وحرب 2006، تفقد معناها متى خفّ منسوب الانتباه السياسيّ والعسكريّ والأمنيّ، وسرعان ما تتحوّل إلى منصّة عدوان على أمنها بصرف النظر عن أن لا احتلال يبرّر ما يُسمّى المقاومة. عليه بات قصور الإجراءات المؤقّتة، من وجهة نظر إسرائيل، مقدّمة لولادة عقيدة جديدة، وهي إنشاء منطقة أمنيّة تتوسّع وتتحصّن وتُعلن نفسها طويلةَ الأمد، مع ما يلحق بذلك من تدمير ممنهج، يمنع إعادة السكّان إليها.

المقاومة التي تعيد إنتاج عدوّها
هذا هو لبنان اليوم، بكلّ بساطة. لم يفهم “الحزب” أنّ إسرائيل ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل عام 2023 هي غير ما قبل هذا التاريخ. قبل أيّام، في الثاني عشر من آب، دخل وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس ما تسمّيه حكومته “المنطقة الأمنيّة”، أي الأراضي اللبنانيّة التي اقتطعها جيشه من جنوب لبنان، وأعلن أنّ هذا الجيش باقٍ فيها، آمراً بالاستعداد لوجود طويل الأمد. وتحدّث عن هدم المنازل، وإزالة البنى التحتيّة تحت الأرض، وعن قرى حدوديّة “كان لا بدّ أن تختفي”. وقد استخدم لغةً فظّةً تستدعي بسهولة الاتّهامات بخصوص مشروع توسّعيّ إسرائيليّ، وهي اتّهامات لم تعد، منذ عامين، مجرّد هواجس في الخطاب اللبنانيّ، بل باتت حاضرة بقوّة في النقاش السياسيّ والأمنيّ حول مستقبل الحدود الجنوبيّة للبنان. والحال، يعيش لبنان اليوم النتيجة الموضوعيّة لتفكيك “الحزب” كلّ البدائل السياسيّة والدبلوماسيّة، لإدارة الجغرافيا اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة، قبل الحديث عن أيّ ترتيبات تخصّ السلام أو التطبيع أو غيره. نحن بإزاء ميليشيا تسمّي نفسها “مقاومة” قامت أسطورتُها التأسيسيّةُ على طرد الإسرائيليّين لكنّها تعمل بثبات ومثابرة على تأبيد عودتهم. لماذا؟ لأنّ الاحتلال يتجاوز بالنسبة لـ”الحزب” صفةَ “العدوّ” التقليديّ، ليصبح هو الحاضن الأساسيّ الذي يمنحه صورته، وهويّته، ومشروعيّة بقائه، لا سيما في ضوء ضحالة مشروعه الاقتصاديّ أو السياسيّ أو الاجتماعيّ، الذي لا يعرف اللبنانيّون عنه سوى عناوين متفرّقة ودعائيّة، وُظّفت بعناية لتلوين المشروع الجهاديّ ومنحه غطاءً مدنيّاً.

لنتذكّر أنّ إسرائيل احتلّت أجزاء من لبنان منذ العام 1978، ولم تبنِ غرفةً واحدة دائمة. وحين انسحبت في العام 2000، فعلت ذلك بالكامل، إلى أن “اكتشفت” جهات داخل مخابرات الجيش اللبنانيّ آنذاك، بالتعاون الوثيق مع “الحزب” ونظام الأسد، ما يسمّى مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.
لنتذكّر أيضاً أنّ ميليشيا “الحزب” ونظام الأسد كانا بالغَي القلق والتوجّس من فكرة الانسحاب الإسرائيليّ الأحاديّ آنذاك. بالنسبة لدمشق، شكّل الانسحاب الأحاديّ الجانب، ومن دون اتّفاق تفاوضيّ شامل، خسارة لـ “ورقة الجنوب” التي طالما استُخدمت للضغط على إسرائيل لربط مسارَي الجولان ولبنان. كما سلب الانسحاب من دمشق الذريعة الرئيسيّة لتبرير شرعيّة وجود قوّاتها العسكريّة في لبنان أمام الخصوم المحلّيّين والمجتمع الدوليّ. ومن جهته، واجه “الحزب” معضلة وجوديّة تمثّلت في الخشية من فقدان مبرّر الاحتفاظ بسلاحه والاضطلاع بدوره العسكريّ بعد زوال الاحتلال وتطبيق القرار الأمميّ 425. لم يطوّر”الحزب” قناعاته. ظلّ يعتبر أنّ حضوره، يستند بكلّيّته إلى تهديد وجوديّ دائم يحتكر هو الردّ عليه. والأهمّ أنّه تعامل مع هذا التهديد كأنّه ثابت بدوره، لا يتبدّل ولا يراجع أدواته ولا يطوّر ردود فعله. جاءت أحداث ما بعد السابع من أكتوبر لتكشف أنّ الخصم تغيّر، وعقيدته الأمنيّة تغيّرت، وحدود ما يعتبره مقبولاً في إدارة الخطر تغيّرت معها. الى ذلك، ثمّة ما ينبغي أن نذكّر أنفسنا به، وسط الألم القاسي على فاجعة القرى المهدّمة والإلغاء الممنهج لأسباب الحياة في رقعة كبيرة من جنوب لبنان وبعض بقاعه.

من وعد الجليل إلى مأساة الجنوب اللّبنانيّ
لم يقدّم “الحزب” صراعه مع إسرائيل، طوال عقود، كخلاف على حدود أو كمعركة ردع يمكن أن تنتهي بتسوية. قدّمه كصراع على وجود إسرائيل نفسه. لطالما تفاخر “الحزب” وبيئته الأوسع بالقدرة على إنهاء إسرائيل في “سبع دقائق ونصف”، ولطالما حدّدوا لها آجالاً ومواقيت. ودأب الراحل حسن نصرالله على مخاطبة الإسرائيليّين بأنّ وقت توضيب الحقائب قد اقترب. كان ولا يزال “زوال إسرائيل” ركناً ثابتاً في سرديّة “الحزب” وهويّته السياسيّة والعسكريّة. ولأنّ للكلمات، حين تصدر عن تنظيم مسلّح يملك الصواريخ وقوّات النخبة ويخوض الحروب، وزناً مختلفاً، بنَت إسرائيل حساباتها عليها بدقّة. فرض “الحزب” على إسرائيل وعلى اللبنانيّين، نقل الصراع إلى معركة بقاء، باتت فيها، في العقل العسكريّ الإسرائيليّ، القرى الحدوديّة والأنفاق والمنصّات ووحدات النخبة والناس، حلقات متّصلة في تهديد واحد. لا شيء في ذلك يبرّر هدم القرى أو يخفّف من مسؤوليّة إسرائيل عن حماية المدنيّين واحترام القانون. لكنّه يفرض قدراً من النزاهة في قراءة ما جرى. لا يمكن أن ترفع شعار المحو أربعين عاماً، ثمّ تتصرّف بدهشة كاملة عندما يتصرّف خصمك على أساس أنّك خطر وجوديّ، يستوجب المحو. الميليشيا التي قالت إنّها وُجدت لتحمي الجنوب ودخول الجليل ونقل الحرب إلى داخل إسرائيل، نقلت الجنوب، مرّة بعد أخرى، إلى قلب المأساة.
*لمتابعة الكاتب على X:@NadimKoteich
https://asasmedia.com/125301/

Share