
مخاطر التردّد وفقدان الفرص
العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا/نداء الوطن/19 آب/2026
لا يحكم التاريخ على القادة فقط من خلال المعارك التي يخسرونها، بل أيضًا من خلال الفرص التي يعجزون عن اغتنامها.
بعد معركة “أنتيتام” في الحرب الأهلية الأميركية، في أيلول 1862، وجد الجنرال “جورج ماكليلان” أمامه جيشًا كونفدراليًا منهكًا. كان جيش الجنرال “روبرت إي لي” قد تكبّد خسائر فادحة، ولم يكن في وضع يسمح له بخوض معركة أخرى. ومع ذلك، تردّد ماكليلان، وبقي أسيرًا لحذره المفرط، فتمكن “لي” من الانسحاب عبر نهر بوتوماك إلى فرجينيا.
كانت أنتيتام مثالا كلاسيكيًا على أن الانتصار في المعركة لا يكفي إذا عجز القائد عن تحويله إلى مكسب استراتيجي. وقد أدرك أبراهام لينكولن خطورة ما حدث، فما منحه ماكليلان “للي” لم يكن مجرد فرصة للانسحاب، بل شيئًا أثمن من الانتصار نفسه وهو الوقت: وقتًا للانسحاب، وإعادة التنظيم، واستعادة القوة، والاستعداد للعودة إلى القتال.
وهذا الدرس ينطبق على التجربة اللبنانية أيضًا. فعلى مدى عقود، لم يستند محور “حزب الله”- “أمل”- “إيران” إلى قوته وتنظيمه وقدرته على التحرك فحسب، بل استفاد كذلك من تردّد الدولة واللبنانيين الأحرار، ومن تشتّتهم وخوفهم من اتخاذ القرارات الصعبة، ومن عجزهم عن تحويل الفرص إلى نتائج استراتيجية.
فكلما ترددت الدولة اللبنانية في حسم قضية ما، وجد المحور مساحة إضافية للتحرك. وكلما أجّل قرار سياسي صعب، ترسّخ واقع جديد على الأرض. وكلما جرت المساومة على مفهوم السيادة أو تأجيل معالجة مسألة السلاح خارج مؤسسات الدولة، أصبح هذا الواقع أكثر رسوخًا في ميزان القوى.
والأمر نفسه ينطبق على الفساد والزبائنية والترهيب وشبكات النفوذ الموازية. فما يُعامل في البداية باعتباره ظرفًا موقتًا، كنزوح أهلنا من الجنوب ولجوء السوريين، أو تسويةً مرحلية، قد يتحول مع مرور الوقت إلى جزء دائم من بنية المجتمع، وملكية الأرض، والنظام السياسي، وموازين القوى فيه.
ومن هنا، تبرز أهمية ألا تتحول اللحظة الراهنة إلى “أنتيتام لبنانية”: لحظة تتوافر فيها فرصة لتغيير المعادلة، ثم تضيع بسبب التردد.
وإذا كانت هناك إرادة حقيقية لاستعادة الدولة اللبنانية، فلا بد أن تقوم المرحلة المقبلة على ركيزتين: أولا استعادة سيادة الدولة واحتكارها لاستخدام القوة، وثانيًا إرساء حوكمة رشيدة تبدأ من البلديات، وفق مبدأ التفريع، وتضع حدًا للفساد والإفلات من المحاسبة، وتضمن تقديم الخدمات العامة بكرامة وشفافية.
وفي هذا السياق، ينبغي أن تمضي الدولة بثبات نحو بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية وعلى حدودها، من خلال مسار تدريجي واضح المراحل، من دون الحاجة إلى مواجهة شاملة أو “ضربة قاضية”. ومن شأن هذا المسار أن يطلق أثرًا متسلسلا يعزّز الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وتقديم النتائج الملموسة للمواطنين.
يمكن للدولة أن تبدأ بإعلان حالة الطوارئ أو فرض منطقة عسكرية في مناطق محددة، استنادًا إلى المادتين الثالثة والرابعة من قانون الدفاع الوطني، وإلى المادة الأولى من المرسوم رقم 52 تاريخ 5 آب 1967، مع الإشارة إلى أن هذا الإجراء لم يُطبَّق حتى الآن في المناطق التجريبية الثلاث. ويأتي ذلك في إطار خطة لإخضاع هذه المناطق بالكامل لسلطة الدولة، وإخلائها من أي وجود عسكري غير تابع لها، بما في ذلك السلاح الفلسطيني وسلاح سائر المجموعات والميليشيات.
وفي موازاة ذلك، تحتاج الدولة إلى استراتيجية جديدة لضبط الحدود اللبنانية-السورية، وإلى استدعاء قوات الاحتياط إلى الخدمة الفعلية لتشكيل وحدات محلية، بما يساهم في سدّ النقص في الموارد البشرية داخل المؤسسات العسكرية في أعداد العناصر الدروز والمسيحيين.
أما الركيزة الثانية فهي الحكم الرشيد. فلا يجوز للبنان انتظار نتائج المواجهة الأميركية- الإيرانية لبدء مكافحة الفساد، والتمويل غير الشرعي، وسرقة المال العام، والتعديات على الأراضي، والتهريب، واستغلال الوزارات والمؤسسات العامة.
على سبيل المثال، لا يحتاج لبنان إلى انتظار حسم الملف النووي الإيراني كي يفرض سيادة القانون على “آلات الموت” التي تجوب شوارعه، وفي مقدمتها الدراجات النارية، وأن يضع حدًا للمخالفات الخطرة التي تهدد حياة المواطنين.
لبنان لا يستطيع أن يضيّع فرصة أخرى بسبب التردد. استعادة الدولة ليست معركة واحدة تُحسم بضربة قاضية، بل مسار من القرارات المتدرجة التي تعيد السيادة إلى مؤسساتها، والقانون إلى موقعه، والخدمات إلى المواطنين. فاللحظة الراهنة تفرض على الدولة أن تتحرك، لا أن تنتظر، وأن تستثمر الفرص قبل أن تتحول، مرة أخرى، إلى وقت إضافي لخصومها.