web analytics
Home Special Opinionsأراء خاصة ميشال طوق/من نهاية الحرب إلى اليوم: أبو أرز بين منفى لا ينتهي...

ميشال طوق/من نهاية الحرب إلى اليوم: أبو أرز بين منفى لا ينتهي ولبنان لا يعود

22

من نهاية الحرب إلى اليوم: أبو أرز بين منفى لا ينتهي ولبنان لا يعود
ميشال طوق/نداء الوطن/18 آب/2026
عندما سكتت الجبهات، لم تنتهِ الحرب في رواية إتيان صقر “أبو أرز”، بل تبدّلت خرائطها فقط. من قبرص، يتحدّث عن عودة رفض أن تمرّ بدمشق، وعن سلام مع إسرائيل يراه مصلحةً وطنيةً، فيما يجرّمه القانون، وعن “حزب الله” والشيعة والسيادة. في هذا اللقاء، يواجه الرجل الذي حمل السلاح الرجل الذي يريد اليوم أن يورّث فكرة. استقبلني عند الباب بنفسه: طويل القامة، بشعر أبيض وحضور هادئ. بعد ترحيب مقتضب، جلسنا في الخارج، في بقعة تحجب عنها الظلال شمس الصباح. أمامنا قهوة لبنانية، وإلى جانبها خريطة للبنان وعدد من الوثائق التي سيعود إليها كلما أفلت منه اسم أو اقترب النقاش من واقعة يريد تثبيتها. تنقّل الحديث من الحرب التي عاشها إلى لبنان الذي يتابع أخباره من بعيد. عندها لم يعد السؤال عن الماضي وحده. صار مباشرًا وثقيلا: هل يعود أبو أرز إلى لبنان؟ لم يجب بجملة نهائية. تحدث عن العفو والدولة التي يريد أن يعود إليها، وتلك التي يرفض دخولها من باب التسوية. بدا المنفى ملفًا سياسيًا وقضائيًا لم يُقفل، لا مجرد مسافة بين قبرص وبيروت. انتهت الحرب الرسمية، لكن الرجل بقي خارج البلد الذي قال إنه حمل السلاح دفاعًا عنه.

عودة لا يريدها منّة
لا يعامل أبو أرز العودة كمسألة شخصية. لا يريد أن يقال إن الدولة صفحت عنه، ولا أن يعود بتسوية يشارك فيها من يعدّهم خصومًا لتعريفه للسيادة. عندما يصل الحديث إلى عفو محتمل، يحتد صوته: كيف يقبل، وفق منطقه، عفوًا يقرّه نواب “حزب الله” أو نبيه بري أو شخصيات يختلف معها جذريًا؟ قبول العفو، في نظره، يعني أن يقر أولا بأنه مذنب وأن يمنح خصومه حق الصفح عنه. يروي أن الرئيس الياس الهراوي أرسل إليه، في زمن الوصاية السورية، من يدعوه إلى العودة. لكنه فهم أن الطريق إلى بيروت تمر بدمشق، وأن عليه قبول قواعد المرحلة الجديدة. رفض. ويقول إن عرضًا سياسيًّا وصل إلى حد الحديث عن منصب وزاري، لكنه لم يرَ في الحقيبة مكسبًا يعوّض التراجع عن موقفه من الوجود السوري. لم تكن المشكلة، كما يقدمها، في حجم الموقع بل في الثمن السياسي المطلوب. هذه روايته لشروط العودة، وهي تحتاج إلى سياقها القضائي والسياسي، فالدولة لا تنظر إلى الملف كما يراه صاحبه، والخصومة ليست لغوية بين “عفو” و”حق”. لكن تمسكه بهذه الصيغة يكشف ثابتًا في شخصيته: من رفض أن يعرّف الآخرون لبنان، يرفض أيضًا أن يعرّفوا له معنى عودته.

حين تبدلت الجبهة ولم تنتهِ
خرج أبو أرز من لبنان وسط تحولات نهاية الحرب واتفاق الطائف، الذي أعاد توزيع السلطة ودعا إلى حلّ الميليشيات وبسط سلطة الدولة. لكنه يؤكد أنه واصل إصدار المواقف، فيما التحق عدد من شبابه بجيش لبنان الجنوبي. يستعيد رفاقًا سقطوا، كأن المسافة لم تُنهِ الحرب بل غيّرت موقعه منها. تركت سنوات الحرب أثرًا مغايرًا في بعض مواقفه. فهو يرفض الفدرالية الطائفية لأن الاقتتال المسيحي أقنعه بأن جمع السلاح داخل كانتون لا يصنع الوحدة. ويرى المسيحيين منتشرين إلى جانب السنّة والشيعة والدروز، فيعيد تعريف دورهم كصلة وصل لا جدار فصل. خلاصة ولدت من خسارة الداخل أكثر مما ولدت من نظرية.

إسرائيل: السلام بين الموقف والقانون
لا يخفف أبو أرز موقفه من إسرائيل ولا يقدمه بلغة دبلوماسية. يرى أن العداء المطلق تحوّل إلى قاعدة بنت عليها قوى لبنانية جزءًا من شرعيتها، وأن سلامًا فعليًا سيضعها أمام سؤال وجودها. لا يطلب من محاوره أن يوافقه، لكنه يرفض أن يبقى النقاش محرّمًا. ويطرح المسألة كاختبار للمصلحة: هل يستطيع لبنان البقاء في حال حرب دائمة، فيما تتحرك المنطقة بمنطق التفاوض؟ في روايته، لا تعني الدعوة إلى السلام تجاهل الحروب والضحايا والاحتلال. وهي امتداد لمفهومه القديم: لبنان يقيم علاقاته وفق مصلحته لا وفق شعارات تُفرض عليه. لكن القانون اللبناني يرسم واقعًا مختلفًا، فلبنان وإسرائيل لا يزالان رسميًا في حال عداء، والقوانين النافذة تحظر التواصل والتعامل مع الإسرائيليين. هنا تصطدم رؤيته السياسية بنصوص قائمة، لا بمجرد حساسية اجتماعية. بين الدعوة إلى السلام والقانون الذي يجرّم التواصل، يرى أبو أرز دولة لم تحسم اتجاهها، تظهر هذه الهوة حين يتحدث عن قضية أنطون صحناوي. في 27 تموز 2026، شارك المصرفي اللبناني في عشاء بواشنطن تكريمًا للسيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام، بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته. وأفادت تقارير بأن صحناوي ومورغان أورتاغوس شاركا في تنظيم المناسبة. بعد انتشار الصورة، تقدم عشرون محاميًا بشكوى، وأصدر القاضي أحمد رامي الحاج قراراً يطلب تحديد مكانه واستجوابه خلال ثلاثين يوماً. عند إجراء المقابلة، لم يكن حكم نهائي قد صدر.

يقول أبو أرز: “الإجراء القضائي بحق أنطون صحناوي عمل صبياني، ويدلّل على أن هذه الدولة غير مهيّأة بعد للسلام مع إسرائيل”. لا يدافع عن الرجل كشخص فقط، يحول الصورة إلى امتحان للدولة. فإذا كانت السلطة تدخل مفاوضات وترتيبات عبر الوسطاء، فكيف تتعامل مع لبناني ظهر إلى جانب مسؤول إسرائيلي؟ لكنه يتجاوز في اعتراضه واقعًا أساسيًا: الملاحقة تنطلق من قوانين نافذة، وتغيير اتجاه الدولة يمر بتغيير سياسي وقانوني معلن، لا بمجرد كسر المحرّم بصورة. في قراءته، أخرجت الضجة السؤال من الغرف المغلقة: هل يريد لبنان نهاية للحرب، أم هدنة طويلة تبقي ثقافتها؟ أهمية هذا السؤال لا تلغي الخلاف الجذري حول جوابه ولا كلفة الصراع المفتوح. وهي أيضًا تعيد أبو أرز إلى بدايته: كما رفض أن تفرض العروبة تعريفًا للبنان، يرفض أن تفرض عليه جبهة إقليمية عدوًّا دائمًا. الثابت عنده هو أولوية القرار اللبناني، حتى حين يقوده هذا الثابت إلى أكثر المواقف إثارة للانقسام.

“حزب الله شيء والشيعة شيء تاني”
عندما ينتقل إلى “حزب الله”، يرسم خطًا فاصلا بين التنظيم والطائفة ويقول: “حزب الله شيء، والشيعة شيء تاني”. يعتبر أن “الحزب” احتكر، بقوة السلاح والتنظيم والعقيدة والخدمات، مساحة واسعة من التمثيل الشيعي، حتى صار الاعتراض عليه يبدو اعتراضًا على جماعة بأكملها. يرفض هذه المساواة، ويستعيد جنوبًا كان، في قراءته، أكثر تنوعًا قبل صعود “الحزب”. لا يقول إن المطلوب مواجهة الشيعة، بل تحرير قرارهم السياسي من احتكار “الحزب”. ويحمل القوى اللبنانية، ولا سيما القيادات المسيحية، جزءًا من المسؤولية: فـ”الحزب” لم يتمدد بقوته وحدها، بل أيضًا في فراغ دولة تراجع الآخرون عن بنائها وانشغلوا بصراعاتهم. أما الخطر الأعمق عنده، فلا يختصره الصاروخ، بل يراه في منظومة فكرية تعيد إنتاج المواجهة جيلا بعد جيل، وفي دولة لا تملك مشروعًا منافسًا. ومع ذلك، يرفض أن يأتي الحل من جيش أجنبي. عندما يُطرح احتمال دخول قوات سورية لضرب “حزب الله”، يعترض من زاوية السيادة: لا يمكن، بالنسبة إليه، الدفاع عن قرار لبنان في وجه “الحزب” ثم إسقاطه أمام طرف آخر. هنا يلتقي الرجل الحالي مع صاحب الخريطة في بداية الجلسة. فالسيادة ليست، في منطقه، موقفًا يتبدل بحسب هوية المتدخل، بل الحد الذي يريد أن يعيد عنده كل علاقة بالخارج.

الرجل الذي بقي من التنظيم
يعود أبو أرز إلى الشباب. رجل خرج من زمن السلاح، لكنه يعتقد أن المعركة الأصلية ما زالت تدور حول الفكرة، وأن بقاء التنظيم لا يقاس بعدد المكاتب والمقاتلين بل بوجود من يقرأ وثيقة وينقلها إلى آخر. غير أن المسافة بين صورتيه لا تختفي. أمامي رجل هادئ يعتذر لأن عينيه لا تساعدانه على قراءة الخريطة، وفي روايته قائد اتخذ قرارات داخل حرب تركت جروحًا لا تزال حاضرة. لا تلغي الشيخوخة مسؤولية الماضي، كما لا تختصر الحرب الرجل كله في لقطة واحدة. مهمة المقابلة ليست أن تمنحه براءة متأخرة ولا إدانة جاهزة، بل أن تضع الصورتين وجهًا لوجه: صاحب البندقية، وصاحب الأوراق التي يريد توريثها. لم تُحسم عودته. ولا يبدو مستعدًا لأن يعود صامتًا أو طالبًا الصفح. تُجمع بعض الوثائق، ويبقى بعضها على الطاولة. الخريطة التي بدأ منها الحديث لا تزال مفتوحة أمامه، فيمرّر يده فوقها من الجنوب إلى جبل لبنان ثم إلى الشمال. بعد ساعات، يعود إلى النقطة الأولى: لبنان، بالنسبة إليه، ليس قطعة أرض ينتظر الآخرون تقرير مصيرها. إنه قضية لم تنتهِ بعد. هكذا تنغلق الدائرة من دون أن يُغلق الملف: ما هو لبنان؟ إلى أي حد يمكن الذهاب دفاعًا عنه؟ وماذا يبقى بعد خمسين عامًا؟ عند أبو أرز، يبقى التعريف نفسه تقريبًا، فيما تغيّرت الأدوات والوجوه والجبهات. أما المنفى، فليس خاتمة بطولية ولا عقوبة يُختصر بها التاريخ، إنه المسافة التي تفصل بين الوطن الذي تخيّله والوطن الذي يستطيع أن يعود إليه.

Share