التفاوض وشجاعة إسقاط المصادر
العميد الركن خالد حماده/اللواء/11 آب/2026
ما بعد روما لا يبدو حتى الآن مختلفاً عما قبلها، انسداد في الأفق يمليه عجز عن مواجهة مواقف حزب الله ورئيس المجلس النيابي نبيه بري من التفاوض وحصرية السلاح من جهة، ومحاولات لملء الفراغ بضجيج إعلامي لا يعبّر عن رغبة في استخراج الدروس المستفادة لتغيير المسار من جهة أخرى. ما تمت قراءته من خلال التسريبات الإعلامية القليلة التي نسبت إلى «مصادر بعبدا» إبان التفاوض يؤكد أن المكوّن الدبلوماسي في الوفد المفاوض كان مقيداً بسقف سياسي حال دون قدرته على طرح بدائل ممكنة، كما أن الوفد العسكري لم يكن لديه الحد الأدنى من حرية المناورة لإضفاء بعض الحيوية والمرونة على انتشار الوحدات العسكرية بما يعزز قدراتها وجدوى انتشارها لدى المواطنين الجنوبيين.
إن مقارنة بسيطة وبديهية بين العناوين التي رفعت لمطالبة العدو بالإنسحاب من مدينتيّ الخيام وبنت جبيل وبين ما أفضت إليه جولة التفاوض التي امتدت ثلاثة أيام يؤكد عمق الإشكالية على مستوى رئاسة الجمهورية بين اتّخاذ القرار بالتفاوض المباشر والعجز عن الالتزام بتنفيذ تبعاته. وهذا ما يطرح أكثر من تساؤل حول جدية اتّخاذ قرار التفاوض المباشر من قبل رئيس الجمهورية منفرداً تحت وطأة القصف الإسرائيلي المدمر لبيروت والضاحية دون إدراك تبعاته، ومن ثم محاولة تلقف نتائج القرار المتسرع بتكبيل المفاوضين وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل إعلان القبول به.
إن محاولة التواري خلف بيانات تنسب لمصادر بعبدا أو سواها ــــ هو نمط من التسريب الإعلامي تعتمده الأنظمة الأوتوقراطية والتوتاليتارية وقد اعتمد في لبنان إبان الوصاية السورية لتقديم أجوبة معلبة بهدف السيطرة على الرأي العام أو إرهابه ــــــــ لا تكفي للألتفاف على المتغيرات التي يحفل بها المشهدين الإقليمي والمحلي. كما أنه لا يمكنها أن تخفي الإنفصام الحقيقي بين العناوين التي رفعت مع انتخاب العماد جوزاف عون للرئاسة وواقع الحال. وفي هذا السياق تطرح جملة من التساؤلات: هل تكفي البيانات المنسوبة للمصادر عينها للإجابة على ما أثير حول وجود أنفاق لحزب الله في قضاءيّ جبيل وكسروان وربما في أقضية أخرى؟ ألا تستدعي خطورة الموقف أن تكلف السلطة السياسية وهنا نتكلم عن رئيس الجمهورية ـــــ الذي يبدو أنه يفرض حصرية التواصل مع الأجهزة الأمنيةـــــــ القوى العسكرية التحقق من ذلك حتى لو أدى إلى اقتحام بعض المربعات الأمنية أو العشائرية؟ ألا يشكل ذلك اختباراً لدحض الحاجة إلى تطبيق نموذج «المناطق التجريبية» شمال الليطاني وربما في كل لبنان؟
إن ما تم تسويقه إثر انتهاء جولة روما، ودائماً عبر «مصادر بعبدا»، بأن لبنان لن يعود للتفاوض إذا لم تلتزم إسرائيل بوقف شامل لإطلاق النار ووقف تجريف القرى والقبول بادراج مدينة بنت جبيل أو مدينة الخيام كمناطق تجريبية لا يبدو واقعياً ولا يلامس المأزق الحقيقي الذي يعبر عنه الواقع بشقيه الميداني والسياسي. إن الإمتناع عن المشاركة في التفاوض لن يوقف الإعتداءات الإسرائيلية بل ربما يقدم حافزاً إضافياً لإسرائيل للتصعيد، كما أنه سيعلق كل المساعي المرتبطة بإعادة الإعمار والأسرى أو تقديم المساعدات للجيش اللبناني، ناهيك بدفع لبنان نحو مزيد من العزلة السياسية التي لن تضيف سوى التعقيد على الواقعين السياسي والإقتصادي.
إن رئاسة الجمهورية مدعوة للعودة إلى الدستور بمعنى استعادة الحكومة وتثبيت دورها في اتخاذ القرار كسلطة دستورية بما لا يقتصر على معالجة القضايا الداخلية بل يتجاوزه الى مسؤولية وضع الرؤيا الوطنية والتعامل مع المتغيرات الإقليمية والمستجدات في المنطقة وإتخاذ المواقف المناسبة منها. وتكمن خطورة الموقف في الاستمرار بإعتماد آحادية القرار وإحجام لبنان عن التعامل بجدية والملاءمة مع كثافة المتغيرات الكبرى التي تحفل بها المنطقة لا سيما منها «مجلس السلام في غزة و«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» المتصلين بشكل مباشر بتشكيل المشهد الجديد في المنطقة.
إن حكومة لبنان الملتئمة برئاسة رئيس الجمهورية هي المعنية بتحديد الأصول والخطوات التي يجب أن يتم التفاوض على أساسها، وهي البديل الدستوري عن بيانات المصادر التي يتم الإحتماء خلفها والعاجزة عن مواجهة المستجدات أياً كانت الجهة التي تقف وراءها، بما يدعم ويحمي موقعيّ رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة اللذين خصهما الدستور بالتفاوض وعقد المعاهدات. فهل تملك رئاسة الجمهورية شجاعة إسقاط المصادر لصالح استعادة المؤسسات لا سيما الأمنية منها إلى كنف الحكومة، بما يعني وضع الرؤية الوطنية المناسبة ووقف الإستنسابية وإزدواجية المعايير والمفاهيم؟أخبار إسرائيل
* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات