web analytics
Home رسائل رأي عام/Public Opinion Letters د. إيلي يوسف العاقوري/كأنو مبارح

د. إيلي يوسف العاقوري/كأنو مبارح

3

كأنو مبارح
د. إيلي يوسف العاقوري/موقع مون ليبانون/02 آب/2026
كأنو مبارح كنا زغار، نلعب بحارة الدار والوقت واقف عنا ما بيمشي. كأنو مبارح كانت أمي تنده علينا للغدا وصوتها يلاحقنا لآخر الحي. كأنو مبارح كان أبي يحملني على كتفيه وأنا أظنّ أن الدنيا كلّها بهذا الطول. واليوم حين ألتفت، أجد أن كلّ ذلك المبارح تحوّل، بلا استئذان، إلى أربعين سنة وأكثر!
هذه هي الخدعة الكبرى للزمن، أنه لا يدمي، بل يركض، لكنه يركض بصمت، بلا خطى تسمع، بلا إنذار يطلق. نحن لا نشعر به وهو يسرقنا. تشعر فقط حين تلتفت فجأة فتجد المسافة التي قطعها هائلة، وتجد نفسك في مكان بعيد جدا عن تلك النقطة التي كنا نظنها الآن.
الأولاد الذين كبروا بلمح البصر كانوا بالأمس أطفالا نحملهم على الذراع، نطعمهم بالملعقة، نخاف عليهم من درجة سلم. واليوم تراهم يمشون بثقة لا نعرف من أين أتت، يتكلمون بمنطق لم نعلمهم إياه بالكامل، يشبهوننا في لمحة ويناقضوننا في أخرى. بين تلك الصورة وهذه، لم يمر إلّا لحظة في إحساسنا، رغم أن الزمن الفعلي كان يعمل بصمت طوال الوقت، حجرا فوق حجر، حتى بنى إنسانا كاملا أمام أعيننا دون أن نلاحظ متى بدأ البناء. هذا ما يفعله العمر، لا يعلن عن نفسه، بل يفاجئك بنتيجته.
العمل يسرق العمر إذ أننا نذهب إلى العمل كلّ صباح ونحن نظنّ أننا نبني حياة، وننسى أن العمل، إن لم ننتبه له، يبني حياة على حساب حياة أخرى كنا نملكها، حياة الحيوية، الشباب، الوقت مع من نحبّ. نستيقظ يومًا، بعد سنوات من الاجتماعات والمواعيد والمشاريع، لنكتشف أن الجسد لم يعد كما كان، وأن الطاقة التي كنا نظنّها أبدية بدأت تنضب، وأن المرآة تعكس وجهَا لم نتّفق معه على هذا التغيير. الغريب أن العمل لا يسرقنا بالقوّة، بل بالتراضي. نسلّمه أيامنا طوعًا، ساعة بعد ساعة، ظنًّا منا أننا نستثمر في المستقبل، فإذا بالمستقبل يأتي ونحن لا نملك رصيدًا كافيًا من العمر لنستمتع بما بنيناه.
وهنا تكمن دهشة الطفل العجوز. لتأتي تلك اللحظة متأخّرة دائمًا، حين ننظر إلى الماضي القريب البعيد بدهشة من نوع خاص، دهشة من يعرف كلّ التفاصيل لكنه لا يصدّق أنها انتهت. نتذكّر الأصوات، الروائح، الأماكن، بدقة من عاشها للتو، لكننا في الوقت نفسه ندرك أنها بعيدة بمسافة لا تقطع بالعودة. هذه هي دهشة الطفل العجوز، قلب لا يزال يحن كطفل، وعمر يعرف أنه لم يعد كذلك.
وربما أقسى ما يذكّرنا بسرعة العمر هو غياب من نحب. نعتاد وجودهم، نؤجّل الزيارة، نؤجّل الاتّصال، نؤجّل الكلمة التي كنا ننوي قولها، ظانين أن الوقت متسع دائما. ثم، فجأة، وبلا مقدمات، يرحلون. لا يرسل الغياب إنذارا مسبقا، ولا يمنحنا فرصة لإكمال ما لم نقله. يبقى فقط الفراغ، واسئلة لا جواب لها. ليش ما قلتلو؟ ليش ما زرتو أكتر؟ ليش ما سامحتو؟ ليش؟ ليش؟ ليش؟… فماذا نفعل لإيقاف نزيف العمر واستدراك الندم القاتل؟ لا حيلة لنا في إيقاف الزمن، لكن لدينا حيلة واحدة أن نعيش الآن بوعي، لا بغفلة. أن نقول الكلمة الآن، لا حين نظن أن هناك وقتا أفضل. أن نحضن من نحب اليوم، لا حين نتفرّغ. أن نعطي أولادنا وقتا حقيقيا، لا وقتا باقيا بعد التعب. أن نتذكر أن العمل وسيلة للعيش، لا بديل عنه.
التفادي الحقيقي للندم ليس بأن نعيش أطول، بل بأن نعيش أعمق. بأن لا نؤجّل الحبّ، ولا نؤجّل الاعتذار، ولا نؤجّل الفرح البسيط بحجة أن هناك ما هو أهم الآن. لأن كلّ مبارح كان يومًا اليوم، وكلّ اليوم سيصبح، عاجلًا أم أجلًا، مبارح آخر ننظر إليه بدهشة ونتمنّى لو عشناه أكثر.

Share