مقتطف من كتاب “بيت جدي” للكاتب الأستاذ لويس بركات/جدنا عبد الأحد والد ستنا نظيرة وقصّة غنى عبد الأحد والمال الذي يحكى عنه فذلك حقيقة واليكم قصّته
الكولونيل شربل بركات/05 حزيران 2026
على أثر دخول إبراهيم باشا (ابن محمد علي حاكم مصر) سنة 1832 إلى البلاد الشاميّة وبلوغه العمق التركي وانتصاراته السريعة، خافت الدول الكبرى وخصوصاً بريطانيا من أن تسيطر دولة قويّة مكان السلطنة العثمانيّة الضعيفة وتتحكّم بقناة السويس، المعروفة بطريق الهند. فأقنعت بريطانيا الدول الكبرى، ما عدا فرنسا التي كانت تقف إلى جانب محمد علي، بالتصدي إلى إبراهيم باشا وإجباره على التراجع. وحرّكت بريطانيا الشعوب في هذه المنطقة ووزعت عليها السلاح للقيام بثورات وخلق مشاكل للمصريين.
دبّت الفوضى في البلاد الشاميّة وكثر قطّاع الطرق والعصابات فخافت الناس ولم يعد أحد يجرؤ على السفر من منطقة إلى أخرى، فما كان من السلطنة إلّا أن توقف تنقل القوافل الأميريّة (التي تنقل المال العام)، كذلك أوقفت جميع رحلات الحج التي كانت الدولة تشرف عليها وتكون برئاسة الولاة. فتوقفت هذه القوافل، وكانت قد صدرت فتوى عن مفتي السلطنة بجواز عدم الذهاب إلى الحج للذين يستطيعون في هذه الأوقات وتأجيلها إلى وقت آخر، وهكذا ظلّت رحلات الحج بالقوافل ممنوعة عدّة سنوات.
اهتمّت الدول الأوروبيّة بالمسألة الشرقية، ورأت أن مصلحتها تقضي بالدفاع عن السلطنة ومساعدتها كي تفرض هيبتها، فعقد مؤتمر في لندن سنة 1840 الغاية منه نشر السلم في الشرق، وطالبوا السلطنة أن تعمل بكل حزم لنشر الأمان والطمأنينة بين الناس وأن تظهر بالأعمال أنها ممسكة بزمام الأمور. أرسل الصدر الأعظم ممثلاً عنه مندوب السلطنة في اللجنة الخماسيّة المنبثقة عن مؤتمر لندن إلى منطقتنا ليثبت للناس أن البلاد في ألف خير وأن الأمور عادت إلى طبيعتها. وكانت كل الولايات العثمانيّة قد عادت إلى كنف الدولة وحصر نفوذ محمد علي باشا في مصر وحدها، حتى إن عبد الله باشا والي عكا الذي كان هرب إلى مصر، كان قد حصل على عفو وعاد إلى ولايته.
وصدر عن الباب العالي أمر همايوني يطلب من جميع الولاة أن يحضروا، كل في ولايته، بعثة للحج للتعويض على الناس ما فاتهم من القيام به إلى الديار المقدّسة طيلة ما يقارب العشر سنوات وهي مدّة الحرب. عمّم الولاة على السكّان أنّه في ربيع 1848 ستقوم قوافل الحج لزيارة الأعتاب المقدسة برئاسة الوالي كل في ولايته، وعلى الناس أن يسجّلوا أسماءهم لأن الأعداد ستكون كبيرة. كثر الطلب على التسجيل في البلاد الشاميّة الغربية والجنوبية منها، وكانت الأعداد كبيرة من ولاية عكا: فلسطين وعجلون ومن الساحل اللبناني.
ومن المعلوم أن رحلة حج كهذه ترتّب على الحاج مالاً كثيراً؛ فزيادة على الإنفاق الشخصي من مأكل ومشرب ومصروف خاص، كان يترتب على الحاج أن يدفع مكساً للأعراب ليسمحوا لهم بالمرور آمنين. وكانت تكاليف القافلة الفرعية من فلسطين والساحل اللبناني والتي تدفع من صندوق الولاية دون مصاريف الأفراد، تُقدّر بستة آلاف كيس من الذهب تنفق على شراء المشاعل والقرب والحبال وأجر الجمال والأدلّاء، هذا عدا 1800 كيس اعتاد الباشا الوالي أن يوزعها على العشاير الضاربة في طريق الحج، وبالإضافة إلى ما كان يعرف بالتركيّة “الصرّة أميني” أي أمين الصرّة، وهو المال الذي ترسله الدولة إلى الوالي ليوزّع على أشراف الحجاز كمساعدة لتسهيل أمور القوافل.
وكان يتوجّب على كل والٍ أن يختار من منطقته أقوى وأشجع الفرسان لحراسة بيت مال القافلة، ويجب أن يكون هؤلاء من الذين ينالون ثقة الوالي. فاختار الوالي حمد الحمدون، أحد شباب عرب الحمدون وهي قبيلة من أشجع وأقوى القبائل الضاربة بين الساحل الفلسطيني ومرج ابن عامر، وكان لهؤلاء بعض الأصدقاء في عين إبل منهم على سبيل التحديد يوسف متى ووالده الملقّب علوان تيمناً بكبير القوم عند هؤلاء العربان. كما واختار الوالي مصطفى الهيب وهو من أشد رجال عرب الهيب وهم قوم مشهورون بالبطش والغزو، أمّا الفارس الثالث فكان محمود الشدايدة من عرب الحدود مع شرق الأردن وهم ينتسبون، كما يقولون، إلى قبيلة بني شدّاد التي ينتمي إليها عنترة المشهور.
وكانت مهمّة الفرسان الثلاثة المحافظة على بيت المال المنتقل مع القافلة الفرعيّة التي تنطلق من فلسطين وستلتقي القافلة الكبرى بعد خروجها من الشام. وبيت المال هذا يحتوي على مبالغ كبيرة من الذهب لأن القبائل على طريق الحج لا ترضى بالعملة الورقيّة أجراً أو إكراميّة أو برطيلاً. وكان هؤلاء الفرسان ينسّقون مع الفرقة العسكرية الموكل إليها الحماية الرسمية من قبل أمير القافلة وهو والي الشام الذي بدأ يتولّى إمارة الحج منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر. ولما كان على القافلة الفرعيّة الالتقاء بالافلة الكبرى عند قرية المزيريب، وهي إحدى قرى حوران وهناك تلتقي جميع القوافل: قافلة الحج الفلسطيني، والشاميّة والحلبيّة، وترتاح القوافل بضعة أيام قبل الانطلاق للرحلة الشاقة إلى بلاد الله الحرام، كان على عبد الله باشا الانطلاق قبل أربعة أيام للوصول إلى قرية المزيريب مكان تجمّع القوافل الأخير، فكان الانطلاق تلك السنة في بداية شهر ذي القعدة (أيّار) لأن العيد كان في نهاية ذي الحجة (حزيران).
انطلقت قافلة البلاد الشاميّة الجنوبيّة من فلسطين متخذةً طريق منخفض طبرية من الجهة الغربيّة من شط البحيرة لتتمكّن من الالتفاف حول منخفض الحولة ومن ثمّ الانعطاف جنوباً لأخذ طريق دمشق حوران حيث تلتقي القافلة الكبرى قبل الوصول إلى المزيريب. ولما كان الطقس صيفاً والليل مقمراً كانت القافلة تسير ليلاً وترتاح عندما تشتدّ الحرارة نهاراً. وما كادت القافلة تنهي طريق منخفض الحولة، وبينما كانت تسير ليلاً، سُمع إطلاق نار في المقدمة، فركض بعض الجنود من حرس بيت المال إلى الأمام لاستطلاع الأمر، ثمّ سُمع عدّة طلقات ناريّة ضمن القافلة دون أن يعلم أحد ماذا يجري مما أحدث بلبلة وفوضى في القافلة. أمر الوالي بالتوقّف وحاول تهدئة الناس طالباً منهم الهدوء والنوم حتى الصباح ليتمكن من معرفة ما جرى بالتحديد.
في الصباح تبيّن أن بيت المال قد اختفى، وأن محمود الشدايدة قد قُتل هو وجنديين من حراس بيت المال، وأن الحارسين الآخرين: حمد الحمدون ومصطفى الهيب قد اختفيا. لم يعد يهمنا نحن أمر القافلة، كل ما يهمنا هنا هو حمد الحمدون ومصطفى الهيب؛ وهذا الأخير لم يرجع إلى أهله أبداً فقد اختفى، أهو ميت أم متخفٍ لا أحد يعرف، وكل ما عُرف عنه أن حصانه وُجد شارداً يرعى بالقرب من مضارب قومه.
قصّة سرقة بيت مال القافلة صدرت في جريدة “أخبار الولاية” لصاحبها بدري عوده سنة 1858 في عددها الأول كسبق صحافي، وأُخذت من التحقيقات التي أجرتها السلطنة وكان قد أُلقي القبض على مصطفى الهيب بعد مدّة من وقوع الحادث، فاعترف أنه اتفق مع حمد الحمدون على السرقة، وعاد وقتل حمد لكنه لم يجد المال الخاص بحمد أبداً.
كان يوسف بن موسى متى الملقّب علوان ينام تلك الليلة في اليوم الأول من شهر حزيران عام 1853 على سطح منزله المتطرّف في غربي بلدته عين إبل ليحرس حصيد موسم الحمص خوفاً عليه من السرقة في وقت كثرت فيه السرقات والاعتداءات، وكان ابنه عبد الأحد ابن السبع سنوات ينام معه. بعد منتصف الليل، سمع يوسف وكأنه وقع حوافر حصان فلم يكترث للأمر، وما هي إلّا دقائق قليلة وإذا بحمد الحمدون في باحة داره، وقد عرفه يوسف من طوله الفارع وكانت الليلة مقمرة. تعجّب يوسف من مجيء حمد في مثل هذه الساعة وعرف أن في الأمر سراً، فناداه بصوت خافت وقال له: “أنا هنا على السطح”. سُرّ حمد لوجود يوسف على السطح فصعد إليه، وأوّل ما سأل عنه إذا كان وحده أم معه أحد، وكان الجواب: “وحدي ولا يهمّك”.
أخبر حمد يوسف أنه استولى على مال القافلة المتوجهة إلى الحج والمقدّر بألوف الليرات الذهبيّة، وأنه سيدع المبلغ عنده ريثما يجد مكاناً ليضعه فيه ويكون آمناً. وأفهم حمد يوسف أن هذا المال هو مال السلطنة فلا يجب أن يعلم به أحد على الإطلاق حتى أهل بيتك وزوجتك، لأنه في حال عرف به أحد ستذهب إلى المشنقة حالاً. وكانت هناك صداقة حميمة حتى الأخوة تربط حمداً بيوسف منذ أن كانا صبيين وعندما شبّا وكبرا. ثم دار حديث بين الرجلين، وكان محور الحديث أن لا يسلّم يوسف المال إلّا له شخصيّاً “حتى ولو جاء والدي إليك، إلّا إذا كنت أنا برفقته”. نام حمد تلك الليلة مدّة ساعة أو ساعتين على السطح ليرتاح، وقبل انبلاج الفجر ترك حمد كيس الدراهم عند صديقه يوسف علوان وانطلق على حصانه باتجاه الغرب.
لم ينم يوسف في تلك الليلة بعد ذهاب حمد ولا دقيقة واحدة وأخذ يفكر في نفسه قائلاً: “يا ليتني لم أقبل بتلك الخدمة لحمد، ولو رفضت لما كان زعل مني، ولكن كيف لي أن أرفض لحمد تلك الخدمة؟” إلى أن رضي وأقنع نفسه بالذي صار. وفي الصباح، وكانت الشمس قد بانت على الأسطح قبل داخل البيوت، استيقظ عبد الأحد فوجد والده متكئاً على مخدته يدخن -على غير عادته- بكثير من الانفعال، فلم يعلّق على ذلك وهو ابن العشر سنوات (أو السبع سنوات كما ذكر سابقاً)، فقال له والده: “اسمع يا عبودي، بالليل عندما مرّ بنا أحد الأصدقاء وتكلّم معي أنت استيقظت على الحديث وعرفت أن شخصاً غريباً مرّ بنا. هذا الشخص هو صديقي وصاحبي من زمان وهو بالنسبة لي مثل أعز الإخوة، بس هذا الرجل هربان من السلطنة العثمانيّة والسروالي (الخيالة/العسكر) تفتّش عنه، فإياك أن تقول إنه جاء إليّ في الليل فالأتراك يشنقوننا نحن وهو، حتى أمام أمّك ومهما صار، إيّاك أن تقول إنه جاء إلينا”.
قبل أن يصحو الجميع في البيت، كان يوسف متى قد أخفى كيس الدراهم بعد أن ألقى نظرة على ما في داخله، فصعق لما رآه من ذهب وكلّه ملفوف في أكياس صغيرة كانت محضّرة مسبقاً لتوزّع حسب ما هو مخطّط له. كتم يوسف سر المال المخبأ طوال حياته ولم يعلم أحد به، لا زوجته ولا ابنه موسى إلّا عبد الأحد، وهذا الأخير كان قد نسي مع الأيام قضيّة المال نهائياً. مرّت الأيام ولم يحضر أحد ليطالب بالمال، ومرّت سنون كثيرة ولا أحد اقترب من يوسف بهذا الخصوص. وكان كل ما عرفه يوسف بعد مدّة أن حمداً لم يصل إلى بيته تلك الليلة بل وصل حصانه منفرداً. وعرف أيضاً أن الوالي قد غضب على قوم الحمدون وشرّدهم من مكان سكناهم في فلسطين، وأن بعضهم هرب وسكن في منطقة الشعب من أعمال صور.
كبر يوسف متى في السن وأيقن أنه يجب أن يُعلم ابنه الذي يعرف بقضيّة المال عن مكان وجوده، فأخبر ابنه عبد الأحد بمكان المال وحذّره من إطلاع أحد على الأمر. مات يوسف متى، وكان قبل موته بمدة قد اعترف لخوري القرية بالأمر قائلاً: “إن أحد أصحابه وضع عنده أمانة وهي كناية عن بعض المال، دون أن يعلمه بالمبلغ وعن سرقة بيت المال”، وقال له: “أريد أن لا يعرف أحد بالقضية”.
مرّت الأيام وكبر عبد الأحد وتزوّج وأصبح أباً ولم يطلع على ما تركه له والده في المخبأ. وبعد مرور عدة سنوات تزوّجت ابنته نظيرة من بركات يوسف بركات، وكان عبد الأحد يزور ابنته نظيرة ويعجب بالبيت الجديد وهو مسرور أن ابنته الوحيدة ساكنة في هذا البيت. وكان كلما رأى سقف الليوان والعلب الخشبيّة المدلّاة منه يقول لها: “سوف أملأ لك هذه الععلب بالذهب”، وتضحك الابنة معتقدة أن أبيها يريدها مرتاحة ومن كثرة حبّه لها يقول لها هذا الكلام.
في بداية القرن العشرين بدأت الأسر اليهوديّة تهرب من بلدان أوروبا وتأتي إلى فلسطين، ومن هذه الأسر كان شخص يهودي اسمه مردخاي ويكنى بأبي إسرائيل، جاء وسكن في عين إبل وأصبح كأنه شخص من البلدة. اشترى أبو إسرائيل بيت المختار يوسف بركات في حي بيت فرح وفتح مصنعاً صغيراً لصناعة الخمور، وكان يضمن كروم العنب في عين إبل ويصنع الخمور ويبيعها في صفد وفلسطين. وكان يخبر الناس في جلساته كيف أن اليهود تعذبوا ومرّت عليهم أيام قاسية، وكيف كانوا يذوبون الذهب ويخلطونه بالرماد فلا يُعرف أنّه ذهب، فيستطيعون نقله من مكان إلى آخر دون خوف من سرقة أو التعرّض لقطّاع الطرق.
سمع عبد الأحد الخبرية وقال في نفسه: “سأجرّب أنا بكيسين من المال الذي عندي أمانة”. وكان قد سمع من أبي إسرائيل أن الذهب يذوب بحرارة النار العاديّة القويّة، فقرّر عبد الأحد أن يجرّب ذلك عندما يسلق القمح لصناعة البرغل. ولمّا حان الوقت في أواخر أيلول لصناعة “القلبة”، أخذ عبد الأحد بعض الأكياس المحتوية على الذهب وقام باكراً ووضع المال في جنطاس نحاس ووضعه في قعر الموقد حيث سيشعل الحطب تحت الخلقين. وعندما أنهى العمل وبرد الموقد، سحب الجنطاس فإذا بالذهب كرة مخلوطة بالرماد ولا أحد يعرف أنها من الذهب. لم يخبر عبد الأحد أحداً بما فعل، ولكن خاف أن ترى زوجته هذه الكرة وتسأل ما هي ومن أين أتت، ففضّل عبد الأحد أن يضع هذا الذهب عند ابنته نظيرة، فأخذه إليها وقال لها: “خلّي هيدي عندك وحافظي عليها وأوعا تضيعيها”. وضعت نظيرة الكرة في أسفل الخزانة الخشبيّة في غرفة “الخشب”.
ومرّت الأيام ومات عبد الأحد ولم تكترث نظيرة إلى الكرة التي بقيت في البيت إلى ما بعد موت ستي نظيرة واستلام عمتي روز شؤون البيت، فكانت هذه الكرة تستعمل كسند للباب كي لا يغلقه الهواء! وتعاقب على البيت عدة أسر، وكبر الأولاد وكلنا رأينا تلك الكرة دون أن يعلم أحد بأمرها. وأذكر، وكنت بعد في عمر الطفولة وفي يوم من أيام كانون الأصم وكان نهاراً عاصفاً بالبرق والرعد، أن “الزاعقة” (الصاعقة) دخلت ككتلة من النار إلى داخل الغرفة حيث الكرة الذهبيّة موجودة، ومن المعلوم أن الذهب يجذب الصواعق، ولو لم تكن أرض الغرفة من الخشب لكانت الصاعقة عملت حريقاً في البيت. وظلّت هذه الكرة في بيت جدي بركات ولا أحد يعلم بأمرها إلى أن آل البيت بالقسمة إلى عمّي إدوار، فراحت تلك الكرة مع الأغراض التي رُميت يوم إفراغ البيت من المحتويات القديمة على أنها “زبالة”. أمّا بقية الأموال التي كانت بعهدة عبد الأحد، وقد زاد عليها في المخبأ نفسه ما كان جناه هو في حياته (ومن المعروف أن حالته الماديّة كانت جيّدة)، فقد ظلّت في مكانها ولا أحد يدري أين هي.
يوم واقعة سنة 1920 والهجوم على عين إبل، هرب جميع الأهالي باتجاه فلسطين ولم يبق في البلدة سوى بعض كبار السن ممن اعتقد أن له أصحاباً في المنطقة وهو معروف منهم فمن المستحيل أن يتعرض له أحد بسوء؛ هذا كان السبب الأساسي المعلن عنه، ولكن في الواقع كان هناك خوف على المبالغ الذهبيّة المخبأة والاعتقاد أنهم (أي المهاجمون) قد يصلوا إليها، ولهذا السبب لم يترك عبد الأحد بيته في ذاك اليوم المشؤوم.
ولمّا وقع الهجوم مع المغيب وأخذ عبد الأحد يسمع الطلقات الناريّة، وبالتحديد عندما سمع صوت جاره يوسف الحاج يستغيث وكيف أن الطلقات الناريّة سُمعت في بيته (ومن المعلوم أن يوسف الحاج كان رجلاً مرموقاً وله أصحاب ومعارف بين الشيعة، ومع ذلك فقد هوجم بيته وسُمع فيه إطلاق نار)، ثم من بعدها بقليل سمع نفس الأصوات والاستغاثات في بيت جاره الثاني مارون الخوري، أيقن عبد الأحد أن دوره بات قريباً. ولمّا كانت الحياة عزيزة، جلس في المكان الذي كان يخبئ فيه المال كلّه.
وما هي إلّا دقائق حتى أصبح المهاجمون في بيته، ولما كان مصيره معروفاً مما سمعه عند جيرانه، فكّر أن يرشي المهاجمين بالمال الكثير، فما إن دخل المسلّحون عليه حتى بادرهم قائلاً: “أعطيكم كل ما أملك فاتركوا لي حياتي”. أخذ المسلحون المال كلّه ونيّحوا (قتلوا) عبد الأحد كما نيّحوا يوسف الحاج ومارون الخوري، وذهب هذا المال مع ما قد جناه عبد الأحد في حياته وتباخل في صرفه، فذهب كل الذهب في لمحة بصر. وبقينا ونحن صغار نعتقد أن جدّي العبد قد طمر المال في إحدى زوايا البيت (الذي سكنته في ما بعد عمّتي إميلي) وكنا نحلم أن نجدها، ولم نكن نعلم أن هذا المال هو مال حرام، وكما جاء سريعاً ذهب بنفس السرعة.
هذه هي قصّة ذهبات جدّي العبد التي حيّرتنا ونحن صغار وحيّرت الكثيرين قبلنا، وكنّا نحلم أن نجدها في بيت عمتي إميلي وكنا نعتقد أن جدي العبد كان يملك الذهب الكثير، فالحقيقة أنه كان يملك الذهب ولكن هذا الذهب لم يكن ملكه الخاص، فمثلما جاء بالسرقة راح بالسرقة.
السيرة الذاتية للكولونيل شربل بركات
خبير عسكري، كاتب، شاعر، مؤرخ، ومعلق سياسي
*ضابط متقاعد من الجيش اللبناني
*متخرج من المدرسة الحربية ومجاز بالعلوم السياسية والادارية من الجامعة اللبنانية
*كلف كأحد الضباط لتنظيم الدفاع عن القرى الحدودية منذ 1976
*تسلم قيادة تجمعات الجنوب
*تسلم قيادة القطاع الغربي في جيش لبنان الحر وأصبح مساعدا للرائد سعد حداد ثم تسلم قيادة الجيش بالوكالة عندما مرض الرائد حداد واستمر بعد وفاته حتى مجيء اللواء أنطوان لحد فأصبح مساعده ثم قائدا للواء الغربي في جيش لبنان الجنوبي
*ترك العمل العسكري في 1988 وتسلم العلاقات الخارجية
*شهد أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي مرتين
*كاتب سياسي وباحث في التاريخ له الكثير من الكتب والمقالات السياسية التاريخية والانسانية
نشر كتابه الأول “مداميك” (1999) الذي يحكي عن المنطقة الحدودية ومعاناة أهلها، ترجم إلى العبرية ونشرته معاريف (2001) والانكليزية (2012) Madameek – Courses – A struggle for Peace in a zone of war موجود على Amazon Books
*نشر كتابه الثاني “الجنوب جرحنا وشفانا” الذي يشرح الأحداث التي جرت في المنطقة بين 1976 – 1986
*الكتاب الثالث “Our Heritage” كتاب بالانكليزية يلخص التراث اللبناني مع رسومات لزيادة الاستيعاب موجه للشباب المغترب
*كتابه السياسي الثالث “لبنان الذي نهوى” (2022) جاهز للطبع
*كتاب مجزرة عين إبل 1920 وهو بحث تاريخي عن المجزرة التي ساهمت في نشوء وتثبيت لبنان الكبير
*كتاب “المقالات السياسية 2005 – 2013” مئة ومقالة منشور على صفحته
*كتاب “الشرق الأوسط في المخاض العسير” مجموعة مقالات سياسية (2013 – 2025)
*كتاب “العودة إلى عين إبل” بحث تاريخي بشكل قصصي عن تاريخ المنطقة بين 1600 – 1900
*كتاب شعر عن المعاناة خلال الحرب الكبرى 1914 – 1918 من خلال قصيدة زجلية نقدية جاهز للطبع
*كتاب “تاريخ فناء صور الخلفي” بحث تاريخي عن المنطقة الجنوبية – قيد الانجاز
*كتاب المقالات الانسانية وكتاب عينبليات قيد الانجاز