web analytics
Home أرض، تاريخ لبناني ومسيحي وعجائب/Land,Lebanese- Christian History & Miracles جورج حايك/القديس شربل وأعجوبة أنقاذ الحقول من الجراد

جورج حايك/القديس شربل وأعجوبة أنقاذ الحقول من الجراد

12

القديس شربل وأعجوبة أنقاذ الحقول من الجراد!
جورج حايك/فايسبوك/02 حزيران/2026
إحدى موجات الجراد حصلت عام 1885 عندما دهمت اسراب منها، حقول عنايا والقرى المجاورة. كان لا بدّ من ان تتلف جميع الزروع والأغراس.
في غمرة هذا الخطر المحدق. امر الرئيس الأب شربل بأن يبارك ماء ويرش به الحقول. فكل حقل رُشّ بالماء نجا من فتك الجراد.
المشهد في تلك الأيام كان غريباً، فالشمس اختفى نورها بفعل كثافة الجراد. أراضي المسيحيين في مشمش واهمج وعنايا لا تزال خضراء إذ كان لصلوات الأب شربل الحارة المصحوبة بأصوام متواصلة وسجدات كثيرة، الأثر الكبير في تدخّل الله . أما في اراضي المتاولة المجاورة مثل طورزيا وعلمات وغيرهما فلم يبق فيها الا القليل القليل من المساحة الخضراء.
استنجد اهالي تلك القرى للمحافظة على ما تبقى من أراض مكسوّة بالأخضر بالشيخ محمود حماده الذي كان مدير الناحية، ناحية المنيطرة، آنذاك، بعدما لفتهم ان اراضي المسيحيين بقيت خضراء كأنها سفينة نوح في وسط طوفان الخراب الشامل. جاء الشيخ حماده إلى دير مار مارون عنايا:
– يا بونا حنا، هل تسمح أن يصلي بونا شربل على هذا الوعاء من المياه فنرشّ بها ما تبقى من اراضينا لتبقى خضراء؟
– لا مشكلة، بونا شربل يقيم في المحبسة في محلة الرويسات، اطلبوا منه وقولوا انني اسمح له بذلك.
وصل الشيخ محمود إلى المحبسة مع رفاق له. كانت هادئة إلى درجة ظنّ فيها الشيخ محمود انها خالية. نزل الشيخ عن صهوة جواده واسترق النظر إلى الكنيسة، فرأى راهباً نحيلاً راكعاً منتصباً امام القربان بلا حراك، في يده مسبحة.
خرج الأب مكاريوس لإستقباله وهو كان يعرف انه مدير المنطقة:
– أهلاً وسهلاً بالشيخ محمود، خير تخمين لديك غرض تقضيه عندنا؟
– صحيح يا بونا، بلغنا انه يعيش في هذه المحبسة راهب قديس اسمه شربل، هل هذا صحيح؟
– بونا شربل يعيش هنا، هو الآن في الكنيسة ولن يخرج قبل ساعة.
– مضى علينا ساعتان وهو لا يزال على هذا الحال؟
ابتسم الأب ماكاريوس مقدّراً طول انتظارهم:
– اعذرونا يا شيخ محمود، لكن عليكم الانتظار لأن بونا شربل يقضي ساعات طويلة امام المذبح وهو لا يسير بوقتنا الزمني انما وفق توقيت الله ومخططاته، لذلك هو يشعّ نوراً ويوزّع نعماً إلهية على النفوس المتألمة.
امتلكت الدهشة الشيخ محمود وأجاب الحبيس مكاريوس:
– جودة النهار تُعرف من الصباح يا بونا، لكن نأمل ان لا يطول انتظارنا أكثر، فالجراد عرّى الأشجار من قشورها. هل لك أن تتكلم معه.
استأذنهم الأب مكاريوس ودخل الكنيسة، وضع يده على كتف الأب شربل:
– يا بونا شربل إذا انتهيت من صلاة المسبحة، هناك مجموعة من اخواننا المتاولة يريدون أن يلتقوا بك وينتظرونك منذ ساعتين.
لم يجب الحبيس الغائص في التأمل، لكن ما هي الا خمس دقائق حتى خرج من المحبسة.
نظر الشيخ محمود اليه، فانحنى ودنا منه محاولاً ان يمسك يده ليقبّلها. فأبعدها الأب شربل مستغفراً. إذ شعر الرجل الشيعي النافذ كأنه ينظر إلى الخالق وكأنه امام كائن طائر على أجنحة الروح.
– المجد لله يا اخوان، قال الأب شربل
ردّ الشيخ محمود مرتبكاً:
– دايماً لله يا بونا، هل تسمح بالصلاة على هذا الوعاء من المياه لنرشّ به أراضينا لنحفظها من هجوم الجراد.
أجابه الأب شربل ونظره مطرقاً إلى الأرض:
– أنا خاطئ، صلاة القديسين تنيلكم مطلبكم.
– لكن عرفنا انك صليت على المياه التي رشّت على اراضي الدير والقرى المجاورة لنا وها هي خضراء؟
– انا أحقر الناس، خاطي. صلّ أنت ايضاً، أي فرق بيني وبينك، الله يسمع لك كما يسمع لي.
كان الشيخ محمود سريع البديهة فأجابه:
– لكن أنت قديس.
فقال الأب شربل بهدوء:
– متلي متلك يا خيّ، أي شيء يعيقك عن القداسة.
ألحّ الشيخ محمود على الأب شربل ليصلي على الوعاء، فنظر إلى زميله الأب مكاريوس ليأخذ منه الأمر وفق مبدأ الطاعة، إذ كان مقيّداً نفسه بطاعة رفيقه، الأصغر منه سناً… فأشار الأخير:
– معه إذن من الريّس، فلا تخف، صلّي يا بونا.
– صلاة القديسين. اتكلوا على الله هو يدبّركم.
– أخذ الأب شربل الوعاء إلى الكنيسة، حرّك يده وبارك وصلّى عليه، ثم عاد بعد ثلاث دقائق وسلّمه الوعاء من دون أن ينظر اليه وقال مخاطباً الشيخ محمود:
– اطلبوا من الربّ أن يعطيكم حسب إيمانكم.
أخذ المتاولة المياه ورشوا به حقولهم الباقية، فتحوّلت اسراب الجراد إلى جهة أخرى فسلمت مزروعاتهم ايضاً من الضرر.
ان الصلوات الحارة التي قام بها الأب شربل للشيخ محمود وأهالي طورزيت وعلمات من الشيعة، أدهشتهم وحملتهم على التفكير والقول بإعجاب:
– رجل لله هذا إنما لا تؤثر فيه الأمجاد البشرية ولا الملذات العالمية! يستمتع بالراحة في قبو مظلم! يأكل حفنة من عروق البقول مرة في اليوم! يقضي الليل كلّه في السهر والصلاة والسجدات الطويلة!
هذا كلّه جعلهم يتغيّرون، فهبّ فيهم الايمان وجعل كثيرين منهم يتنصّرون. وحينما أتى وقت الحصاد، قدم العديد من قرى اهمج وعلمات وطورزيت، مسيحيين ومسلمين وحصدوا زرع الدير مجاناً، عرفاناً بالجميل.
كان للقديس شربل دالة كبيرة لدى الله، لأنه أضحى ملاكاً، علماً ان معظم الحبساء المتفرغين إلى عبادة الله هم ملائكة صغار، فكم بالأحرى سيكون الأب شربل مخلوف ملائكياً، بعد ان مارس نسكاً يفوق الطبيعة، وغدا لا هيولياً(بلا جسد) فحلّق في العلاء، واضعاً ذهنه لدى الله أبداً.

Share