مار شربل مخلوف: سيرة موسعة عن حياة وقداسة ناسك لبنان العظيم
الياس بجاني/23 تموز/2026
*ملاحظة/المعلومات الواردة في هذه الدراسة منقولة عن العديد من المراجع الكنسية والاهوتية والبحثية والإعلامية الموثقة.
مقدمة
يُعدّ القديس مار شربل مخلوف من أشهر قديسي الكنيسة المارونية والكنيسة الكاثوليكية في العصر الحديث، وقد تجاوزت شهرته حدود لبنان والشرق الأوسط لتصل إلى مختلف القارات. ويُعرف عند ملايين المؤمنين بلقب “طبيب السماء” بسبب كثرة الشهادات عن النعم والشفاءات المنسوبة إلى شفاعته. ويحتفل الموارنة والكاثوليك بعيد القديس مار شربل في 23 تموز/يوليو من كل عام، وهو يوم وفاته وانتقاله إلى الحياة الأبدية. لقد شكّلت حياته مثالاً نادراً للنسك والصلاة والتقشف والطاعة، حتى أصبح رمزاً روحياً للبنان وللكنيسة الجامعة، وصار مزار ضريحه في بلدة عنايا من أهم المزارات المسيحية في العالم.
اسمه الحقيقي ونشأته
ولد القديس مار شربل باسم: يوسف أنطون مخلوف في بلدة بقاعكفرا الواقعة في قضاء بشري شمال لبنان، وهي أعلى بلدة مأهولة في لبنان تقريباً، وذلك في 08 أيار سنة 1828 وكان والده يدعى أنطون مخلوف ووالدته بريجيت الشدياق. نشأ يوسف في عائلة ريفية بسيطة مؤمنة، تعيش من الزراعة وتربية المواشي. وقد فقد والده وهو صغير السن، الأمر الذي جعله يعيش حياة قاسية منذ طفولته. ومنذ صغره ظهرت عليه علامات التقوى والانجذاب إلى الصلاة والعزلة. وكان يهرب إلى مغارة قريبة من منزله ليصلي بعيداً عن الضجيج، حتى إن أبناء بلدته كانوا يلقبونه أحياناً بـ”الناسك الصغير”.
دعوته الرهبانية ودخوله الرهبنة
شعر يوسف منذ حداثته بنداء قوي للحياة الرهبانية. وفي سنة 1851 غادر منزل العائلة سراً متوجهاً إلى دير سيدة ميفوق التابع للرهبانية اللبنانية المارونية.
عندما دخل الرهبنة اتخذ اسم شربل تيمناً بالشهيد المسيحي القديم القديس شربل الأنطاكي الذي عاش في القرن الثاني للميلاد. وبعد فترة انتقل إلى دير مار مارون عنايا حيث تابع حياته الرهبانية. وفي 01 تشرين الثاني 1853 أبرز نذوره الرهبانية الأولى.
ثم أكمل دراسته الفلسفية واللاهوتية في دير كفيفان حيث تتلمذ على يد القديس المعروف نعمة الله الحرديني الذي أصبح فيما بعد أحد قديسي الكنيسة المارونية.
سيامته الكهنوتية
رُسم الأب شربل كاهناً في 23 تموز 1859 وهو التاريخ نفسه الذي سيصبح لاحقاً يوم وفاته بعد تسعة عشر عاماً. بعد رسامته عاد إلى دير مار مارون عنايا حيث عاش حياة الصلاة والعمل والصمت.
حياته في دير عنايا
يقع دير مار مارون عنايار في منطقة جبيل اللبنانية، وقد أصبح من أشهر الأديرة في العالم المسيحي بسبب ارتباطه بالقديس شربل. عاش فيه أكثر من ستة عشر عاماً راهباً عادياً قبل انتقاله إلى المحبسة. كان معروفاً بـ: الصمت الطويل. الطاعة المطلقة لرؤسائه. التواضع العميق. محبة الفقراء. العبادة المستمرة للقربان المقدس. التقشف الشديد. وكان يعتبر أن الرهبان يجب أن يعيشوا الإنجيل حرفياً لا نظرياً فقط.
انتقاله إلى المحبسة
ما هي المحبسة؟ المحبسة هي مكان انعزال رهباني شديد التقشف، يعيش فيه الناسك حياة صلاة وتأمل وعمل بعيداً عن العالم. وفي سنة 1875 سمح له رؤساؤه بالانتقال إلى محبسة القديسين بطرس وبولس القريبة من دير عنايا. وهناك عاش آخر 23 سنة من حياته.
حياة النسك والصلاة
تُعتبر حياة مار شربل في المحبسة من أكثر نماذج النسك تشدداً في تاريخ الرهبنة المارونية وكان برنامجه اليومي يقوم على الصلاة. كان يقضي ساعات طويلة أمام القربان المقدس.
الصوم/كان يصوم معظم أيام السنة.
السهر/كان ينام ساعات قليلة جداً.
العمل اليدوي/كان يشارك في الأعمال الزراعية البسيطة.
الصمت/لم يكن يتكلم إلا عند الضرورة القصوى.
صفاته الشخصية
*التواضع/لم يسعَ أبداً إلى مركز أو شهرة. وكان يعتبر نفسه أقل الرهبان شأناً.
*الطاعة/نفّذ أوامر رؤسائه دون نقاش.
*الفقر الاختياري/عاش فقيراً حتى وفاته.
*الصلاة الدائمة/كان يُنظر إليه كرجل يعيش في حضور الله باستمرار.
*محبة القربان المقدس/كانت الذبيحة الإلهية محور حياته كلها.
وفاته
في مساء 16 كانون الأول 1898 وأثناء احتفاله بالقداس الإلهي في المحبسة أصيب بجلطة دماغية مفاجئ وبقي يعاني عدة أيام ثم توفي في 24 كانون الأول 1898بحسب التقويم المدني. أما عيده الليتورجي الماروني فيُحتفل به في 23 تموز وهو يوم رسامته الكهنوتية وانتقاله الروحي في التقليد الكنسي.
كان عمره 70 سنة يوم وفاته
ما جرى بعد وفاته
بعد دفنه بدأت تظهر أحداث غير عادية فقد شاهد سكان المنطقة أنواراً تخرج من قبره ليلاً وبسبب تكرار هذه الظاهرة فُتح القبر بعد أشهر وكانت المفاجأة أن جسده وُجد سليماً إلى حد كبير غير متحلل بصورة معتادة، يفرز سائلاً مائياً مائلاً إلى الدم. وقد استمرت هذه الظاهرة سنوات طويلة. وتكررت عمليات فحص الجثمان أكثر من مرة خلال القرن العشرين وأثارت حالة الجسد اهتمام الأطباء والعلماء والزوار من أنحاء العالم. واليوم تُحفظ بقايا القديس في مزاره في عنايا حيث يقصدها ملايين الحجاج.
دير عنايا وضريحه
أصبح دير مار مارون عنايا المركز العالمي لتكريم القديس.
ويضم: ضريح القديس. متحفاً لمقتنياته. الكنيسة القديمة. البازيليك الحديثة. مركز استقبال للحجاج. ويستقبل سنوياً زواراً من لبنان والعالم العربي وأوروبا والأميركيتين وأفريقيا وآسيا.
إعلانه طوباوياً
بعد دراسة طويلة لحياته وعجائبه افتتحت دعوى تطويبه في روما. وفي 05 كانون الأول 1965 أعلنه البابا Paul VI طوباوياً خلال أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني وكان هذا الحدث محطة تاريخية للكنيسة المارونية.
إعلانه قديساً
بعد الاعتراف بعجائب جديدة كثيرة في لبنان وبلدان كثيرة تمت دراسة ملفه مجدداً. وفي 09 تشرين الأول 1977 أعلنه البابا بولس السادس قديساً للكنيسة الجامعة. ومنذ ذلك التاريخ أصبح اسمه القديس شربل مخلوف ويُكرَّم رسمياً في الكنيسة الكاثوليكية في العالم كله.
أشهر العجائب المنسوبة إليه
تُنسب إلى شفاعة القديس مار شربل آلاف الشهادات الروحية والطبية ومن أشهر الحالات التي جرى تداولها:
*شفاء الأخت ماري أبيل قسيس وهي المعجزة الأساسية التي استُخدمت في ملف تطويبه. شُفيت من أمراض مستعصية بعد طلب شفاعته.
*شفاء نعمة يونس وهي المعجزة التي ساهمت في إعلان قداسته.
حالة نهاد الشامي أصبحت من أشهر عجائب العصر الحديث بعد شفائها من شلل خطير وظهور جرحين في عنقها.
*حالات شفاء السرطان/سُجلت شهادات عديدة في لبنان والعالم عن شفاءات من أنواع مختلفة من السرطان.
*شفاءات العمى والشلل/وثقت لجان كنسية وطبية شهادات كثيرة تتعلق بأمراض مستعصية. وتستمر إدارة مزار عنايا في تلقي تقارير وشهادات من بلدان متعددة حول العالم.
انتشار تكريمه في العالم
يُعد مار شربل اليوم من أكثر قديسي الشرق انتشاراً عالمياً وتوجد كنائس وأديرة ومزارات باسمه في عشرات الدول، منها: لبنان، سوريا، مصر، الأردن، العراق، إسرائيل، الولايات المتحدة، كندا، المكسيك، البرازيل، الأرجنتين، تشيلي، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، ألمانيا، بلجيكا، جنوب أفريقيا، الفيليبين. وقد شُيدت مئات الكنائس والمصليات والأضرحة على اسمه حول العالم.
الأهمية الروحية لمار شربل
تكمن أهمية القديس شربل في أنه جمع بين الصلاة والعمل. عاش الإنجيل بأقصى درجات الأمانة. مثّل روحانية الشرق المسيحي. قدّم نموذجاً عالمياً للنسك والتأمل. أصبح جسراً روحياً بين الشرق والغرب. ولهذا يزور ضريحه مسيحيون ومسلمون وأشخاص من ديانات مختلفة طلباً للصلاة والبركة.
صلاة إلى الله بشفاعة القديس مار شربل من أجل لبنان
أيها الرب الإله، يا سيد التاريخ والشعوب، نسألك بشفاعة القديس مار شربل مخلوف، ناسك عنايا وقديس لبنان والعالم، أن تنظر بعين الرحمة إلى لبنان وشعبه. امنح أبناءه الحكمة والشجاعة والأمانة للحق، وبارك كل الجهود الساعية إلى السلام العادل والحرية والكرامة الوطنية. احفظ لبنان من العنف والانقسام والفساد، وثبّت فيه دولة القانون والمؤسسات، وصُن سيادته واستقلاله ووحدة أراضيه. يا رب، اشفِ جراح اللبنانيين، وعزِّ المتألمين، وامنح المسؤولين نعمة خدمة الخير العام بإخلاص وتجرد. وبشفاعة القديس مار شربل، اجعل هذا الوطن أرض لقاء ومحبة ورسالة، كما أردته عبر تاريخه.
لك المجد إلى الأبد. آمين.
في الخلاصة، يظل القديس مار شربل أحد أبرز الوجوه الروحية في تاريخ المسيحية المشرقية، وقد تحولت حياته الخفية في محبسة صغيرة في عنايا إلى شهادة عالمية للإيمان والصلاة، حتى صار اسمه معروفاً في مئات الكنائس والمزارات المنتشرة عبر القارات الخمس.
**الكاتب ناشط لبناني اغترابي
رابط موقع الكاتب الإلكتروني
https://eliasbejjaninews.com
عنوان الكاتب الإلكتروني
phoenicia@hotmail.com