web analytics
Home أرض، تاريخ لبناني ومسيحي وعجائب/Land,Lebanese- Christian History & Miracles جورج حايك/أعجوبة سراج الزيت: إنتصار شربل على تجارب الشيطان

جورج حايك/أعجوبة سراج الزيت: إنتصار شربل على تجارب الشيطان

6

أعجوبة سراج الزيت: إنتصار شربل على تجارب الشيطان
جورج حايك/22 تموز/2026
عام 1875، أظهر الأب شربل رغبته بوضوح في الارتقاء إلى المحبسة، فكان سيّد المكائد بالمرصاد له. وكان من الصعب على الشيطان أن يقاوم شوق شربل إلى المحبسة، فهو يعلم أن هذا الراهب سيكون من أشرس أعدائه. فمنذ اليوم الأول لدخوله الرهبانية، استخدم الشرير أقرب الناس إلى قلبه لعرقلة خريطة طريقه إلى السماء، فنصب له الأفخاخ، مستغلاً عاطفة والدته حيناً، وبعض أقربائه حيناً آخر، وحتى عدداً من الرهبان.
وفي عام 1875، ضاقت الخيارات أمام الشيطان. فرجل الله كان يتسلّح بتواضع لا مثيل له، ويعمل في الحقول كأصغر الخدّام. وفي إحدى الليالي، كان يحرس معز الدير، فتأخر قليلاً في العودة. دخل حاملاً أدوات الفلاحة، بعدما كان الفلاحون قد أعادوها إليه، فيما كان الرهبان قد أنهوا عشاءهم وانصرفوا إلى قلاليهم، ولم يبقَ للأب شربل سوى الفتات وبقايا الطعام.
تقدّم من الكرّارجي وقال بلطف: يا أخي، اعذرني إذا طلبت منك في هذا الوقت أن تضع قليلاً من الزيت في السراج.
لكن الكرّارجي، وهو الأخ فرنسيس، شقيق الرئيس، انتهره بغضب، بعدما كان الرئيس قد أمر بألّا يُعطى أحد زيتاً بعد قرع جرس النوم، بسبب شحّ هذه المادة.
– لماذا لم تأتِ في النهار؟
+ كنت في الحقلة.
فأجابه بقسوة أكبر: قصاصاً لك، لا زيت الليلة… اذهب.
أحنى الأب شربل رأسه مطيعاً، ومضى في أروقة الدير التي كانت تنيرها الشموع الخافتة. كان يسير بخطى بطيئة، بعدما أنهكه يوم طويل من العمل والحراسة. وهناك، أعدّ له الشيطان مكيدة جديدة، إذ وضع خادمان مقعداً بالعرض في الممر ليعترضا طريقه، فتعثّر به وسقط أرضاً.
راح الخادمان يراقبانه، ولم يستطيعا منع نفسيهما من الضحك والشماتة. ورغم أنهما رأياه يسقط، لم يبادرا إلى مساعدته، وكأن الشيطان كان قد أعشى قلبيهما.
نهض الأب شربل بصعوبة، ولم يتفوّه بكلمة تذمّر أو شكوى، بل قال بهدوء: يا يسوع، أعنّي.
ثم تابع طريقه نحو قلايته.
ولم تمضِ خمس دقائق حتى لحق به أحد الخدّام، واسمه سابا، وطرق الباب: بونا شربل، أنا سابا.
فتح الأب شربل الباب، وعيناه إلى الأرض.
– المجد لله.
+ دائماً لله. خير يا أخي سابا؟
– أعطني السراج، سأملؤه لك بالزيت.
+ شكراً، باركك الله.
بعد المكيدتين الفاشلتين، حاول الشيطان للمرة الثالثة أن يجرّب الأب شربل.
ركض سابا إلى زميله وقال مبتسماً: لديّ فكرة ستسلّينا، وسنعرف إن كان شربل قديساً كما يقولون. سأملأ السراج ماءً بدلاً من الزيت.
ورغم قساوة قلب الكرّارجي، استنكر الفكرة قائلاً: لا… لا… حرام عليك! ماذا تفعل؟
لكن سابا ملأ السراج ماءً من تنكة الصفوة، وعاد به إلى قلاية الأب شربل، الذي أخذه منه شاكراً.
وقف الخادمان يتلصصان من ثقب الباب ليريا النتيجة، فإذا بالمفاجأة الكبرى: السراج اشتعل، وأضاء القلاية كما لو كان ممتلئاً بالزيت.
ذهل الرجلان، ولم يصدقا ما رأته أعينهما. ومن شدة الدهشة، رسما إشارة الصليب، وأخذا يبكيان، فيما أثار اضطرابهما الضجيج في الرواق، فخرج الرئيس ليستطلع الأمر.
– ماذا تفعلان هنا؟
ركض إليه سابا، لكنه لم يجرؤ على قول الحقيقة كاملة، فقال: حضرت لأملأ سراج الأب شربل، لكن الكرّارجي رفض أن يعطيني زيتاً، فملأته من تنكة الصفوة الموجودة في الخارج.
فقال الرئيس مستنكراً: ماذا؟ هل تهذيان؟ أتلعبان مع الأب شربل؟ أهو من جيلكما حتى تعبثا معه؟
فأجاب سابا: لقد أضاء السراج، وهو مملوء بالماء لا بالزيت!
توجّه الرئيس فوراً إلى قلاية الأب شربل، وطرق الباب.
+ خير يا بونا الرئيس؟
– خير يا بونا شربل. أما سمعت الناقوس؟ لماذا لم تطفئ السراج؟ ألست ناذراً الطاعة والفقر؟
فجثا رجل الله حالاً على ركبتيه، وقال بتواضع: عدت من الحقلة، وكان عليّ أن أتمّ صلاتي، فأوفيتها.
– ناولني السراج.
سلّمه الأب شربل السراج، فأفرغ الرئيس محتواه في وعاء، فإذا به ماء.
ساد الصمت. وتبدّلت ملامح الرئيس القاسية إلى ملامح يغمرها التأثر والندم، ثم اقترب من الأب شربل وقال برقة: يا بونا شربل، أنت تعرف القوانين أكثر من الجميع، ولكن إن كانت لديك صلاة لم تنهها، فأكملها… لا مانع.
في صباح اليوم التالي، انتشر الخبر في الدير، ولم يكن الرهبان يردّدون سوى عبارة واحدة: “شربل قديس.”
بعد أيام، استدعى الرئيس الأب شربل وقال له: إذا رغبت في الذهاب إلى المحبسة، فلا مانع عندي.
فأجابه: بين رغبتي وأمر الرئيس فرق كبير. فأنا ناذر، والناذر لا يتحرك بحسب إرادته، بل بحسب الطاعة. فإذا أمرتني، أطعت وذهبت.
فقال له الرئيس، الأب أنطونيوس حنا المشمشاني: أنا موافق.
للوهلة نفسها، سجد الأب شربل أمام رئيسه قائلاً: أعطني بركتك.
فباركه الرئيس وصلّى عليه.
نهض الأب شربل مسرعاً إلى قلايته، وجمع كتبه الروحية وكتاب صلواته، ولفّ فراشه وغطاءه بقطعة من البلاس، وحزمها في صرّة صغيرة، ثم حملها على كتفه.
وسرعان ما أصبح انتقاله إلى المحبسة رسمياً، بعد صدور الإذن من الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية، الأب مارتينوس الغسطاوي، وبموافقة البطريرك بولس مسعد.
وكانت تلك هزيمة جديدة للشيطان على طريق شربل إلى المحبسة، فيما كان الله يهيّئ قديسه ليصبح ناسكاً يشعّ نوره في العالم كله.
(لترافق هذه القصة يومكم الذي يقع في 22 الشهر، وهو تاريخ أصبح يوم صلاة بطلب من القديس شربل)

 

Share