حكايات من تراث وتاريخ بلدة عين إبل الجنوبية
أبو جوزيف بركات حنا روزه دياب
الكولونيل شربل بركات/07 آب/2026
كان أبو جوزيف صاحب دكان في كرم الزيتون بمنطقة الأشرفية ببيروت. كان يعمل في المحل برفقة ابنه مارون، وتساعدهما زوجته وديعة الشماس في كثير من الأحيان (وهي التي كنا نناديها “عمتي” لقرابة تجمعنا بها من جهة ستي نظيرة)، ولا سيما حين يزداد عدد الزوار.
كان دكان “أبو جوزيف” مقصداً لأبناء الحي ولأهالي عين إبل القاطنين في الأشرفية بكثرة؛ فدكانه كان يُعد “ترمينال” أي محطة الوصول الأخيرة لخط سيارات السرفيس التي تعمل بين عين إبل وبيروت، بدءاً من أيام “أبو مسعد”، مروراً بـ “أبو يوسف” وولديه يوسف ومخايل، وصولاً إلى الخياط “أبو نبيه”.
كما كان الدكان ملتقى لأبناء عين إبل المقيمين في الأشرفية؛ يتجمعون أمامه بعد انتهاء أعمالهم، ولا سيما في أيام الصيف؛ فيجلسون على الكراسي أمام المحل حيث الرصيف العريض، ويلعبون “الداما” أحياناً، وتبدأ الأحاديث والخبريات. وكانوا بالطبع يشترون سندويشات المرتديلا مع الزبدة والكبيس، أو الجبنة الصفراء مع الخيار، فضلاً عن الفستق والبزر الكبير للتسلية اضافة إلى بعض حاجياتهم الأخرى.
وكان “أبو جوزيف” يتسلم ما يُرسل من أغراض أو هدايا من البلدة إلى المقيمين في بيروت، بخاصة الطلاب والعزابية (زيت الزيتون أو مرطبان لبنة مكبوسة أو شوية زعتر..)، كما يحرص على حفظ ما يجب إرساله مع السائقين إلى البلدة في طريق العودة. ومن هنا، كان يهتم أيضاً بتسجيل أسماء الركاب الراغبين في السفر إلى البلدة أينما سكنوا في أحياء بيروت؛ فينظم اللوائح، ويقرر اكتمال المقاعد، أو يخيّر الراكب بين تأجيل السفر أو تغيير السائق المعتمد وذلك عبر الهاتف.
كان دكان “أبو جوزيف” يواجه منزل الخال الأستاذ يوسف نقولا بركات، الذي كان يقرأ الجريدة في الوقت نفسه بعد ظهر كل يوم على الشرفة المطلة على الدكان، عندما تخف حدة الحرارة صيفاً وتميل الشمس نحو الجنوب الغربي، تاركة المجال لظل خفيف تتخلله نسمة لطيفة تعبر شارع السيدة باتجاه النهر وسن الفيل؛ وهو الوقت الذي يبدأ فيه تجمع الشباب أمام المحل. وكان وجود الأستاذ يوسف على الشرفة يمنح “أبو جوزيف” حجة لتهدئة الأجواء، ومنع المجتمعين من تجاوز الحد المقبول في ارتفاع الأصوات أثناء المجادلات والمناقشات.
أما مارون، ابن “أبو جوزيف”، بنظارته السميكة وبسمته الخفيفة الدائمة، فكان يشرف على تفاصيل البيع والشراء كافة، وحتى على ما يجري في الخارج أحياناً؛ إذ كان المدير الفعلي للمحل، وكلمته لا تُرد، وقراراته صارمة بشأن الأسعار والكميات. وكان يتقن هذه الأمور لأنه هو من يشتري البضائع ويتابع دفتر الزبائن ومشترياتهم، ويقدّر ما يمكن التساهل فيه وما لا يمكن. في حين كان أبو جوزيف يتولى الأعمال التي تتطلب جهداً أو قدرة على الرفع والنقل، لما يتمتع به من عضلات قوية وبنية جسدية لم تؤثر فيها السنون.
وحين أُفتتح “نادي شباب عين إبل” في بيروت، كان مقره بالقرب من دكان “أبو جوزيف” الذي ظل يجمع الجميع، وربما أكثر من النادي نفسه؛ فقد دخلت السياسة المحلية في تنظيم النادي، ورأى البعض أنه لا يتماشى مع تطلعاتهم، ما منعهم من الانتساب إليه أو التعامل مع لجنته الإدارية، وبالتالي حُرموا من الاستفادة مما يقدمه من خدمات. أما دكان “أبو جوزيف” فلم يكن يتبع أي توجه سياسي؛ كونه ينتمي إلى عائلة بينما تنتمي زوجته إلى عائلة أخرى تُعد منافسة لها في السياسة، ما جعله مقبولاً من الجميع ومقصداً لكل الاتجاهات السياسية والحزبية. ولهذا السبب، بقي الدكان نقطة الاتصال بين أبناء البلدة، ومركزاً للتجمع والخدمات، سواء من حيث نقل الرسائل، أو تنظيم السفر، أو حفظ الأغراض المنقولة مع السائقين في الاتجاهين.
اندلعت الحرب وتوقف حركة السيارات بين عين إبل وبيروت، فهاجر الشباب إما إلى بلاد بعيدة لمتابعة دراساتهم، أو إلى الدول العربية للعمل. ولم يعد الاتصال ممكناً بالبلدة التي باتت وكأنها “خلف سبع بحور”؛ إذ إن الوصول إليها كان يتطلب عبور مواقع وحواجز تشبه قصص ألف ليلة وليلة ورحلات السندباد؛ فالقوى الميدانية التي تسيطر على الطرق كانت متعددة التوجهات ولا يمكن التنبؤ بتصرفاتها. لذلك التزم مخايل ويوسف البلدة، بينما ترك أبو يوسف العمل وفتح كراجاً لتصليح السيارات. وكان أبو مسعد قد تقاعد قبل الحرب، في حين نصح الطبيبُ أبو نبيه بتأجير لوحته الحمراء والاقتصار على الأعمال الخفيفة إثر عارض صحي في القلب، ما جعله يركز على العمل في الكرم.
في تلك الفترة من الحرب، وبين جولتين من القتال، قرر أبو جوزيف النزول إلى ساحة رياض الصلح حيث مقر إحدى الوزارات ليشتري طوابع للمحل. وكان يحمل معه ثمنها، قاصداً شراء كمية تكفيه مدة طويلة كي لا يضطر للنزول مجدداً؛ فالأحوال لم تكن مستقرة ولا الأوضاع آمنة. وكان يعلم أنه يخاطر بنزوله إلى الوسط التجاري، لكنه لم يكن يهاب المواجهة، وكان يعتقد بأنه محيّد كونه لا ينتمي إلى أي جماعة أو حزب، ما شجعه على هذه المخاطرة.
لكنه لم يدرك أنه حين أخبر المسلحين بهدفه وبأنه يحمل المال المخصص لشراء الطوابع، أصبح هدفاً سهلاً لهم، فقالوا له: “جيت والله جابك”، وسرقوا المال الذي كان بحوزته. ولأنه حاول مواجهتهم لمنعهم من سلب رزقه، كانت الرصاصات القاتلة أسرع منه؛ فقضى والقيت جثته في إحدى زوايا الأسواق.
قضى أبو جوزيف شهيدا الدفاع عن حقه والمحافظة على واجب الالتزام بالقواعد والنظم، ولكنه لم يدرك أن القوانين والطوابع وبقية تلك النظم لا تلتقي أبداً وفوضى الحروب…
حنا الابراهيم
الكولونيل شربل بركات/07 آب/2026
هناك فرع من عائلة دياب في عين إبل يعرف ببيت حنا الابراهيم وهؤلاء ينسبون إلى جدهم الأول حنا ابن ابراهيم ابن جريس دياب الجد الأصلي الذي قدم إلى عين إبل سنة 1645 واستوطن فيها بحسب رغبة البطريرك يوسف العاقوري الذي كان يهمه تثبيت الموارنة في بلاد البشارة واعطاء عين إبل دور المحطة الآمنة التي يمكنها استقبال الحجاج القاصدين زيارة الأراضي المقدسة. وهذا الفرع من بيت دياب عرف بالتعلق بالكنيسة والايمان وبالعمل في الأرض والجهد بدون كلل، وذكر منهم الكاهن الخامس على عين إبل يوسف ابن حنا المذكور الذي خلف الخوري انطانس ابن يوسف خريش ابن جريس ابن عبدالله الطويل. وكان انطانس هذا رسم كاهنا بعد انطانس ابن شاهين ابن جريس دياب، وبالطبع بعد عمه بركات ابن جريس دياب الذي كان أول خادم لرعية عين إبل بعد الخوري عبد المسيح الطويل. وقد كان بركات هذا أول العينبليين الذي درس اللاهوت في اكليريكية سيدة حوقا وعاش عمرا مديدا ورزق بأولاد نعرف منهم أربعة صبيان خلّفوا فروع كبيرة من عائلة دياب في البلدة. والخوري يوسف المذكور خلّف ثلاثة صبيان رسموا كهنة أكبرهم الخوري ابراهيم الذي يعتبر “قديس نيحا” كونه تبرّع بخدمة المطعونين في البلدة الشوفية، وهو يعرف بأنه إذا دخلها لن يخرج حيا. وهو والد المونسينيور يوحنا دياب أول خوري على رعية مار مارون في بيروت. أما شقيقه فهو الخوري بطرس دياب العينبلي خريج عين ورقة وأحد مؤسسي رهبانية المرسلين اللبنانيين الكريمية، والثالث هو الخوري يوسف الصغير الذي أكمل مهمة والده ككاهن على رعية السيدة في عين إبل، وابن شقيقه الخوري ابراهيم الصغير الذي بنيت الكنيسة الكبيرة على زمنه. وكانت رفقة ابنة شقيق الخوري يوسف الكبير قد ترهبت في دير حراش، ويقال بأنها القديسة التي تحمل نفس الأسم أو زميلتها المقربة، وهي كانت معروفة في البلدة منذ صغرها بأنها تقية ورعة يشهد لها كافة العينبليين. هذا الفرع من عائلة دياب هو فرع حنا الابراهيم المعروف بالقداسة.
ولكن موضوع مقالتنا هذه هو شخص آخر عرف بهذا الاسم أي “حنا الابراهيم” وهو الولد الثاني لابراهيم ابن جريس ابن حنا ابن جريس ابن بركات ابن مخايل المعروف بمخول ابن خليل ابن جريس دياب الجد الأصلي، وحنا هذا هو شقيق يوسف ابراهيم بركات ابو فاروق المعروف ووالد الشهيد كيروز. وقد كان حنا يسكن مع شقيقه بولس ابراهيم بركات في مدينة صيدا وكان يملك دكانا على الطريق العام بالقرب من مطرانية الموارنة ومقابل مستشفى الدكتور رمزي الشاب.
كان دكان حنا الابراهيم المحطة المعتمدة من قبل سائقي الأجرة الذين ينقلون الركاب من عين إبل إلى بيروت، بدءً من كريم مطر “أبو مسعد” مرورا ب”ابو يوسف العمار” وأولاده يوسف ومخايل، وصولا إلى أبو نبيه الخياط. وكان حنا صاحب الدكان يرحب بالجميع بكل العطف واللهفة، وهو فور وصول السيارة ينطلق مسرعا إلى الفرن القريب ليحضر الخبز الافرنجي السخن، فالكل يرغب بسندويش غير شكل كان المرحوم حنا خبيرا بصنعه. فهو عندما يشق “الباغيت” تفوح رائحة الخبز الطازج، ثم يضع الزبدة ويمرغها على الرغيف ويضيف شرائح الجانبون أو المرتديلا الطلياني ويملأه بقطع الخيار المكبوس ويزينها ببعض الخردل الذي تفوح رائحته لتفتح النفس، خاصة لمن يخاف من الدوخة فلا يتناول الترويقة قبل السفر.
كان الكل يحب حنا للياقته وحسن استقباله ومحبته لأهل الضيعة عامة، فالبسمة لا تفارقه وهو المشتاق دوما للقاء الأحبة ينتظر مرور أحدهم كل صباح فيستمع منه لأخبار الناس ويفرح بتنوع المسافرين. وأحيانا كان يسأل عن سبب السفر ليطمئن بأن لا ضرورة أو مشاكل خاصة صحية وراء السفر، وفي نفس الوقت يستفسر بشكل خاص عن الأقارب وأحوالهم.
بقي حنا في صيدا مواظبا على العمل في محله إلى أن دخلت الحرب وصار الحقد والمسلحين الذين يفرضون وجودهم على الناس صورة المدينة العريقة، وأغلبهم من الغرباء لا يعرفون السكان لا بل يتقصدون الازعاج لزيادة الوهرة. ثم زادت عمليات الضغط عندما توقف شقيقه عن العمل في التابلين وشعر كل العينبليين الساكنين في صيدا بأن الأمور لم تعد سهلة، فتوجّه بولس مع العائلة إلى بيروت ما اضطر حنا لاغلاق المحل والسفر معهم. ولكنه عندما عمّر شقيقه البيت في البلدة ليكون مقرهم الصيفي، عاد ليجدد اللقاء مع الكل ويوزع الابتسامات قبل أن يغدره الموت لينام بين الأحبة الذين سبقوه في تراب عين إبل ويرتاح من عناء هذه الدنيا.
حنا الابراهيم شخصية مهمة من أولاد عين إبل الذين كانوا معلما وتركوا أثرا في النفوس بدون أن يكون لهم اية صفة أو مركزا اجتماعيا أو وظيفيا، ولكنه بمحبته ومواظبته على الاهتمام بالكل، ولو بشكل طبيعي، بقي اسمه محفوظا في النفوس وذكره حي بين كل من عرفه.
**اضغط هنا لدخول صفحة الكولونيل شربل بركات على موقعنا المنشورة عليها كل مقالاته وكتبه وتحليلاته
**Click here to access Colonel Charbel Barakat’s page on our website, where all his articles, books, and analyses are published
اضغط هنا لدخول بلوك الكولونيل شربل بركات لقراءة كتبه ومؤلفاته فورمات بي دي أف PDF
السيرة الذاتية للكولونيل شربل بركات
خبير عسكري، كاتب، شاعر، مؤرخ، ومعلق سياسي
*ضابط متقاعد من الجيش اللبناني
*متخرج من المدرسة الحربية ومجاز بالعلوم السياسية والادارية من الجامعة اللبنانية
*كلف كأحد الضباط لتنظيم الدفاع عن القرى الحدودية منذ 1976
*تسلم قيادة تجمعات الجنوب
*تسلم قيادة القطاع الغربي في جيش لبنان الحر وأصبح مساعدا للرائد سعد حداد ثم تسلم قيادة الجيش بالوكالة عندما مرض الرائد حداد واستمر بعد وفاته حتى مجيء اللواء أنطوان لحد فأصبح مساعده ثم قائدا للواء الغربي في جيش لبنان الجنوبي
*ترك العمل العسكري في 1988 وتسلم العلاقات الخارجية
*شهد أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي مرتين
*كاتب سياسي وباحث في التاريخ له الكثير من الكتب والمقالات السياسية التاريخية والانسانية
نشر كتابه الأول “مداميك” (1999) الذي يحكي عن المنطقة الحدودية ومعاناة أهلها، ترجم إلى العبرية ونشرته معاريف (2001) والانكليزية (2012) Madameek – Courses – A struggle for Peace in a zone of war موجود على Amazon Books
*نشر كتابه الثاني “الجنوب جرحنا وشفانا” الذي يشرح الأحداث التي جرت في المنطقة بين 1976 – 1986
*الكتاب الثالث “Our Heritage” كتاب بالانكليزية يلخص التراث اللبناني مع رسومات لزيادة الاستيعاب موجه للشباب المغترب
*كتابه السياسي الثالث “لبنان الذي نهوى” (2022) جاهز للطبع
*كتاب مجزرة عين إبل 1920 وهو بحث تاريخي عن المجزرة التي ساهمت في نشوء وتثبيت لبنان الكبير
*كتاب “المقالات السياسية 2005 – 2013” مئة ومقالة منشور على صفحته
*كتاب “الشرق الأوسط في المخاض العسير” مجموعة مقالات سياسية (2013 – 2025)
*كتاب “العودة إلى عين إبل” بحث تاريخي بشكل قصصي عن تاريخ المنطقة بين 1600 – 1900
*كتاب شعر عن المعاناة خلال الحرب الكبرى 1914 – 1918 من خلال قصيدة زجلية نقدية جاهز للطبع
*كتاب “تاريخ فناء صور الخلفي” بحث تاريخي عن المنطقة الجنوبية – قيد الانجاز
*كتاب المقالات الانسانية وكتاب عينبليات قيد الانجاز




















