
لبنان قبل إيران
العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا/نداء الوطن/01حزيران/2026
يسود في الأوساط السياسية والإعلامية الغربية والعربية اعتقاد مفاده أن إضعاف إيران، سواء عبر هزيمة عسكرية أو عبر فرض تسوية دبلوماسية، سيؤدي تلقائيًا إلى إضعاف محور “حزب الله” وحركة “أمل”، وبالتالي إلى تعزيز أمن إسرائيل وإعادة بناء دولة لبنانية مستقرة. غير أن هذه المقاربة تتجاهل طبيعة البنية الاستراتيجية التي بنتها إيران خلال العقود الماضية. فالحقيقة قد تكون معاكسة، إذ إن كسر نفوذ هذا المحور في لبنان قد يشكّل مدخلا أساسيًا لإضعاف إيران تمهيدًا لفرض تسوية دبلوماسية عليها.
إيران لا تخوض مواجهة تقليدية مع الولايات المتحدة، إذ تدرك أن ميزان القوة العسكرية لا يصبّ في صالحها، ولذلك اعتمدت استراتيجية قائمة على الحرب غير المتماثلة. والمفارقة أن طهران تبدو كأنها طبّقت عمليًا مقولة هنري كيسنجر الشهيرة حين قال إن “الجيش التقليدي إذا لم ينتصر يخسر، أما المقاتل غير النظامي فإذا لم يخسر يكون قد انتصر”. لذلك، ركّزت إيران على بناء شبكة واسعة من أدوات النفوذ غير التقليدية، من الوكلاء الإقليميين إلى أدوات الردع غير المباشر، بما يمنحها قدرة على إدارة صراعات متعددة الجبهات بكلفة منخفضة نسبيًا، ويوفر لها أوراق ضغط في أي مواجهة أو مسار تفاوضي.
ومن هذا المنطلق، إذا أرادت الولايات المتحدة تحقيق نصر عسكري حاسم على إيران، فقد تجد نفسها مضطرة إلى العودة إلى ما وصفه Russell Weigley في كتابه The American Way of War، أي منطق حشد قوة ساحقة، وتدمير شامل لقدرات الخصم، وفرض استسلام غير مشروط كشرط لتحقيق النصر في حرب شاملة، وفق نظرية Carl von Clausewitz.
غير أن الواقع الاستراتيجي الراهن لا يعكس استعدادًا أميركيًا لخوض حرب شاملة، وهو ما تدركه إيران جيدًا.
لكن هذا الوضع يحمل مخاطر أكبر على الولايات المتحدة، إذ إن الصراع مع إيران لا يقتصر على الملف النووي أو الصواريخ أو الوكلاء، بل يرتبط بطبيعة التوازنات العالمية وبمستقبل النظام الدولي في ظل التنافس المتصاعد بين القوى الكبرى.
فوفق النظريات الغربية للجيوسياسة، ولا سيما نظرية “قلب العالم” (Heartland)، تُعد السيطرة على الحواف الاستراتيجية المحيطة بقلب العالم (The Rimland) عنصرًا أساسيًا في تشكيل النظام الدولي والتحكم بموازين القوى العالمية. ففي الحافة الشرقية لقلب العالم، تواجه الولايات المتحدة قوى كبرى مثل الصين وكوريا الشمالية، الأمر الذي دفعها تاريخيًا إلى اعتماد سياسة الاحتواء. أما الحافة الغربية، فيتولى حلف شمال الأطلسي تأمينها في أوروبا. وفي المقابل، تبقى الحافة الجنوبية الممتدة عبر الشرق الأوسط وإيران وجنوب غرب آسيا ذات أهمية خاصة لارتباطها بـ “قلب العالم”.
ومن هنا، لا يُنظر إلى الصراع مع إيران بوصفه مجرد نزاع إقليمي، بل كجزء من تنافس أوسع على إعادة تشكيل النظام العالمي. ومن هذا المنظور، تُقدَّم مبادرة الصين “الحزام والطريق” كتصوّر مضاد لمنطق الـ Rimland، إذ تسعى إلى السيطرة على قلب العالم عبر شبكات مترابطة من البنية التحتية والطاقة والتجارة، بما يخلق مجالات نفوذ في أوراسيا.
وهكذا، يتضح أن الصراع مع إيران لا ينفصل عن التنافس البنيوي الأوسع بين الولايات المتحدة والصين، بين محاولة تثبيت السيطرة على الحافة الجنوبية لقلب العالم وبين مبادرة “الحزام والطريق”. كما أن تنامي دور مجموعة بريكس ومحاولات تقليص الاعتماد على البترو-دولار يضيف بُعدًا إضافيًا إلى هذا الصراع.
في هذا السياق، تبرز أهمية لبنان في المعادلة الإقليمية، حيث يُنظر إلى هذا “المحور” بوصفه أحد أبرز أذرع إيران وجزءًا أساسيًا في شبكة نفوذها. لذلك، فإن أي تحوّل كبير في ميزان القوى داخل لبنان، ولا سيما تراجع نفوذ هذا المحور، قد ينعكس إقليميًا عبر تقليص أوراق القوة الإيرانية في ملفاتها التفاوضية، وإعادة صياغة الترتيبات الأمنية على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية. كما يفتح ذلك نقاشًا داخليًا حول توازن السلطة ضمن إطار دولة فيدرالية، وقد يهيّئ بيئة أكثر ملاءمة لتقدّم مسارات تفاوضية برعاية أميركية بين لبنان وإسرائيل، وصولًا إلى السلام.
وفي الواقع، يُنظر إلى تحقيق “نصر” في لبنان ضد “حزب الله- أمل” باعتباره أكثر قابلية للتحقق من أي مواجهة مباشرة مع إيران، ما يجعل الساحة اللبنانية أداة للتأثير على موقع إيران الإقليمي من دون الانخراط في حرب شاملة معها. ومن هنا، منطق “لبنان قبل إيران”.