مقالة للصحافي المخضرم محمد سلام عنوانها “التوافق عدو لبنان” مع رابط مقابلة مميزة له بمواقف مثيرة للجدل وتوقعات ورؤية لمستقبل لبنان من موقع الهوية
التوافق “عدو” لبنان محمد سلام/الوكالة الإتحادية للأنباء/02 تموز/2026
عبارة التوافق السياسي التي تسيطر على خيارات حلول الأزمات اللبنانية هي أشبه بالمذاق المُحَلّي الذي يغلّف السُم كي يتأكد من وصوله إلى فعل السبات (النوم اللاإرادي) ما يتيح تفجّره بعد حين نزاعاً أشرس من سالفه.
هذه حقيقة “تنافقنا (ن)” منذ حرب العام 1860 بين الدروز والمسيحيين التي إنتهت بنظامي “متصرفية” جبل لبنان التي يديرها متصرف مسيحي غير لبناني “وولاية بيروت” التي يديرها والي مسلم غير لبناني.
وما زلنا نعيش حالة النفاق الذاتي التي توّجناها في حربنا الأهلية الأولى في تاريخ “الجمهورية اللبنانية” العام 1958 بمعادلة “لا غالب ولا مغلوب” والتي دارت بين العروبة الناصرية وتحالف الأقليات المسيحية الذي عرف ب “حلف بغداد” الذي كان يؤيده رئيس الجمهورية اللبناية إذ ذاك كميل شمعون.
تلك الأكذوبة المسماة “لا غالب ولا مغلوب” وشقيقتها “لبنان واحد لا لبنانان” أنجبت الحرب الأهلية الثانية التي لم تشعلها “بوسطة عين الرمانة” في 13 نيسان العام 1975 كما الإعتقاد السائد بل نُفِخَ رمادها عن جمرها في 26 شباط العام 1975 عندما أطلق قناص قيل أنه لبناني الرصاص من بنديقة إم-16 على الزعيم العروبي الصيداوي معروف سعد أثناء قيادته تظاهرة صيادي الأسماك ضد شركة “بترومين” للصيد البحري بالسفن الحديثة التي كان رئيس مجلس إدارتها كميل شمعون نفسه الذي كان محور حرب العام 1958.
وكان الباحث صقر أبو فخر قد ذكر في كتاباته أن العسكري في الجيش اللبناني الذي أطلق النار على معروف سعد هو المدعو “مارون داود”
وبعد 13 عاماً نشرت جريدة “السفير” خبراً في عددها رقم (4971) الصادر في 11 أيار العام 1988 كشف عن صدور “مذكرة توقيف عن النيابة العامة بحق قاتل معروف سعد” تضمنت إتهام الرقيب في الجيش اللبناني مارون داود “بإطلاق النار عليه وقتله.”
لم يعد مهماً السؤال عن هوية من أطلق النار على معروف سعد، لأنه بمجرد ظهور الإسم والتهمة بالقتل يسود إعتقاد أن المتهم قد توفي “على الأرجح” فتموت التهمة مع المتهم وهو السياق الذي إعتمد في لبنان لأكثر من 40 عاماً في حقبة الحلف الأسدي-الصفوي سيء الصيت والفعل … والفاعل.
تحت هذا العنوان يُطرح نفس السؤال عن “السلطة” التي إتخذت قرار إغتيال مدير عمليات الجيش اللبناني العميد الركن فرانسوا الحاج في 12 كانون الأول العام 2007 بتفجير سيارة مفخخة إستهدفت سيارته ضمن المربع الأمني للقصر الجمهوري في ساحة بلدة بعبدا.
دارت “الشبهات” في القضية حول عدة جهات، من دون صدور أي “إتهام قضائي” بعد مرور 19 عاماَ على إرتكاب تلك الجريمة البشعة التي إستهدفت الضابط المتميز الذي قاد معركة مخيم نهر البارد ضد الإرهابي شاكر العبسي وأسقط “الخط الأحمر” الذي كان أمين عام حزب الله إذ ذاك حسن نصر الله قد حاول تحصين العبسي والبؤرة الإرهابية به ما فرض تهريبه بحراً إلى سوريا نظراً لدقة الحصار البري الذي كان البطل فرانسوا الحاج قد فرضه على المخيم.
عدم صدور أي قرار إتهامي في قضية إغتيال العميد فرانسوا الحاج يوحي بأن “السلطة” التي إتخذت القرار “والإدارة” التي أمرت بتنفيذ الإغتيال ما زالت موجودة، بغض النظر عن مستوى سطوتها وأبعاد مستقبلها في ضوء بنود “الإتفاق الإطاري” الذي تم توقيعه في واشنطن في 26 حزيران الماضي.
ما يسري على ما بعد عملية إغتيال العميد فرانسوا الحاج تحديداً لجهة عدم صدور قرار إتهامي يطبّق على سيل من عمليات الإغتيال التي طالت رؤساء جمهورية، ورؤساء حكومات، ونواباً، ورجال دين، وصحفيين وعسكريين وأمنيين في حقبة ما بعد ثورة العام 1958 شملت، إضافة إلى من سلف ذكرهم، نقيب الصحافة رياض طه (1980) ، المعلم كمال جنبلاط (1977)، الرئيس المنتخب بشير الجميل (1982)، رئيس الوزراء رشيد كرامي (1987)، المفتي حسن خالد (1989)، الرئيس رينيه معوض (1989)، إيلي حبيقة (2002) رفيق الحريري (2005) سمير قصير (2005) جورج حاوي (2005) جبران تويني (2005) الوزير بيار أمين الجميل (2006) النائب وليد عيدو ونجله خالد (2007) الرائد وسام عيد (2008) العميد وسام الحسن (2012) محمد شطح (2013)، إضافة إلى محاولات إغتيال “الشهداء الأحياء” النائب مروان حمادة (2004)، الإعلامية مي شدياق (2005) إضافة إلى كثر من نواب حركة 14 آذار السيادية .
هكذا ينتهي “التنافق (ق) السياسي” اللبناني الذي هو في جوهره عملية تقاسم للمصالح بين أطراف السلطة ورموز الإدارة ويُستخدم غطاء لتعطيل المحاسبة وتأمين إفلات المجرمين والفاسدين من العقاب ويصير مجرد “أكذوبة” تعمّق الانقسامات وتعيّق اتخاذ القرارات المصيرية.
وهكذا أيضاً يتحول “التوافق المزعوم” إلى أداة للهيمنة وتعطيل المؤسسات ما يحول دون وصول الشخص المناسب إلى المنصب المحتاج ويصير شبيها بحق النقض الذي تدير به الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي جميع دول كوكب الأرض بإستثناء سويسرا المعتنقة مبدأ الحيادية المطلقة الذي يحميها من الإنحياز الإلزامي لقرارات الخمسة الكبار.
الأنظمة “التوافقية” التي صارت نموذجاً للدول التوتاليتارية المتخلّفة تتجاوز نتائج الإنتخابات وحق الأكثرية في الحكم والأقلية في المعارضة وتفرض إجراءات تعكس موازين المحاصصة بين القوى السياسية المسيطرة بواقع طاعة الشعوب لها.
هكذا يرمي “التوافق” بالديمقراطية في مستنقع قتل الخيارات الحرة ويحولها إلى أداة أمر واقع Fait Accompli تمنع التغيير وتبقي المسمّاة دولة أسيرة ما يُفرض لا ما يُرغب.
وهكذا أيضاً يحافظ قادة الكارتيلات الحاكمة على مصالحهم على الرغم مما يظهروه من تعارض في ما بينهم وهكذا تتجاوز الكارتيلات الحاكمة، بشقيها من يصنف نفسه سيادياً ومن يفاخر بأيرنته، قيود الإتفاق الإطاري الذي يتعثر أساساً بإستعارته تسميات باللغة الإنكليزية من عالم التجارة لتوصيف إجراءات أمنية كالحديث عن Monopolizing weapons ما يعني “إحتكار السلاح” بدلاُ من Disarming أي نزع سلاح الحزب الصفوي.
في الخلاصة، توحي المعطيات أن لبنان يطبق المثل الشعبي القائل “كل عنزة بتلحق قطيعها” وهو ما يوحي باللغة الصريحة بأن البلد تجاوز حتى فكرة المطالبة بفدرالية ويتجة إلى “تقسيم محوري” يجمع اللبنانيين السياديين بكل طوائفهم تاركين محور الشر الصفوي ليواجه مصيره وفق ما يحصل في العراق عبر “دائرة النزاهة” ومشروع قانون “الإسترداد” ما يتيح إستعادة الأموال المهربة إلى الخارج، وهو ما يتلاقى مع عمليات إعتقال واسعة شملت متهمين بتهريب أموال وتبييض أموال لصالح قوى متحالفة مع الحرس الثوري الصفوي ليس أقلها الحشد الشعبي السيء الصيت وحزب الله العراقي وشركات مالية وهمية تموّل أذرع نظام الولي الفقيه في العالم.
هكذا تنتهي المجتمعات التي يتصدر “الربح” سلّم إهتماماتها ويفتقر إلى أي قيم أخلاقية-إنسانية.
صدق من قال “طيب العيش لا يعني الترف، بل يعني حتى لو أنك جلست على صخرة، فستعرف كيف تجلس فَرِحاً”.