web analytics
Home بيانات سيادية/Patriotic Releases نديم قطيش/سراب الصّفقة: هدنة بين حربين

نديم قطيش/سراب الصّفقة: هدنة بين حربين

2

سراب الصّفقة: هدنة بين حربين
نديم قطيش/أساس ميديا/25 أيار/2026
بات واضحاً أنّ مصطلح الصفقة لا يصف بدقّة ما ستنتهي إليه المفاوضات الأميركيّة. فالواقع يشير إلى أنّنا، في أحسن الأحوال، بإزاء تمديد لوقف إطلاق النار لمدّة ستّين يوماً لا أكثر. وبموجب هذا الترتيب، تحصل إيران على انفراجة اقتصاديّة جزئيّة، أشبه بالفدية، عبر إطلاق سراح مضيق هرمز، الذي لم يكن مغلقاً قبل الحرب نفسها أساساً. لأوّل مرّة في تاريخ الأزمات المتعاقبة مع طهران، تحوّل مضيق هرمز من ورقة حرب استُخدمت مرّة واحدة إلى ورقة دبلوماسيّة قابلة للتجديد كلّ ستّين يوماً. بمعنى أنّ كلّ جولة تفاوضيّة مقبلة ستجري تحت سقف ابتزاز ضمنيّ مضمون: التزم وإلّا أغلقنا.
في غضون ذلك، تظلّ الملفّات الجوهريّة كلّها، من البرنامج النوويّ والصاروخيّ إلى الفصائل المسلّحة، من دون أيّ حلّ.

أدوات ابتزاز جديدة؟
غُلّف هذا المشهد بذكاء عبر مذكّرة تفاهم تقضي بـ”التفاوض” حول القضايا الشائكة خلال الأيّام الستّين المقبلة، وكأنّ سبعة وأربعين عاماً من المواجهة مع إيران وحربَين مباشرتين ضدّها لم تكن تجارب كافية لإثبات عقم الرهان على التفاهم مع إيران. قد تساهم هذه الهدنة المؤقّتة في تهدئة أسواق النفط وكبح جماح التضخّم، شريطة أن يُكتب النجاح والاستمراريّة لخطوات خفض التصعيد التدريجيّة. ما يعنيه ذلك في العمق أنّ إيران عثرت، بعد تحطّم أدوات النفوذ الإقليميّ الخاصّة بها، على أدوات جديدة لابتزاز الاقتصاد العالميّ وترميم قدرتها على لعب أدوار تتجاوز حدودها. إنّ تشجيع قادة الشرق الأوسط للرئيس ترامب، خلال اتّصال جماعيّ ليلة السبت، على قبول هذا الاتّفاق مع إيران لا يعكس ثقة برجاحة رؤيته بقدر ما يمثّل تحوّطاً اضطراريّاً ضدّ تراجع قدرته الاستراتيجيّة على التحمّل.

لقد أدرك هؤلاء القادة الآن أنّ ترامب لا يملك النفَس الطويل اللازم لإتمام المهمّة، ناهيك عن عجز إدارته أصلاً عن صياغة تعريف واضح لما تعنيه كلمة “إتمام المهمّة”. تطرح الهدنة مع إيران سؤال التوازن الاستراتيجيّ داخل الخليج وبين الخليج وإيران، بإلحاح لم يبلغه من قبل. بنَت دول المنطقة رهانات مختلفة على افتراض تراجع هيكليّ للنفوذ الإيرانيّ وكيف سيعيد رسم خرائط التجارة والطاقة والنفوذ لجيل كامل. لا تلغي الهدنة هذا الافتراض، لكنّها تعلّقه في منطقة رماديّة تُكلّف كلّ عاصمة خليجيّة إعادة حساب لا تملك ترف تأجيله. السؤال الحقيقيّ لم يعُد من يقود المواجهة مع إيران وكيف، بل من يملك الرؤية الأوضح لما يليها، ومن يستطيع تحويل هذه الرؤية إلى سرديّة استراتيجيّة تملأ الفراغ الذي خلّفه الغموض الأميركيّ.
علاوة على ذلك، يشعر البعض في المنطقة، داخل الخليج وخارجه، برضا مكتوم لأنّ هذه النتيجة تُفرمل طموحات نتنياهو وتحدّ من التفوّق الاستراتيجيّ الإسرائيليّ، حتّى وإن كان الثمن هو منح إيران نصراً غامضاً ومثيراً للجدل.

أمّا الطرف الذي لم يُذكر اسمه في وثيقة التفاهم ولم يجلس على طاولة التفاوض، وخرج مستفيداً أوّل من كلّ بند فيها، فهو الصين. حين تعود ناقلات النفط الإيرانيّ إلى التدفّق نحو موانئ شنغهاي وتيانجين، وحين تتراجع أسعار الخام عن ذروتها الحربيّة، وحين تُقرّ واشنطن بحدود قدرتها على تحويل التفوّق العسكريّ إلى أمر واقع استراتيجيّ في منطقة حيويّة، تكون بكّين قد حصدت ثمار حرب لم تخُضها وهدنة لم تفاوض عليها. لقد كان إنجاز المهمّة، ويظلّ، مشروطاً بإنجاز ثلاثة مسارات متوازية لا يغني أحدها عن الآخر بغية إغلاق هذه الدائرة بالكامل واستئصالها من الجذور: تدمير شامل للبنية العسكريّة للحرس الثوريّ يحول دون إحيائها مجدّداً، وتفكيك كامل للشبكة اللوجستيّة والماليّة التي تغذّي قدرة النظام على الحكم، وأخيراً منع مؤسّسات النظام من إعادة إنتاج نفسها بشخصيّات معنويّة تعطي أيّ انطباع بالاستمراريّة. تنطوي هذه الأركان الثلاثة على ترابط عضويّ، يجعل الاكتفاء بالضربة العسكريّة من دون معالجة الشقّين اللوجستيّ والماليّ وإحياء النظام منصّةً لتحويل الصمود إلى انتصار ومساحةً لإعادة إنتاج الدور الاستراتيجيّ.

تجميد الصّراع أخطر من حسمه
لسنا هنا أمام سيناريو شبيه باستسلام اليابان أو ألمانيا عام 1945، بل نحن أمام استنساخ لسيناريو عام 1953 بين كوريا الشماليّة وكوريا الجنوبيّة، حيث لم تنتج الحرب أيّ تحوّل هيكليّ عند الأعداء، إنّما اقتصرت النتيجة على هدنة مؤقّتة، وهو ما يعني، في الحالة الإيرانيّة الراهنة، أنّ طهران قد تحسن استغلالها بشكل أفضل من خصومها. يوفّر التاريخ حقيقة راجحة في غالب الأحيان: السلام الدائم ينبع من النصر الحاسم، وليس من الإدارة الممنهجة للمآزق السياسيّة.
– الحرب العالميّة الثانية: أفضى النصر الشامل فيها إلى ثمانين عاماً من السلام بين القوى العظمى السابقة، دون السقوط في فخّ حرب ثانية.

– الحرب العالميّة الأولى: انتهت بهدنة ولم تنتهِ باحتلال عسكريّ، فجاءت معاهدة “فرساي” لتهين الخصم دون أن تهزمه، ولتمهّد لاندلاع الجزء الثاني من الحرب في غضون عشرين عاماً. يتكرّر هذا النمط في شواهد تاريخيّة عدّة. فهزيمة نابليون النكراء منحت أوروبا عقوداً من الاستقرار والنظام، في حين أورثتنا الهدنة الكوريّة صراعاً مجمّداً ما زال قائماً من الناحية القانونيّة والاستراتيجيّة والأمنيّة حتّى يومنا هذا. كذلك أدّى الانسحاب المتفاوَض عليه من فيتنام إلى إغراق المنطقة في الفوضى. إنّ الصراعات المجمّدة، حتّى وإن قصرت مدّتها، لا تفعل شيئاً سوى إعادة ضبط مؤقّت لعقارب الأزمة، مكافئةً الطرف الأكثر استعداداً للجولة الثانية. قد تبدو إدارة المآزق السياسيّة سلوكاً مسؤولاً في ظاهرها، لكنّ التاريخ لا يعاقب حقّاً من يخوض الحروب، بل يعاقب من يتركها معلّقة. والحال أنّ هذه الهدنة ليست نهاية حرب، بل مقدّمة لحرب أكثر تعقيداً وأصعب حسماً.
مجرّد فاتورة مؤجّلة مع فوائد مضاعفة.

Share