الكولونيل شربل بركات يرثي شقيقه جورج المنتقل إلى المساكن السماوية بتاريخ 21 تموز/2026/سوف يستقبلك رب الحصاد بفرح عظيم لأنك تحمل معك الكثير من وزناتك المضاعفة
رحل جورج “شيخ الشباب” بالفعل لا بالقول فهو عاش حياته نشيطا مواظبا على رياضة المشي اضافة إلى رياضة الفكر ومنطق العمل الدائم والتنظيم المتقن، ولو أنه اضطر إلى الرحيل عن المدينة التي أحب والحي الذي عاش فيه أغلب الأيام بعد انفجار المرفأ، الذي أصاب شريكة العمر إصابة بليغة اضطرتها للبقاء أشهرا في السرير. وقد ترك القرية الحالمة بكل مفاتنها وهو في العقد الثامن من العمر ولو لم يترك العناية بأشجار الزيتون وغلتها من الزيت الفاخر.
لم يوقف جورج مرة تغيّر الأحوال ولا تبدل الدول. ولم يرهبه تشاوف المغرورين ولو تسلحوا بالعنف والقهر. فهو عاش الحرب القاسية التي جعلته يترك المصنع الذي كان يديره في الشويفات ويسافر إلى الامارات ساعيا وراء الرزق مناضلا في مجالات مختلفة لم يسبقه عليها أحد. كان جورج مثلا أول من أدخل الفيديو إلى الامارات وأول من درس مشروعا زراعيا لاحياء عين إبل وبقية القرى الجنوبية يشبه مشاريع الشركات الكبرى في البلاد الأوروبية حيث توزع الشركات العجول الصغيرة على المزارعين اضافة إلى الأعلاف اللازمة على أن تشتري الشركة من المزارع العجول بعد تثمينها بحسب وزنها ما يدر عليه ربحا اضافيا ويعطي الشركة ايضا ربحها بدون أن تضطر لبناء المزارع وتوظيف العمال، فهي تسهم بتحسين مداخيل المزارعين وبنفس الوقت تقلل من مصاريفها.
كان جورج الولد الرابع في عائلتنا بعد بنوا وكرملين ولور وقد سافر صغيرا إلى فرنسا لكسب العلم ولكنه لم ينسَ رفاقه في البلدة وبقي على اتصال مواكبا مجموعة الصغار التي نظمها وأعطاها اسم “الاتحاد المتحد” وقد رسم لهم علمها وكان قبر الشهداء طبعا مجال لعبهم ونشاطاتهم. ويوم عاد كان عليه تعلّم قواعد العربية فكان الأب اثاناسيوس الحداد معلمه الخاص، ومن ثم درس في عينطورة ثم في البطركية حيث نال الفلسفة ودخل فرع الحقوق في الجامعة اليسوعية، وبعد تخرجه سافر إلى ليبيا ليعلّم الفرنسية في المدارس الثانوية. ثم بعد زواجه كان عصر جديد من التكنولوجيا قد بدأ يظهر في عالم التقنيات الحديثة هو الكومبيوتر فترك التدريس وسافر إلى سويسرا ليتعلم برمجة الكومبيوتر ومن ثم عاد إلى لبنان وعمل مديرا لأحد مصانع الشويفات إلى أن دخلت الحرب.
جورج الأخ المثالي النشيط وصاحب الرؤية والمشاريع الكبرى. وقد كان فنانا بقيت لوحاته في البيت تحث الأخوة على اتباع طريق الفن بينما كان من شجعني دوما على المغامرة وحب العطاء وعدم الخوف من التحديات التي قد نصادفها كيفما توجهنا. وهو كان من اشار علينا يوم قررنا السير في بناء مزار ام النور بأن يكون البناء عالميا ليجذب الزوار ولو كانت التكاليف كبيرة إلا أن البلدة بحاجة لمشروع بمستوى تطلعات سكانها لتستعيد دورها على مستوى الوطن وليس فقط المنطقة، ومن هنا كان الاصرار على أن يكون البرج أكبر برج للسيدة العذراء في منطقة الشرق الأوسط وثاني أعلى برج عالمي على أسم العذراء.
السنة الماضية، وعندما سمعت بأنه يعاني من بعض الأمور الصحية، زرته في فرنسا وكانت فرحته كبيرة لدرجة أنه عاد يقاوم ويستعيد المبادرة فيجتاز التحديات ويكمل المسيرة، التي كان لا يزال يتابعها في الشركة التي بناها واستمر بالرغم من كل الصعوبات في ابقائها مزدهرة. ويوم قررت ابنتي ريتا زيارة فرنسا قبل اسبوعين كانت فرحتي كبيرة لأنها ستزور “عمو جورج” فيفرح بها عله يتجاوز مرة أخرى المصاعب الصحية التي يعاني منها. ولكنه بالرغم من نجاح العملية ساءت صحته في يوم عيد القديس شربل والتقى بمار الياس في اليوم الثاني الذي يصادف عيده لينطلق معه صوب مساكن الراحة تاركا خلفه مسيرة طويلة من الجهد والعطاء.
سوف يستقبلك رب الحصاد بفرح عظيم لأنك تحمل معك الكثير من وزناتك المضاعفة وخاصة تلك الروح الطيبة التي تحليت بها ومارستها مع الآخرين تعاونا ومشاركة. صلاتنا إلى الله أن يدخلك فرح سيدك ويجازيك على حزاقتك وصنع يديك وعلى مساهماتك في تعليم الكثيرين على السير في دروب العطاء.
فليكن ذكرك مؤبداً…
تعازينا إلى الزوجة الفاضلة والأولاد وعائلاتهم والأشقاء والشقيقات وعائلاتهم وإلى عائلة بركات ودياب وجميع أهالي عين إبل في الوطن وبلاد الانتشار..