
جريمة بحجم وطن… وقضاء أمام امتحان التاريخ
جوال ميشال الحويك/موقع أكس/16 أيلول/2026
أكثر من مئتي قتيل، آلاف الجرحى، وأحياء كاملة سُوّيت بالأرض. بقيت نيترات الأمونيوم سنوات في قلب بيروت، رغم التحذيرات والمراسلات، إلى أن انفجرت وحوّلت العاصمة إلى مسرح جريمة.
وبعد كل ذلك، يُراد اختصار مسؤولية ميشال عون بسؤال واحد: لماذا لم يتحرّك؟
السؤال مشروع، لكنه لا يكفي. فعون لم يكن موظفاً أهمل ملفاً، بل رئيس الجمهورية ورأس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة. المطلوب تحديد المسؤولية كاملة: ماذا عرف؟ متى عرف؟ من أبلغه؟ ماذا فعل؟ ولماذا بقيت المواد في المرفأ رغم التحذيرات؟
هذه ليست أسئلة لغوية، بل جوهر القضية.
كان عون أيضاً شريكاً سياسياً لحزب الله منذ تفاهم مار مخايل عام 2006، الذي منح الحزب غطاءً مسيحياً وفتح لعون طريق الرئاسة. هذا جزء من السياق السياسي والأمني الذي حكم البلاد، ولا يجوز شطبه من التحقيق أو استخدامه ستاراً لمنع الأسئلة.
من أدخل النيترات؟ من أبقاها؟ من حماها؟ من منع إخراجها أو كشف حقيقتها؟ هذه أسئلة تتعلق بشبكة سلطة ونفوذ، لا بإهمال إداري عابر.
وينطبق الأمر نفسه على جبران باسيل، الذي كان صهر الرئيس ورئيس التيار الوطني الحر وأحد أبرز أركان السلطة. العقوبات الأميركية بحقه ليست حكماً قضائياً لبنانياً، لكنها معطى يفرض التحقيق في إدارة النفوذ والموارد العامة وعلاقة السلطة بالحماية المتبادلة.
المطلوب ليس توزيع الاتهامات، بل تثبيت المسؤوليات في ملف شفاف، بعيداً عن التهديد والصفقات والخطوط الحمر. لكن تعطيل التحقيق، وحجب المعلومات، والضغط على القضاة، وترك أهالي الضحايا وحدهم، جعل السرية نفسها موضع شبهة.
لا يجوز أن تتحول الحصانات إلى ملاذ، ولا أن يصبح مرور الوقت وسيلة لتصغير الجريمة.
القضاء ليس وسيطاً بين القوى السياسية، ولا موظفاً لدى السلطة. مهمته أن يكشف ويسمّي ويحاسب، أياً كان الاسم أو الموقع أو الحزب.
عون يُحاسب على ما عرفه وما فعله وما امتنع عن فعله. حزب الله يُحاسب على دوره وباسيل وكل من أدخل أو حمى أو أخفى أو عطّل، يجب أن يخضع للقانون.
لا حصانة أمام الحقيقة، ولا تحالف يحمي من المسؤولية، ولا منصب يعلو على دم الضحايا.
الرابع من آب جريمة بحجم وطن، والقضاء أمام امتحان التاريخ: إما أن يثبت أنه سلطة مستقلة، أو أن يُسجَّل عليه أنه كان جزءاً من منظومة الحماية.
والتاريخ لا يرحم من قتل بيروت، ولا من عرف وسكت، ولا من حمى أو سهل أو أخفى أو عطّل، ولا قضاءً امتلك فرصة كشف الحقيقة ثم اختار أن يكون طرفاً سياسياً.