
قبل إصلاح العالم أصلحوا الدولة
العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا/نداء الوطن/28 أيلول/2026
استمعت إلى خطاب رئيس الحكومة نوّاف سلام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وخرجت منه بسؤال بسيط: هل الأولوية اليوم أن يقدّم رئيس الحكومة رؤيته لإصلاح النظام العالمي، أم أن يشرح للعالم ماذا فعلت حكومته لاستعادة الدولة اللبنانية سيادتها وأن يطلب المساعدة التي يحتاجها لبنان لإنجاح هذه العملية؟
تحدث سلام عن القانون الدولي، وإصلاح مجلس الأمن، والعدالة الدولية، والفقر والتنمية والإرهاب، والفساد والمؤسسات، وفلسطين، بينما يواجه لبنان نفسه أسئلة أكثر إلحاحًا.
لكن أولا، دعني أذكّرك يا دولة الرئيس: الفقر والحرمان مشكلتان خطيرتان، لكنهما لا تبرران الإرهاب. فهناك مجتمعات فقيرة لم تنتج الإرهاب، كما خرج إرهابيون من بيئات غنية. لذلك، لا أتفق مع قولك إن الاستثمار في التنمية يقي من تحوّل الفقر والحرمان إلى “مصادر للعنف والتطرف والإرهاب” ولا ينبغي الخلط بين الأمرين. والأكثر إثارة للاستغراب أن رئيس حكومة بلد يواجه أزمة سيادة ومؤسسات وفسادًا متراكمًا ينتقل إلى إعطاء المجتمع الدولي دروسًا في الحوكمة وإصلاح الأمم المتحدة، داعيًا إلى مجلس أمن أكثر تمثيلا وعدالة، وإلى تقييد استخدام حق النقض في حالات محددة.
وارتحت عندما أوضح أنه لا يريد إلغاء حق النقض عن الدول الكبرى، خشيت للحظة أن يقرر أيضًا سحبه منها! لكن المسألة جدية. قبل إصلاح مجلس الأمن، لدينا في لبنان دولة تحتاج إلى إصلاح. وقبل تعليم القوى الكبرى كيفية إدارة النظام الدولي، أمام الحكومة مؤسسات معطّلة، وفساد متراكم، وقضاء معطّل، وإدارة مشلولة، واقتصاد منهار، ودولة تواجه تحديًا أساسيًا في احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم.
وكان الأجدى أن يركّز رئيس الحكومة خطابه على كيفية معالجة هذه التحديات الوجودية التي تواجه الدولة اللبنانية.
ولعلّ الدليل الأوضح على فشل حكومته في مقاربة هذا التحدي يبرز في عدم تسمية إيران في خطابه، والأهم في الفجوة بين ما تقوله الحكومة وما تستطيع تنفيذه. قال الرئيس سلام إن لا أحد يتحدث باسم لبنان أو يفاوض عنه إلا الدولة اللبنانية، وإنه لا يجوز أن يتحوّل لبنان إلى ورقة في تسويات تُعقد في غيابه.
لكن كيف يمكن للدولة أن تؤكد أنها صاحبة القرار الحصري، فيما يبقى دبلوماسي إيراني أعلنته الحكومة شخصًا غير مرغوب فيه داخل لبنان؟
وإذا كانت الحكومة غير قادرة على تنفيذ قراراتها، فكيف يمكنها أن تقنع العالم بأنها قادرة على فرض سيادتها؟
وتزداد المفارقة وضوحًا مع ما أُثير حول الاجتماع اللبناني-الإيراني في نيويورك، حيث ظهرت مواقف إيرانية حادة في هذا الموضوع. هنا تحديدًا تظهر المشكلة: كلام كثير، وفعل غائب على الأرض.
ومن حقنا أيضًا أن نسأل: لماذا إدراج فلسطين في الخطاب، وأين تنتهي مسؤولية لبنان تجاه من استخدموه ساحةً لمصالحهم؟
لقد دفع لبنان لعقود أثمانًا هائلة نتيجة تحوّله إلى ساحة للفلسطينيين. وفي السياق نفسه، لماذا لم يتوقف رئيس الحكومة عند ملف النزوح السوري، بما يفرضه من أعباء خدماتية واقتصادية واجتماعية وأمنية متزايدة على لبنان؟ فهذه أيضًا قضايا لبنانية مباشرة كان يفترض أن تكون في صلب الخطاب. وهنا تبرز مسألة مقلقة عندما نضع “عموميات” خطاب سلام مثل إصلاح مجلس الأمن، في سياق بعض المواقف الأخرى الصادرة عن السلطة. فالمقال الذي كتبه مستشار الرئيس جان عزيز، والذي تبنّى فيه أولويات “حزب الله” في التعامل مع إسرائيل، يضيف، عند قراءته إلى جانب خطاب رئيس الحكومة، إشارة تستحق التوقف عندها: التردد.
وعندما يستمر التردد على المستوى الوطني في الانتقال من الكلام إلى التنفيذ، يصبح من المشروع أن نسأل: هل بدأنا نفقد الزخم الذي كنّا نعوّل عليه، وكنا نرفع سقف توقعاتنا بشأنه، في مسار استعادة السيادة، وفرض احتكار الدولة للسلاح؟
المعيار بسيط: ماذا تغيّر على الأرض؟ لا شيء. والأمر نفسه ينطبق على الإصلاح ومكافحة الفساد: لا تُقاس بالخطب والبرامج، بل بمؤسسات تعمل، وإدارة تحاسب، وقضاء قادر، وخدمات، وشفافية في الإنفاق، ومسؤولين يتحملون مسؤولية النجاح والفشل. لا أريد من رئيس حكومتي أن يصلح العالم قبل أن يبدأ بإصلاح الدولة. لا أريد إعلان السيادة، بل أفعالا تثبتها.وفي النهاية، يبدو أن السلطة التنفيذية تفتقر إلى الحسم المطلوب، ولذلك لا يبدو أن علينا أن نتوقع منها الكثير في المرحلة المقبلة. انتظّموا.
*نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار
*الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ
ملاحظة/الصورة المرفق مع التعليق هي من رسم الذكاء الإصطناعي