web analytics
Home تعليقات ومقالات مميزة ادمون الشدياق/لبنان: من الغضب المؤجَّل إلى السيادة المنتزعة

ادمون الشدياق/لبنان: من الغضب المؤجَّل إلى السيادة المنتزعة

6

لبنان: من الغضب المؤجَّل إلى السيادة المنتزعة
ادمون الشدياق/13حزيران/2026
ليس في لبنان شعبٌ فقد الغضب، بل شعبٌ أرهقته كثرة الجراح حتى صار غضبه نفسه متعبًا. فمنذ الحرب التي انفجرت عام 1975، مرورًا بمحطات الانفجار الشعبي والخيبات المتراكمة، وصولًا إلى حراك 2019، لم ينطفئ الرفض في هذا البلد، لكنه تراكم تحت ركام الانهيار، حتى صار جمرًا تحت الرماد، لا يطلب أكثر من لحظة صدق كي يعود إلى الاشتعال. لقد دفعت الأزمات المتتالية، من الانهيار الاقتصادي إلى الهجرة والبطالة، الناس إلى معركة البقاء قبل معركة التغيير، وفي الخلفية تبقى جراح مرفأ بيروت مفتوحةً كندبةٍ وطنيةٍ لا تلتئم، تذكّر اللبنانيين بأن الدولة عجزت ليس فقط عن الإصلاح، بل عن العدالة أيضًا. لذلك لم يمت الغضب في لبنان؛ لكنه تأجَّل. لم ينكسر؛ لكنه انتظر.

السيادة المغتصبة
الحقيقة التي يرفض كثيرون تسميتها باسمها هي أن لبنان يعيش تحت احتلالٍ مقنّع لقراره الوطني، تمارسه قوة مسلّحة داخلية مرتبطة بمحورٍ إقليمي تقوده إيران عبر حزب الله وسلاحه وقراره. وهذه ليست مجرد معادلة نفوذ، بل انقلابٌ على جوهر الدولة، لأن الوطن الذي لا يحتكر قرار الحرب والسلم لا يملك سيادته، بل يعيش على هامشها. لكن رفض هذا الاحتلال لا يعني انتظار خلاصٍ خارجي. فالتاريخ لا يهب الحرية مجانًا، وأوطان الوصاية لا تتحرر بوصايةٍ بديلة. لا دبابة أجنبية تصنع وطنًا، ولا صاروخ عابر للحدود يبني دولة. التحرير الحقيقي لا يولد إلا من الداخل، من إرادةٍ وطنية تعرف أن الكرامة لا تُستورد، وأن الاستقلال لا يُهدى، بل يُنتزع.

الجيش وسؤال السيادة
وهنا تبلغ المسألة جوهرها الأشد حساسية: إذا كان الوطن مهددًا من الخارج والداخل، فما قيمة جيشٍ لا يكون سياجه؟ وما فائدة مؤسسةٍ يفترض أنها عنوان الدولة إن كانت تتردد عند الحافة، أو تكتفي بمشهد الحياد فيما تتفتت الأرض من تحتها؟ ليس المطلوب من الجيش أن يكون حزبًا، ولا ذراعًا سياسية، ولا أداة في صراع السلطة؛ بل المطلوب أن يعود إلى معناه الأول: جيش الوطن، لا جيش الانتظار. جيشٌ يُقال له عند الاختبار إن السيادة ليست شعارًا، بل مسؤولية، وإن الحرية ليست بيانًا، بل فعلًا، وإن حماية لبنان لا تكون بالصمت أمام من يختطف قراره، بل بالمواجهة حين تصبح المواجهة شرط البقاء.
لقد علّم التاريخ اللبناني، مرارًا، أن انكفاء المؤسسة العسكرية في لحظات الانقسام الكبرى يترك الوطن مكشوفًا للرياح. من 1958 إلى 1975، لم يكن غياب الحسم الوطني مجرّد تفصيل، بل كان أحد أسباب انزلاق البلاد إلى الفوضى، ثم إلى حرب الآخرين على لبنان، حيث دفع الشباب اللبناني ثمنًا دمويًا باهظًا لأن الدولة لم تكن حاضرةً بما يكفي، ولأن المؤسسة التي كان يُفترض أن تحمي الوحدة كثيرًا ما بدت صورةً أكثر منها حلًّا. والنتيجة أن الأوطان التي لا تحسم لحظة الخطر تُدفع إلى دفع الثمن لاحقًا مضاعفًا، بالدم، بالهجرة، وبانكسار المعنى نفسه.

الجيش الحقيقي لا يُقاس بعدد بياناته، ولا بحدود ما يتحمّل من ضغوط سياسية، بل بقدرته على أن يكون سورًا حين تُخترق الأسوار. والجيش الذي لا يدافع عن السيادة عندما تُغتصب، يفقد تدريجيًا معنى وجوده الرمزي والوطني. أما الجيش الذي يضع كرامة الوطن فوق حسابات التوازنات، فهو الجيش الذي يستحق أن يحمل اسمه. لذلك لا بد من تغيير العقيدة العسكرية نفسها: من عقيدةٍ تكتفي بحراسة الانهيار إلى عقيدةٍ تضع حماية السيادة في قلب الوظيفة الوطنية؛ من عقيدةٍ تتوجس من الفعل إلى عقيدةٍ تفهم أن الحرية قد تقتضي تضحية، وأن الجندي وُجد ليحفظ لبنان، لا ليبقى لبنان حيًا شكليًا كي تبقى المؤسسة سليمة.

فالوطن لا يُحافَظ عليه بأن يخاف الجيش من أن يتصدع، بل بأن يتقدم الجيش إذا كان ثمن التقدم باهظًا. وإذا كان لا بد من موتٍ، فليكن موت المؤسسة في سبيل الوطن لا موت الوطن في سبيل المؤسسة. لأن الجيش الذي لا يضحّي ليبقى لبنان، يتحول مع الوقت إلى شاهد على تآكل البلد بدل أن يكون منقذه. والجيش الذي يتعلّم أن يضحي ليحيا الوطن، هو وحده الذي يحفظ لنفسه الشرف، ويمنح الدولة حقها في البقاء.

والجيش، في لحظة الخطر، لا يجوز أن يخاف من الشهادة إذا كانت الشهادة هي الثمن الذي يحفظ بقاء الوطن وحرّيته وسيادته وسلامة شعبه. فهذه هي وظيفته الطبيعية حين يتعرض الوطن للتهديد: أن يتقدم، لا أن يتراجع؛ أن يضحي، لا أن يساوم؛ أن يجعل من نفسه درعًا للبنان، حتى لو كان ذلك على حساب راحته أو سلامته. لأن الجيش الذي لا يرى في الشهادة ذروة الواجب، يسقط دوره الطبيعي كدرعٍ للوطن.

الثورة التي تبدأ من الداخل
لبنان لا يحتاج إلى مساحيق سياسية، بل إلى ثورة سيادية تعيد بناء المعنى قبل العمران، والقرار قبل الشكل. تبدأ هذه الثورة من شعبٍ يرفض أن يكون تابعًا، ومن جيشٍ لا يرضى أن يعلو سلاحٌ على سلاحه، ومن نخبٍ تخلع عن نفسها عباءة التدجين، ومن نوابٍ يتوقفون عن الاحتماء خلف كلمة “التسوية”، ومن رئيسٍ لا يتردد، ومن وزراء لا يكونون مجرد زينةٍ فوق جسدٍ ميت. هذه الثورة ليست انفجارًا عاطفيًا، بل فعلًا منظمًا يردّ إلى اللبنانيين حقهم في تقرير مصيرهم. إنها ليست مجرد احتجاج على السلطة، بل إعادة تأسيس للعلاقة بين المواطن والدولة، بحيث تتحول السيادة من شعارٍ مرسوم على الورق إلى ممارسةٍ حية في الشارع، والمؤسسات، والوعي العام.

وهنا يبرز دور الجيش لا بوصفه المخلّص الوحيد، بل بوصفه أحد ركيزتي الخلاص الوطني، إلى جانب القوى الحرة الثائرة التي تؤمن بالدولة والسيادة والقرار المستقل. فالجيش، حين يعود إلى عقيدته الحقيقية كحارسٍ للوطن لا كمراقبٍ على انهياره، يلتقي مع القوى الوطنية الثائرة حين تتحول من غضبٍ مشتّت إلى فعلٍ منظم، ومن احتجاجٍ إلى مشروعٍ سياديٍّ واضح. عندها فقط يصبح الخلاص ممكنًا: جيشٌ يحمي ولا يتردد، وشعبٌ حرٌّ يضغط وينهض ويواجه، فتتكامل قوة السلاح الشرعي مع قوة الإرادة الشعبية في معركة استرداد الوطن.

الجراحة الأخيرة
لبنان لم يعد يحتمل الترقيع. فالمشكلة لم تعد في حكومةٍ هنا أو حزبٍ هناك، بل في بنيةٍ كاملة وصلت إلى مرحلة العطب. لذلك، لا مفر من جراحةٍ مؤلمة: ثورة على الطبقة السياسية، على ثقافة الزعيم الأبدي، على الفساد الذي تحوّل إلى نظام حكم، على هيمنة السلاح، وعلى وهم “المخلّص الخارجي” مهما تبدلت أسماؤه وأقنعته. نعم، ستكون الجراحة موجعة. لكن ما البديل؟ وطنٌ يترنح ببطء، ويُرمَّم وجهه فيما يتآكل قلبه؟ إن الألم هنا ليس نقيض الخلاص، بل ثمنه. وكما لا ينجو الجسد من مرضه إلا إذا فتح جرحه على العلاج، كذلك لا ينهض لبنان إلا إذا واجه علله من جذورها، لا من أعراضها.

شجرة السنديان
اليوم يقف لبنان عند مفترقٍ حاسم: إما أن يبقى ورقة خريفٍ تتقاذفها رياح الإقليم، أو أن يعود شجرة سنديانٍ تضرب جذورها في الأرض وتقاوم العواصف. والفرق بين الصورتين يبدأ من قرارٍ واحد: أن يختار اللبنانيون المقاومة الداخلية، السياسية والمدنية والوطنية المنظمة، بوصفها الطريق الوحيد لاستعادة الوطن، لا بوصفها شعارًا إضافيًا في سوق الشعارات. فلبنان لن يخلص من واقعه الحالي إلا برفضه، ولن ينهض إلا بالفعل على الأرض: بالعصيان المدني حين يلزم، وبالعمل السياسي المنظم، وبالتحرك الوطني الذي لا يكتفي بالمنابر ولا يلوذ ببلاغة البرج العاجي. الكلام وحده لا يستعيد السيادة، ولا يردّ الوطن من يد من خطفه.

خاتمة
فلبنان ليس وطنًا يُستعطى، بل وطنٌ يُنتزع. وليس قدرًا يُدار من الخارج، بل إرادةً تُصنع من الداخل. وإذا كان هذا البلد قد أُنهك طويلًا، فهو لم يُهزم؛ وإذا كان قد صمت طويلًا، فهو لم ينسَ. اليوم ليس المطلوب أن نرثي لبنان، بل أن نعيده إلى نفسه، أن نكسر دائرة الخوف، وأن نخلع عباءة الوصاية، وأن نعلن بوضوح أن هذا الوطن لن يبقى رهينةً لأحد بعد الآن.

وهنا ينهض دور الجيش لا بوصفه المخلّص الوحيد، بل بوصفه أحد ركيزتي الخلاص الوطني، إلى جانب القوى الحرة الثائرة التي تؤمن بالدولة والسيادة والقرار المستقل. فالجيش، حين يعود إلى عقيدته الحقيقية كحارسٍ للوطن لا كمراقبٍ على انهياره، يلتقي مع القوى الوطنية الثائرة حين تتحول من غضبٍ مشتّت إلى فعلٍ منظم، ومن احتجاجٍ إلى مشروعٍ سياديٍّ واضح. عندها فقط يصبح الخلاص ممكنًا: جيشٌ يحمي ولا يتردد، وشعبٌ حرٌّ يضغط وينهض ويواجه، فتتكامل قوة السلاح الشرعي مع قوة الإرادة الشعبية في معركة استرداد الوطن.

فإما لبنان السيادة والحرية والقرار، أو لا لبنان على الإطلاق. ومن يرفض أن يكون تابعًا، ومن يرفض أن يكون شاهدًا على انهيار وطنه، ومن يرفض أن يموت صامتًا، هو وحده من يستحق أن يكون له الشرف أن يدعى لبنانيًا.

Share