د. منى فياض/لماذا نسكت عن البذاءة؟ لماذا نقبل بالعبودية؟

39

لماذا نسكت عن البذاءة؟ لماذا نقبل بالعبودية؟
د. منى فياض/الحرة/04 تشرين الثاني/18

من الملاحظ أن الخطاب السياسي تميز في السنوات الأخيرة بالانحدار إلى مستويات غير مسبوقة. لم يعد هناك مراعاة لأصول التخاطب. ودرجت عادة استخدام تعابير نابية وإهانات شخصية من قبل مسؤولين كبار. فالاستهتار بالقيم صار علنيا، وهي ظاهرة تتوسع وتنتشر.
من هنا يكثر الحديث حاليا عن الشعبوية وصعود اليمين والتوحش وفقدان القيم وانحدار السياسة وتدني الخطاب والممارسات السياسية. ما دعا أحدهم لكتابة مقال عنوانه: “انتصار الشيطان”.
وهذا ما حدا بوزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت إلى دق ناقوس الخطر في كتابها الحديث: “فاشيّة: تحذير” (Fascism: A Warning). ونبهت أولبرايت إلى أن الفاشية ليست تجربة معزولة أو فريدة في التاريخ، بل هي قابلة للتجدد وأن العالم قد يقع بين براثنها مرة أخرى. وترى أن الصراعات العالمية المتجددة وحالة الاستقطاب السائدة في معظم المجتمعات، وانعدام ثقة المؤيدين لقطب أو حزب سياسي بخصومهم السياسيين والتفاوت الاجتماعي المتزايد كلها عوامل تجعل تجدد الفاشية أمرا ممكنا؛ مع الإشارة إلى أن هذه العوامل تتشابه مع الأوضاع التي عرفتها أوروبا في زمن صعود الفاشيات.
أيها الرجل الصغير في كل واحد منا: إنك المسؤول الوحيد عن عبوديتك لأنك شرطي نفسك وليس أي أحد آخر
فما الذي يسمح بمثل هذا الانحدار؟ وما الذي يجعل الاستبداد أو الفاشية أو النازية ممكنة؟
سبق لولهلم رايخ أن أجابنا في كتاب صغير، لم يكن يعده للنشر في عصر النازية عام 1945، تحت عنوان “اسمع أيها الرجل الصغير”. وهو ليس كتابا علميا على غرار مؤلفاته الأخرى. إنه نداء يتوجه إلى وجدان الإنسان الخائف ويخاطبه متفهما ضعفه وجبنه، معترفا أنه مثله مر بهذه اللحظات وعرفها.
فعندما نهتم بالفكر السياسي وبالأوضاع السياسية والاجتماعية، وقبل ذلك بالدول والأوطان والسلطات، علينا أن نهتم قبل كل شيء بـ”هذا الرجل الصغير” في داخل كل واحد منا. الرجل المتوسط الذي يحلم بالمعيار، هو يسميه في كتاباته الأخرى “امتثاليا” يخضع للقواعد المتبعة من الأكثرية، يلتصق بالقطيع وكأن لا مستقبل له بعيدا عنه. إنه على استعداد للبقاء في هذه الدائرة ولو فقد اتزانه الذهني. والبقاء حيث يسود الرجال الصغار، يعني القبول بأن نكون “لا أحد”.
أما رجال السياسة فقد هاجمهم بضراوة، وكان يعتبرهم “صعاليك في الحكومة”. هذا لا يعني أنه لا يسلم بضرورة “السياسي” كمنظم ضروري وعقلاني للمجتمع؛ لكن الممارسات السياسية بدت له منحرفة وخارجة عن القيم.
التدهور المريع لعموم الحالة الإنسانية والانحراف المشابه الذي نعاينه في العديد من القضايا المثارة حاليا، سواء المتعلقة بالمنظمات أو الشخصيات، يقودنا إلى استنتاجه، وهو أن الفساد متأصل في ممارسة السلطة بحد ذاتها، ما عدا بعض الاستثناءات بالطبع.
على كل حال ليس أفضل من الوضع اللبناني، كي نبرهن على ما ذهب إليه. فتصنيف لبنان جعله في طليعة البلدان التي يتفشى فيها الفساد العلني؛ فبقدر تراكم الدين العام الهائل تتراكم ثروات السياسيين الذين في دائرة السلطة. ولقد خصصت مجلة “نوفيل أوبسرفاتور” عددا خاصا لكشف أرقام ثروات النواب دون أن يحرك ذلك ساكنا. مع العلم أن المسؤولين أنفسهم يكشفون لنا فضائح بعضهم البعض. مع ذلك تم تجديد الولاء لهم بواسطة “الانتخابات الديموقراطية” دون أن تطرف عينا للمواطن.
رايخ وجد الإجابة في ميدانه كمحلل نفسي، فالتحليل النفسي ـ ليس فقط ما تقدمه وسائل الإعلام: مجرد التمدد على أريكة ـ لأنه أيضا يستقي تحليلاته من الملاحظات السوسيولوجية كما التاريخية والسياسية.
يبدد رايخ حلم الرجل الصغير الذي في داخل كل واحد منا والذي يريد بموجبه أن يكون “الرجل الصغير الكبير”. منبها إلى أن الفلسفة وعلم السياسة هما في دائرة ومقدور كل واحد، في طريقة العيش والحلم بعالم أفضل ولذلك لا خلاص إلا برفض الرجل الصغير المختبئ في الداخل لأصل البلاء، يخاطبه: “استمع أيها الرجل الصغير! إن كل عمل من أعمالك البائسة يزيد البؤس الإنساني اشتعالا ويبعد الأمل بتحسين مصيرك. وهذا منتهى الحزن؛ لكنك تحاول أن تحجب عنك هذا الحزن فتمارس نكاتك ومزاحك المثير للشفقة وتسميه حس الدعابة الشعبي! ظانا أنك تضحك من “الرجل الصغير الجبان” دون أن تعي أنك لا تضحك سوى من نفسك”.
نرى الكثير من النكات والقفشات والضحك حولنا، لكن الحزن والكآبة يطفحان في لبنان. الوضع المأزوم الذي نعاني منه جعل التشخيص الذي نسمعه على لسان معظم اللبنانيين، من المثقف إلى سائق سيارة الأجرة إلى البائع والموظف: إننا مرضى! لبنان مريض! والقرف هو السيد.
تكتب جوديت باتلر عن مثل حالات الحزن أو الميلانكوليا هذه: إنها نوع من التمرد المشوه والمقموع. لكن ذلك لا يعني أنها حالة جامدة أو ثابتة؛ لأنها تستكمل بنوع من “العمل” الذي يأخذ مظهر الانحراف.
وما تحاوله السلطة هو استباق الغضب المتمرد بتفعيل أدواتها وأجهزتها الأمنية في محاولة دؤوبة لكم الأفواه.
فالدولة تنمي عند المواطنين ما تزيح بواسطته “الوعي” كي تتستر على مثالها السلطوي. وتمارسها “بالتهريب” كي تخفي نفسها كفاعل معلن.
ما تحاوله السلطة هو استباق الغضب المتمرد بتفعيل أدواتها وأجهزتها الأمنية في محاولة دؤوبة لكم الأفواه
الحزن والاكتئاب هما النقطة الحرجة وهما أداة نفسية واجتماعية في الوقت نفسه. نظل بانتظار أن يصرف هذا الوعي المهيمـَن عليه من الأنا الأعلى، أو الضمير الجمعي، الذي يكبل المواطنين ويخيفهم ويكبح إمكانية تمردهم؛ على غرار ما تقوم به السلطة العسكرية الممارسة من الدولة على المواطنين.
أتريد التغيير حقا؟ إذن استمع لرايخ الذي ذاق الحكم النازي والاضطهاد من المواطنين الصامتين: “لا تهرب، فلتكن لك شجاعة أن تنظر إلى نفسك. إنك تخاف من أن تنظر إلى نفسك، تخاف النقد، تخاف القوة التي بداخلك. ليست لديك أي رغبة باستخدام هذه القوة. لا تتجرأ على تخيل نفسك بشكل مختلف، أو تكون حرا وليس ككلب مضروب، أن تكون صريحا دون أن تلجأ إلى التكتيك. أنت تحتقر نفسك، وتقول: هل يمكن أن يكون لي رأي مستقل لكي أقرر حياتي؟ لكي أعلن أن العالم ملكي؟”.
الرجل الكبير كان مثلك رجلا صغيرا، لكنه عرف أين يكمن ضعف أفكاره وأعماله. تعلم، عند إنجازه لمهمة كبيرة، أن يأخذ بعين الاعتبار التهديد الذي تثقل بها عليه صغارته. بينما الرجل الصغير يجهل أنه كذلك وهو خائف من أن يعي ذلك. فيخفي صغارته وضيق أفقه خلف أحلام القوة والعظمة، خلف عظمة رجال آخرين. إنه فخور ببعض قادة الحرب والسياسة، ولكنه ليس فخورا بنفسه. يعتقد بالأشياء التي لا يفهمها، لكنه لا يؤمن بالأفكار التي يفهم معناها بسهولة.
أيها الرجل الصغير في كل واحد منا: إنك المسؤول الوحيد عن عبوديتك لأنك شرطي نفسك وليس أي أحد آخر. لا أحد يحررك، لكنك أنت محرر نفسك!