ياسين شبلي/خطاب المفتي قبلان.. وعقدة الشيعية السياسية

22

خطاب» المفتي قبلان.. وعقدة «الشيعية السياسية»!
ياسين شبلي/موقع جنوبية/29 نيسان/2024

في مقدمة كتابي “الشيعية السياسية.. عقدة المظلومية وولاية الفقيه” الصادر مؤخراً عن دار ألف ياء للنشر كتبت… ” وهكذا رأى الشيعة – أو أكثريتهم على الأقل – في قيام لبنان الكبير “مظلومية” جديدة – إذا صح التعبير – إذا ما أضفناها إلى مظلوميتهم السابقة السالفة الذكر، يصبح من غير المستغرب أن تتحول هذه المظلومية إلى “عقدة”، تتحكم بتصرفات هذه الطائفة على مدى العقود المقبلة، خاصة متى تهيأ لها من يستثمر في الظروف المتقلبة في منطقة الشرق الأوسط، ليعزز هذا الإحساس ويستثمر به، لمصالح قد تكون بعيدة كل البعد، عن مصلحة الطائفة وأهلها والكيان الجديد، الذي بات يضمها مع غيرها من المكونات الأخرى”. عندما كتبت هذا المقطع، لم أكن أتوقع أن أول من س “يؤكد” على مقولتي هذه عملياً، هو المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، في خطبة عيد الفطر “السعيد” هذا العام، التي ألقاها من على “منبره” التقليدي، بما يحمل من رمزية وحيثية شعبية، تعود لأيام والده الراحل الشيخ عبد الأمير قبلان، وذلك في مسجد الإمام الحسين في برج البراجنة، وهو من هو في قربه وتعبيره “الممتاز” عن فكر الثنائي السياسي الشيعي الحاكم اليوم، بإعتباره خط الدفاع الأول عن هذا الثنائي، من خلال تصديه الدائم لطروحات الأطراف السياسية والدينية الأخرى في البلد، سيما البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.

في خطبة عيد الفطر قال المفتي بالحرف الواحد، “دعونا من قصة مجد لبنان ومقولة التأسيس التاريخية، لأن تأسيس لبنان وكيانات المنطقة، تم وفقاً لخرائط المصالح الفرنسية والبريطانية الإستعمارية، ومع ذلك لسنا ممن ينكر جهود البطريرك حويِّك من جهة، سوى أن تأسيس لبنان والدولة صبَّ لصالح فئة أخذت ولم تعطِ، وشاركت بالغُنم ولم تشارك بالغُرم إلا قليل، وحتى اليوم يعاني لبنان وأهله من الظلم السياسي والأساس الفئوي والإرث الطائفي، الذي حوَّل الدولة والبلد إلى “علبة سردين” وطيَّر القيمة الحقوقية للوطن والمواطن، وإنتهى الأمر بعد الإختبار بأكثرية نَكلَت، وقلة قليلة تحمَّلت وضحَّت من أجل بلدها وناسها، وكانت هذه الفئة القليلة كافية لإنزال أسوأ هزيمة بعدو الله وعدو الإنسان والأوطان، واللافت أن هذه الفئة لم تستأثر ولم تحتكر بل وظَّفت كل تضحياتها وإمكانياتها، في سبيل بلدها وناسها دون منة ” – أليس هذا بحد ذاته بتمنين مثلاً – ليكمل قائلاً ” هذه قصتنا في هذا البلد وجنوبه، الذي تحمَّل أهله المذابح الصهيونية وموجات الإرهاب الإسرائيلي من العام 1948، ولم يتحمَّل عنهم غيرهم حتى الدولة اللبنانية”، متوقفاً بشكل خاص عند الغزو الصهيوني للبنان العام 1982 ومقاومة الإحتلال، وصولاً إلى التحرير عام 2000، مشيداً بتضحيات حركة أمل وحزب الله في سبيل إنقاذ لبنان – من دون التطرق بكلمة واحدة لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية “جمول”، لينهي خطبته بالقول “لن نقبل بأي تسوية رئاسية تتعارض مع الملحمة الوطنية، التي تقودها المقاومة على الجبهة الجنوبية، والمطلوب من شركاء الداخل ملاقاة الثنائي الوطني، بتسوية رئاسية تليق بتضحيات أعظم مقاومة سيادية على الإطلاق”. إنتهى كلام الشيخ قبلان.

هذا الخطاب، بالإضافة إلى كلام السيد نواف الموسوي، العائد إلى الساحة على متن “خطاب قتالي” كان قد أُنِّب بسببه ومن ثم أقصي بعد “معركة” شخصية أخرى خاضها من مجلس النواب، حيث يعود حاملاً سيف تعديل الدستور، لتصبح المقاومة بند من بنوده، في ترجمة عملية لمطلب “حزب الله” بأن يتم إنتخاب رئيس لا “يطعن” المقاومة في الظهر، وهو ما يستبطن “عقدة خوف ومظلومية” من الآخر في الوطن. هذا الخطاب، وهذه العقلية هي التي تحدثنا عنها في كتابنا، والتي تحولت إلى “عقدة مظلومية”، تتحكَّم بتصرفات هذا الفريق السياسي الشيعي، وأدَّت إلى ما أدَّت إليه من إنهيار، سواء على مستوى الوطن أو على مستوى الطائفة، وهي عقلية تريد إعادتنا مائة عام إلى الوراء، ل ” تثأر ” لنفسها وللمنطقة – من وجهة نظرها – من إتفاقيات سايكس بيكو، لاغية بذلك مئة عام من عمر “لبنان الكبير” بكل سلبياته وإيجابياته، وعمر المنطقة وتقلباتها، والتغييرات والتحولات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي طرأت عليها، في فكر هو في الحقيقة يتلاقى – من حيث يدري أو لا يدري – في مكان ما مع فكر الحركات الجهادية المتطرفة والإسلامية بشكل عام، التي تسعى لإستعادة دولة الخلافة البائدة – وإن بطرق ومسميات مختلفة – كُلٍ بحسب فكره وإنتمائه المذهبي ومشروعه السياسي، مهما حاول البعض إلباسه لباس السيادة الوطنية اللبنانية، والدفاع عنها بالمقاومة في وجه “الشيطان الأكبر” وأدواته، وبشكل يتناقض حتى مع فكرة “الثورة العربية الكبرى” في بداية القرن العشرين، والتي كان الشيعة العرب جزءاً لا يتجزأ منها، وقامت أساساً للتخلص من دولة الخلافة الدينية، من منطلق قومي عربي، وليس الإبقاء عليها أو إستعادتها، من منطلق طائفي أو مذهبي كما هو الحال اليوم.

وهو كذلك فكر – بغض النظر عن وجاهة طروحاته من عدمها – يبقى فكراً غير واقعي، ويقفز على حقائق التاريخ والجغرافيا، ويُحمِّل بلدان المنطقة العربية من الأعباء والمخاطر ما لا طاقة لها به، في ظل غياب مشروع عربي موحَّد، للأسف، في مواجهة المشاريع الأخرى في المنطقة، التي تتصارع وتتقاتل فيما بينها على الأرض العربية، لكنها في النهاية ذات هدف واحد، وهو السيطرة على المنطقة أو تقاسمها في أسوأ الحالات، حالها كحال القوى الإستعمارية في بدايات القرن العشرين، التي إنتهت بإتفاقيات سايكس بيكو، بعد أن غدرت بأحلام أهل المنطقة العرب، في التحرر والوحدة القومية، عن طريق أدواتها على الأرض من أمثال “لورانس العرب” البريطاني وغيره، وهو ما يدعونا اليوم لتحذير أصحاب هذا الفكر من الشيعة وغيرهم، ممن يرتبطون بأحد أصحاب المشاريع المطروحة في المنطقة، من إمكانية وجود أكثر من “لورانس” فارسي أو تركي أو صهيوني أو غربي في صفوفهم، فالتاريخ أثبت ويثبت كل يوم، بأن أصحاب المشاريع الإمبراطورية لا يهتمون للمبادئ، ولا يبحثون عن أصدقاء وحلفاء، بل همهم الوحيد هو مصلحة مشروعهم، لذا هم يبحثون عن عملاء وأتباع أو سُذَّج – في أحسن الأحوال – ذوات مصالح فئوية، ليدغدغوا مشاعرهم بدعوى مساعدتهم على تحقيقها، مع علمهم التام بإستحالة تطبيقها، لتدفع في النهاية أوطانهم وشعوبهم الثمن، ولبنان اليوم أضعف وأصغر من أن يتحمل هكذا مغامرات، من أي جهة أتت، لأنه وللأمانة لا يتعلق الأمر ب “الثنائي الشيعي” فقط – بالرغم من تصدُّره المشهد – بل كذلك ببعض الأطراف المواجهة له، من منطلق فئوي أو طائفي خدمة لمشروع آخر مضاد، من ضمن المشاريع المطروحة.

لذلك المطلوب العودة إلى إتفاق الحد الأدنى بين اللبنانيين، ألا وهو إتفاق الطائف، والعمل على تنفيذ بنوده بشفافية وأخلاقية ووطنية صافية، بعيداً عن لغة التحدي والإستئثار والدخول في الزواريب اللبنانية، سواء على المستوى الوطني أو حتى زواريب كل طائفة على حدة – وما أكثرها – فالشاطر هو من يتعظ ويأخذ العبرة من تجارب التاريخ، وما أكثر التجارب والعبر، ولكن كم من شاطر بيننا، هذا هو السؤال؟!