
المواد المتفجرة تُرعِب البنانيين
طوني ابو جمرة/فايسبوك/16 تشرين الأول/2026
منذ عام 1985 وحتى عام 2000، عاشت المنطقة الحدودية في جنوب لبنان مرحلةً قاسية من المواجهات والعمليات العسكرية والتفجيرات. وفي تلك السنوات، سقط عسكريون من ضباط وأفراد جيش لبنان الجنوبي، كما سقط مدنيون أبرياء لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا يعبرون الطرقات بين بلداتهم، من جزين إلى حاصبيا ومرجعيون وبنت جبيل، وصولًا إلى رأس الناقورة.
كانت العبوات الناسفة والمتفجرات في تلك المرحلة من أخطر أدوات الموت التي هددت العسكريين والمدنيين على حد سواء. وكان أبناء القرى الجنوبية يعرفون أن الطريق الذي يسلكونه كل يوم قد يتحول، في لحظة، إلى فخّ يسرق حياتهم ويترك عائلاتهم أمام مأساة لا تُمحى.
ومن المواد المتفجرة المعروفة عسكريًا مادتا C4 وTNT، اللتان تختلفان في تركيبهما وخصائصهما، وتدخلان في تطبيقات عسكرية وصناعية مختلفة قد شكلا الوسيلة الأساسية التي اعتمدها حزب الله طوال سنوات حربه ضد المنطقة الحدودية على المستويين العسكري والمدني .
وفي هذا السياق ثمة حقيقة لا يجوز أن تُمحى من الذاكرة الجنوبية واللبنانية عامةً : أن سنوات المواجهة تلك شهدت خسائر بشرية فادحة، وأن العسكريين والمدنيين الذين سقطوا فيها لم يكونوا أرقامًا في سجلات الحرب، بل أبناء عائلات وقرى، لهم أسماء وبيوت وأحلام ومستقبل حُرموا منه ، لانهم قرروا مواجهة مشروع معادي للبنان .
بالأمس كان الخطر في الجنوب… واليوم يشعر به لبنان كله.
اليوم، ومع تصاعد المخاوف من المواد المتفجرة ومن احتمال استخدامها في عمليات اغتيال أو تفجيرات، يرتفع صوت اللبنانيين مطالبًا الدولة بكشف الحقيقة، وضبط السلاح والمواد الخطرة، ومحاسبة كل من يهدد أمن الناس وحياتهم.
وهذا الخوف مشروع، لأن اللبناني الذي يخشى على حياته اليوم ليس مختلفًا عن الجنوبي الذي عاش سنوات طويلة تحت تهديد العبوات والتفجيرات. فالخوف على الحياة حق، والأمن ليس امتيازًا تمنحه جهة سياسية لمن تشاء، بل واجب على الدولة تجاه جميع مواطنيها، من دون تمييز بين منطقة وأخرى، أو طائفة وأخرى، أو فريق سياسي وآخر.
ولكن، مهلكم يا سادة!
قبل أن يصبح الخوف قضية وطنية جامعة، كان أبناء الجنوب يعيشون هذا الخوف يوميًا. وقبل أن تتحول المتفجرات إلى هاجس يشغل اللبنانيين من أقصى البلاد إلى أقصاها، كانت عائلات جنوبية تودّع أبناءها الذين سقطوا في المواجهات أو قضوا نتيجة التفجيرات والعبوات الناسفة.
أين كان صوت التضامن الوطني يومها؟ وأين كانت الذاكرة الجماعية حين كان الجنوب يدفع من دم أبنائه ثمن صراعات تتجاوز حدوده، ومشاريع تتجاوز إرادة أبنائه؟
إن العدالة في الذاكرة تقتضي ألّا نستنكر خطر الموت عندما يقترب من بيوتنا، ثم نتجاهل ضحاياه عندما يسقطون في بيوت الآخرين. ولا يجوز أن يصبح الألم وطنيًا فقط عندما يصل إلى العاصمة، أو عندما يطال شخصيات سياسية، فيما يُختزل ألم أبناء القرى الحدودية في أخبار عابرة.
جيش لبنان الجنوبي: تضحيات لا يجوز أن تُمحى من التاريخ.
بصرف النظر عن الاختلافات السياسية والعسكرية التي أحاطت بمرحلة جيش لبنان الجنوبي، فإن من حق الذين خدموا في صفوفه، ومن حق عائلات الشهداء والجرحى والمدنيين الذين سقطوا خلال تلك المرحلة، أن تُروى حقيقتهم بصدق، وأن يُعترف بوجودهم في التاريخ اللبناني بدل إخضاع مسيرتهم للأحكام السياسية المسبقة.
لقد عاش أبناء المنطقة الحدودية حربًا طويلة ومعقدة، وكانت بلداتهم ومنازلهم وبساتينهم وطرقاتهم مسرحًا للمواجهات والمخاطر. ومن واجب أي كتابة تاريخية مسؤولة أن توثّق أسماء الضحايا، والعمليات التي أودت بحياتهم، والظروف التي عاشوها، وأن تحفظ شهادات من بقي منهم على قيد الحياة.
إن وطنية أي إنسان لا تُقاس بمدى توافق روايته مع رواية الجهة المهيمنة ، بل بمدى التزامه بلبنان، وبحق اللبنانيين في الحياة والحرية والأمان، وبحق الدولة في أن تكون صاحبة القرار الأمني والعسكري على كامل أراضيها.
حين تتحول المتفجرات إلى وسيلة لفرض الإرادة
إن أخطر ما يمكن أن يواجه لبنان ليس وجود مادة متفجرة في حد ذاته فحسب، بل وجود قرار باستخدام القوة خارج سلطة الدولة، ووجود بيئة تسمح بالتهديد والترويع والإفلات من المحاسبة.
فالمشكلة لا تنتهي بمصادرة عبوة، ولا بتفكيك شبكة، ولا بإعلان موقف سياسي غاضب. تبدأ المعالجة الحقيقية عندما تصبح حياة اللبنانيين خطًا أحمر، وعندما تخضع الأسلحة والمواد المتفجرة للقانون، وعندما تتوقف الاغتيالات والتهديدات عن كونها أدوات محتملة في الصراع السياسي.
ومن هنا، فإن أي معلومات عن إدخال مواد متفجرة إلى لبنان، سواء عبر البحر أو البر، تستوجب تحقيقًا جديًا وشفافًا، يكشف المصدر والمسار والجهة المسؤولة، ويضع الأدلة أمام القضاء. وإذا ثبت تورط أي دولة أو تنظيم أو فرد، فلا يجوز أن تحميه المصالح السياسية أو التحالفات أو الحسابات الطائفية من المساءلة.
لا نريد اتهامات بلا أدلة، ولا تبرئة بلا تحقيق. نريد دولة تعرف، وتحقق، وتحاسب، وتحمي.
قال الرائد سعد حداد في العام ١٩٧٩ «لن نسمح لإيران في تغيير وجه لبنان»، وهي عبارة تختصر موقفًا سياسيًا مبكرًا وبصيرة وطنية ثاقبة من التدخل الإيراني في الشأن اللبناني.
لا عدالة من دون ذاكرة… ولا دولة من دون سيادة
إلى الذين يرفعون اليوم الصوت خوفًا من المتفجرات والاغتيالات، نقول: إن خوفكم مفهوم، وحقكم في الأمان مقدس. لكن هذا الحق نفسه كان حقًا لأبناء الجنوب الذين عاشوا سنوات طويلة تحت التهديد، وللجنود الذين سقطوا، وللمدنيين الذين لم يعودوا إلى منازلهم، وللعائلات التي بقيت تنتظر أبناءها.
سلامٌ على أبناء الجنوب الذين دفعوا من دمائهم ثمن سنوات المواجهة، وسلامٌ على كل ضحية لبنانية سقطت ظلمًا، أيًا تكن هويتها أو منطقتها أو انتماؤها.