
خريطة طريق لإعادة ابتكار الأمن اللبناني
العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا/نداء الوطن/02 تموز/2026
عندما وقف الملك بيروس بعد أحد انتصاراته المكلفة، قال عبارته الخالدة: “انتصار آخر كهذا، ونهلك”. لقد أدرك أن بعض الانتصارات تكون كلفتها أكبر من مكاسبها، وأن الحكمة ليست في إطالة الحروب، بل في معرفة متى تبدأ مرحلة جديدة. هذا هو الدرس الذي ينبغي أن تستوعبه اليوم حركة “أمل” و”حزب الله”. فبعد عقود من الصراعات، لم يعد لبنان يحتمل المزيد من “الانتصارات” التي يدفع ثمنها شعبه واقتصاده ومؤسساته. لقد آن الأوان للانتقال من منطق الصراع الدائم إلى منطق بناء الدولة. من هنا، يستحق الاتفاق الأخير بين لبنان وإسرائيل الترحيب، ليس لأنه يحلّ جميع الأزمات، بل لأنه يفتح نافذة تاريخية لإعادة رسم مستقبل لبنان. وإذا نجحت الدولة في تنفيذه بحزم، فقد يطلق ديناميكية إيجابية تمتد إلى ملفات أخرى، محدثًا تأثيرًا شبيهًا بتأثير الدينامو، حيث يولّد زخمًا متزايدًا يتوسّع مع مرور الوقت. ومن هنا، يجب ألا يكون تنفيذ الاتفاق نهاية المشروع، بل بدايته. وهنا تقع المسؤولية على عاتق رئيس الجمهورية. فالمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بتنفيذ الاتفاق، بل استثمار زخمه لقيادة رؤية وطنية تعيد ابتكار لبنان. لقد أثبتت التجربة أن إصلاح مؤسسات الأمس لم يعد كافيًا، وأن لبنان يحتاج إلى نظام سياسي جديد وحديث ومتطوّر، قادر على حماية سيادته، وتحقيق الاستقرار، وجذب الاستثمارات، واستعادة ثقة مواطنيه.
وتبدأ هذه الرؤية بإعادة بناء منظومة الأمن الوطني عبر أربع ركائز أساسية.
أولا: استعادة السيطرة على الحدود
إن استعادة سيادة الدولة تبدأ باستعادة السيطرة على حدودها. فالحدود اللبنانية – السورية ليست مجرد قضية عسكرية، بل هي قضية أمنية واقتصادية وتنموية. لذلك، ينبغي أن يقود رئيس الجمهورية مشروعًا وطنيًا لإنشاء نظام متكامل لإدارة الحدود، يبدأ على مستوى وزاري لتأمين القيادة والتنسيق والمساءلة، ويتطوّر لاحقًا إلى مديرية عامة. ويجمع هذا النظام البلديات والقوات المسلحة والجمارك والأجهزة الأمنية والسلطات القضائية والوزارات المعنية ضمن استراتيجية موحّدة، مدعومة بتقنيات حديثة لمكافحة التهريب والجريمة المنظمة. وفي الوقت نفسه، يجب أن يقترن أمن الحدود بخطة تنموية تستثمر في البنية التحتية والزراعة والتعليم والرعاية الصحية وفرص العمل، بما يحوّل المناطق الحدودية من بؤر هشاشة إلى ركائز للاستقرار والنمو.
ثانيًا: إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية
لم يعد لبنان قادرًا اقتصاديًا على الإبقاء على جيش دائم ضخم صُمّم لظروف القرن الماضي. المطلوب هو جيش أكثر ذكاءً ومرونة واستدامة، يقوم على وحدات محلية تضم نواة صغيرة من العسكريين في الخدمة الفعلية، وتدعمها قوات احتياط مدرّبة وقابلة للتعبئة السريعة. وتبقى جميع هذه الوحدات المحلية جزءًا من الجيش اللبناني، تخضع للعقيدة العسكرية نفسها ولسلسلة القيادة نفسها، بما يحافظ على وحدة المؤسسة، ويعزّز كفاءتها، ويخفض كلفتها.
ثالثًا: بناء قدرة وطنية دائمة للتخطيط
القوة العسكرية الحديثة لا تُقاس بعدد الجنود، بل بقدرتها على التخطيط والتعبئة. لذلك، يحتاج لبنان إلى فرق تخطيط دائمة على المستويين المحلي – التكتيكي والعملاني – الوطني، تتولى دراسة التهديدات، وإعداد السيناريوهات، ووضع الخطط، وبناء منظومات القيادة والسيطرة واللوجستية. وعند الأزمات، تتولى هذه الفرق تعبئة الوحدات المحلية وقوات الاحتياط وقيادتها وفق خطط معدّة مسبقًا، بما يضمن سرعة الاستجابة وتنسيق الجهود على المستويين المحلي والوطني. وبذلك يصبح التخطيط هو العنصر الدائم، بينما تُبنى القوة العسكرية وتُعبّأ بحسب الحاجة، ما يحقّق جاهزية أعلى وكلفة أقل ومرونة أكبر.
رابعًا: إعادة هيكلة الجهد الاستخباراتي
الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب والتهديدات السيبرانية لا تعترف بحدود المؤسسات، لذلك يحتاج لبنان إلى مديرية وطنية للاستخبارات تنسّق بين مختلف الأجهزة، وإلى مركز وطني لمكافحة الإرهاب يحوّل المعلومات إلى قرارات وعمليات. وكما في النموذج العسكري، تعمل هذه المنظومات عبر وحدات محلية تجمع المعلومات وتنفّذ المهام الميدانية، وهيكل وطني يتولى دمج المعلومات وتحليلها وتنسيق الاستجابة على مستوى الدولة. إن هذه الركائز الأربع ليست مجرد إصلاحات أمنية، بل مشروع لإعادة تأسيس الدولة اللبنانية: دولة تفرض سيادتها على كامل أراضيها، وتحتكر استخدام القوة، وتبني مؤسساتها على أساس الكفاءة لا المحاصصة. لقد منح الاتفاق الأخير لبنان فرصة تاريخية، لكن التاريخ يعلّمنا أن الأمم التي تكتفي بإدارة اللحظة تضيع فرصها، أما الأمم التي تحوّل اللحظات المفصلية إلى رؤى ومشاريع، فهي التي تصنع مستقبلها.
*العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا/نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار/الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ