عيد كندا: امتنان لوطن الحرية مع أمل وصلاة من أجل لبنان سيد وحر ومستقل
الياس بجاني/01 تموز 2026
طوبى للأمة التي الرب إلهها.» (مزمور 33: 12)
في الأول من تموز من كل عام، يحتفل الكنديون بعيد وطنهم العظيم، كندا، التي أصبحت نموذجًا عالميًا للديمقراطية والحرية والتعددية واحترام كرامة الإنسان. وفي هذه المناسبة الوطنية العزيزة، أنضم إلى ملايين الكنديين في التعبير عن الامتنان والفخر والانتماء لهذا البلد الذي فتح أبوابه أمام القادمين إليه من مختلف أنحاء العالم ومنحهم فرصة العيش بكرامة وأمان وحرية.
بالنسبة لي ولعائلتي، يحمل عيد كندا معنىً خاصًا وعميقًا. فمنذ أن وصلنا إلى هذا البلد المبارك عام 1986، وجدنا فيه وطنًا حقيقيًا قائمًا على سيادة القانون واحترام الإنسان والمساواة في الحقوق والواجبات. لقد احتضنتنا كندا ومنحتنا فرصًا لا تُقدَّر بثمن، ليس فقط لنبدأ حياة جديدة، بل لنشعر بأننا جزء من مجتمع يؤمن بالعدالة والحرية والتنوع ويصون كرامة كل فرد فيه.
جاء في الكتاب المقدس/«احمدوا الرب لأنه صالح، لأن إلى الأبد رحمته.» (مزمور 107: 1) و«فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا.» (يوحنا 8: 36). إنها كلمات تعبّر بصدق عن مشاعر الشكر التي أرفعها لله على نعمة الانتماء إلى كندا، وعلى ما وفرته من أمن واستقرار وفرص لملايين المهاجرين الذين وجدوا فيها وطنًا جديدًا ومستقبلًا واعدًا. غير أن فرحة عيد كندا تدفعني أيضًا إلى التفكير بلبنان، الوطن الأم الذي لا يزال يسكن القلب والوجدان رغم كل ما أصابه من مآسٍ ونكبات. وإن المقارنة بين الواقع الكندي والواقع اللبناني تكشف حجم المأساة التي عاشها لبنان طوال العقود الماضية ولا يزال. ففي الوقت الذي نجحت فيه كندا في ترسيخ مؤسساتها الديمقراطية وحماية سيادتها الوطنية، عانى لبنان من سلسلة طويلة من الاحتلالات والوصايات والتدخلات الخارجية التي صادرت قراره الوطني وأضعفت دولته ومؤسساته.
ففي سبعينيات القرن الماضي، تحولت أجزاء واسعة من لبنان إلى قواعد عسكرية للفصائل الفلسطينية المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، ما أدخل البلاد في دوامة من الحروب والصراعات التي دفعت أثمانها جميع مكونات الشعب اللبناني. ثم جاء الاحتلال السوري الغاشم الذي فرض هيمنته السياسية والأمنية والعسكرية على لبنان لعقود طويلة. وخلال تلك المرحلة، تمت مصادرة القرار الوطني اللبناني، وتعرضت المؤسسات الدستورية للتهميش، وجرى إخضاع البلاد لمنظومة أمنية قمعية عطّلت الحياة الديمقراطية وأضعفت سيادة الدولة. ورغم انسحاب الجيش السوري مرغماً عام 2005 تحت ضغط انتفاضة الاستقلال المجيدة، المعروفة بثورة الأرز، وبفضل تضحيات الشهداء الأبرار الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للحرية والسيادة، فإن لبنان لم يستعد استقلاله الكامل. فقد سارعت إيران إلى ملء الفراغ عبر حزب الله، ذراعها العسكرية والأمنية والعقائدية في لبنان.
راهناً فإن حزب الله، جيش إيران في لبنان يشكل الأداة الرئيسية للهيمنة الإيرانية علىوطن الأرز. فمن خلال احتفاظه بترسانة عسكرية مستقلة عن الدولة، واحتكاره قرار الحرب والسلم، وربطه لبنان بالمشروع الإقليمي الإيراني، نجح اهذا التنظيم الجهادي والإرهابي في إقامة واقع شاذ يتمثل بقيام دولة داخل الدولة، وسلطة فوق سلطة المؤسسات الشرعية، وجر لبنان إلى حروب وصراعات ومواجهات لم يقررها اللبنانيون ولم توافق عليها مؤسساتهم الدستورية. كما تورط في نزاعات إقليمية، وعلى رأسها الحرب السورية، الأمر الذي زاد من عزلة لبنان وألحق به أضرارًا سياسية واقتصادية واجتماعية جسيمة. وكانت النتيجة انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق، وشللًا سياسيًا مستمرًا، وهجرةً جماعية للشباب والكفاءات، وتراجعًا خطيرًا في مكانة لبنان الإقليمية والدولية، فضلًا عن استمرار تآكل سيادة الدولة لمصلحة مشروع إقليمي لا يعبر عن إرادة غالبية اللبنانيين وتطلعاتهم.
ومع ذلك، فإن الأمل لا يزال حيًا. فلبنان الذي واجه الاحتلالات والحروب والاغتيالات والأزمات المتلاحقة، لم يفقد رسالته ولا تمسك أبنائه بالحرية. ولا يزال ملايين اللبنانيين في الداخل وبلاد الانتشار يؤمنون بإمكانية قيام دولة سيدة حرة مستقلة، تحتكم إلى الدستور والقانون وحدهما.
إن مستقبل لبنان لا يمكن أن يُبنى إلا على أسس واضحة وثابتة: سيادة كاملة غير منقوصة، وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والقوى الشرعية، واستقلال القرار الوطني، وإعادة بناء المؤسسات الدستورية، والالتزام بقيم الحرية والتعددية والديمقراطية التي شكلت جوهر الكيان اللبناني عبر تاريخه.
في سياق الخير والشر والرحمة والسلام يقول الكتاب المقدس: «تعلّموا فعل الخير. اطلبوا الحق. أنصفوا المظلوم.» (إشعيا 1: 17) «الرحمة والحق التقيا. البر والسلام تلاثما.» (مزمور 85: 10).
إنها القيم ذاتها التي قامت عليها التجربة الكندية الناجحة، وهي أيضًا القيم التي يجب أن تشكل الأساس لأي نهضة لبنانية حقيقية.
في عيد كندا، أتوجه بخالص الشكر والامتنان لهذا الوطن العظيم الذي منحني وعائلتي فرص الحرية والأمان والاستقرار والكرامة. كما أصلي من أجل لبنان، لكي يتحرر نهائيًا من جميع أشكال الاحتلال والوصاية والهيمنة الأجنبية، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، ولكي يستعيد سيادته واستقلاله وقراره الحر، ويعود وطنًا للحرية والازدهار والعيش المشترك. حفظ الله كندا وشعبها ومؤسساتها الديمقراطية. وحفظ الله لبنان، وأعاده وطنًا سيدًا حرًا مستقلًا، لا سلطة فيه تعلو على الدستور والقانون وإرادة أبنائه الأحرار. عيد كندا سعيد، وعسى أن يأتي اليوم الذي يحتفل فيه اللبنانيون جميعًا بلبنان الحر السيد المستقل الذي استعاد دولته وسيادته ودوره ورسالته.
**الكاتب ناشط لبناني اغترابي
رابط موقع الكاتب الألكتروني
https://eliasbejjaninews.com
*عنوان الكاتب الألكتروني
phoenicia@hotmail.com