
الباحث اللبناني ـ الأمريكي سعيد البستاني: التغيير في إسرائيل قد يطال أسلوب المواجهة لا جوهر العقيدة
القدس العربي/حاورته رلى موفق/24 تشرين الأول/2026
في قراءة تتجاوز الاستحقاقات الانتخابية إلى التحولات الاستراتيجية التي تعيد رسم ملامح المنطقة، يرى الباحث اللبناني-الأمريكي سعيد البستاني أن الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة قد تغيّر الوجوه والائتلافات الحاكمة، لكنها لن تبدّل جوهر العقيدة الأمنية التي تبنّتها إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023. فبحسب تقديره، شكّل ذلك التاريخ زلزالاً في التفكير الإسرائيلي، أطاح نظرية الردع والاحتواء وشراء الهدوء، وأفسح المجال أمام مقاربة تقوم على الاستباق وإنهاء التهديدات، ما يجعل الفارق بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت أقرب إلى اختلاف في إيقاع المواجهة والهامش الممنوح للدبلوماسية منه إلى اختلاف جذري في التوجه الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، يقرأ البستاني، المتخصص في الشأن الأمريكي والشرق الأوسط، الدعم الأمريكي الصريح لنتنياهو من زاوية المصالح السياسية والانتخابية لدونالد ترامب، الذي يستثمر في حليف مستعد للمضي في مواجهة إيران، بما قد يعزّز موقع رئيس الوزراء الإسرائيلي داخلياً، ويتقاطع مع حسابات الإدارة الأمريكية في توسيع اتفاقات أبراهام. لكنه يضع هذا الدعم في إطار أوسع يتصل بأولويات واشنطن الاستراتيجية، معتبراً أن الولايات المتحدة لا تملك رفاهية إبقاء الملف الإيراني مفتوحاً طوال ما تبقى من ولاية ترامب، إذ تسعى إلى تخفيف أعبائها الخارجية وإعادة توجيه اهتمامها نحو الصين. ومن هنا، يتوقع استمرار الضغط على طهران عبر العقوبات والأدوات الاقتصادية، مع إبقاء احتمال اللجوء إلى عمل عسكري محدود قائماً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الذهاب إلى حرب شاملة.
البستاني، المقيم في واشنطن، لا يرى أن الانتخابات النصفية الأمريكية ستشكّل، في حد ذاتها، عاملاً حاسماً في تغيير مسار سياسة ترامب تجاه إيران. فحتى إذا فقد الجمهوريون السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما، ستبقى أمام الرئيس أدوات واسعة لمواصلة سياسته، وإن كان الديموقراطيون سيحاولون عرقلة بعض القرارات وإشغاله بتحقيقات ومساءلات داخلية. وفي المقابل، يلفت إلى أن واشنطن تسعى إلى دفع حلفائها نحو تحمّل مسؤولية أكبر عن أمنهم، لكن إعادة ترتيب المنطقة وتقليص الالتزامات الأمريكية يتطلبان إضعاف إيران والحد من قدرتها على تهديد مصالح دول الخليج.
ويرى الباحث اللبناني-الأمريكي أن التحركات السياسية الخليجية تأتي في إطار الدبلوماسية الوقائية من إيران. ويعتبر أن الوضع الحالي، رغم مخاطره، أكثر قابلية للإدارة والضبط من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع. لكن القلق الأساسي يكمن في غياب تصور واضح لما يمكن أن يكون عليه “اليوم التالي” لأي مواجهة واسعة.
ولا يستبعد استئناف إسرائيل عملياتها ضد “حزب الله” في لبنان إذا رأت أنه يعيد بناء قدراته بما يهدد أمنها، معتبراً أن الضغوط الأمريكية هي التي تحدّ، في الوقت الراهن، من توسيع الهجوم. ويشير إلى أن واشنطن تتمسك بمسار تفاوضي لبناني ـ إسرائيلي، ليس فقط لاحتواء الجبهة اللبنانية، بل أيضاً لإضعاف النفوذ الإيراني عبر الحد من نفوذ الحزب وتعزيز دور الدولة اللبنانية.
وهنا نص الحوار:
لنبدأ من الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول/أكتوبر، ما الذي يمكن أن تغيّره نتائجها على مستوى الحرب في المنطقة؟
الانتخابات الإسرائيلية، برأيي، قد تُغيّر الوجوه والائتلافات، لكنها لن تُغيّر الخطوط العريضة للسياسة الإسرائيلية الجديدة التي اعتُمدت بعد 7 أكتوبر 2023، الذي شكّل زلزالاً أيديولوجياً على المستوى الداخلي الإسرائيلي، وحطّم قناعات استراتيجية إسرائيلية استمرّت لسنوات طويلة. انهارت نظرية الردع والاحتواء، أو شراء الهدوء مقابل تقديم تسهيلات أو حوافز اقتصادية. تحوّل العقل الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر إلى تبنّي عقيدة جديدة ومختلفة، تقوم على الاستباق، والاستئصال قدر الإمكان، وإنهاء أعداء إسرائيل، بطريقة أو بأخرى، حيثما أمكن. أعاد هذا الزلزال إحياء نوع من الشعور الوجودي لدى الإسرائيليين، وأصبح الصراع بحد ذاته صراعاً وجودياً لا مكان فيه للحلول الوسط أو التسويات المؤقتة. لذلك، أعتقد أن الفرق بين أيٍّ من المرشّحَين الأوفر حظاً، بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت، قد يكون في الإيقاع السياسي والهامش الممنوح للدبلوماسية. فعلى سبيل المثال، قد يكون آيزنكوت أكثر تعاوناً مع الولايات المتحدة في إيجاد حلول وسط في غزة، في حين أن نظرة نتنياهو واليمين الإسرائيلي معروفة بتطرّفها. وقد يظهر اختلاف طفيف في مستوى التنسيق مع الحلفاء الدوليين، بمن فيهم الولايات المتحدة، أو في مدى الاستجابة لمطالبهم. لكن هذه التغييرات لن تكون جذرية على مستوى التحوّلات التي طرأت على طريقة تفكير العقل الإسرائيلي، وما بات يتبنّاه من تصوّرات وعقائد في المرحلة الراهنة.
ما الذي يمكن أن تكون عليه الحكومة الإسرائيلية المقبلة؟
هناك أكثر من احتمال لما يمكن أن تكون عليه الحكومة المقبلة: الأول، هو تشكيل حكومة ائتلافية من أحد المعسكرين: فبنيامين نتنياهو لديه الأحزاب اليمينية، في حين قد يتمكّن غادي آيزنكوت من تشكيل ائتلاف يضمّ الأحزاب العربية، إذا استطاع أي من الفريقين المتنافسين حشد الدعم اللازم. الاحتمال الثاني هو تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو خيار لديه شعبية، إذا تمكّن الطرفان من الاتفاق على الخطوط العريضة للسياسة المقبلة. لكن المشكلة أن حكومات الوحدة الوطنية في إسرائيل، في التجارب الأخيرة، كانت عرضة للشلل والانقسام منذ لحظة تشكيلها، بسبب الخلافات بين مكوّناتها، وليس بالضرورة أن تنجح هذه الصيغة في تجاوزها. أما الاحتمال الثالث، فهو التفرد، بمعنى تعذّر تشكيل حكومة مستقرة، ما يعيد الأزمة السياسية الداخلية إلى الواجهة، ويجدّد الدعوات إلى إجراء انتخابات جديدة. هذا هو الجو السياسي السائد في إسرائيل. طبعاً كل من غادي آيزنكوت وبنيامين نتنياهو يمتلك عناوين سياسية يسعى من خلالها إلى تعزيز شعبيته. تصعيد نتنياهو في ملف إيران يرفع من شعبيته. وهنا سأعرج على السبب الذي دفع دونالد ترامب إلى تأييد نتنياهو بهذا الشكل الصريح والمباشر. براغماتية الرجل ونظرته النفعية إلى التحالفات هي وراء تأييده لنتنياهو. وهذا التأييد، في جانب منه، استثمار في حليف، ومحاولة لتفويض بعض المهام مسبقاً إلى خليفة أو شريك مستعد للذهاب في الاتجاه الذي يريده. ترامب يعرف أنه يتجه نحو ممارسة مزيد من الضغوط على إيران، ويعرف أن نتنياهو مستعد للتحرك في هذا الاتجاه في أي وقت. وبالتالي، هو يستثمر في حليف مستعد للمضي في المواجهة مع إيران، في وقت يمكن أن ينعكس فيه هذا التوجه إيجاباً على شعبية نتنياهو وليس على آيزنكوت، باعتباره قائد هذه المواجهة.
في المقابل، ترامب يسعى إلى الاستهلاك الانتخابي داخل أمريكا مع اقتراب الانتخابات النصفية. أولاً، هناك الكنائس الإنجيلية والبروتستانتية التي تتمتع قطاعات منها بعلاقات تاريخية مع إسرائيل، وتشكّل جزءاً من القاعدة الانتخابية المحافظة التي يحرص ترامب على استقطابها والحفاظ على دعمها. وثانياً، هناك المانحون المؤيدون لإسرائيل. فإلى جانب كبار المانحين مثل إيلون ماسك، هناك شبكة واسعة من المانحين الصغار الذين يقدّمون تبرعات بمبالغ أصغر، تصل إلى مليون أو مليوني دولار، ويشكّلون رافداً مهماً للعملية الانتخابية وقاعدة يسعى ترامب إلى كسب دعمها والاستفادة منه سياسياً وانتخابياً.
أما النقطة الثالثة، فقد يكون من المبكر الجزم بها، لكنها ترتبط بطريقة تفكير ترامب وبالسياق الذي حكم سياسته الخارجية منذ ولايته الأولى، ولا سيما مشروع اتفاقات أبراهام. ومن أحد أهداف الهجوم على إيران وإضعافها إزالة عقبة أمام توسيع هذه الاتفاقات، وفتح المجال أمام انضمام دول عربية أخرى إلى مسار التطبيع مع إسرائيل. لذلك، أميل إلى الاعتقاد بأن ترامب يفضّل وجود حكومة يمينية في إسرائيل، بقيادة نتنياهو، قادرة أيضاً على اتخاذ قرارات تتماشى مع التوجه لتوسيع اتفاقات أبراهام. فالحاكم القوي في إسرائيل مستعد أن يسير في هذا الاتجاه. ونتنياهو لا يعتبر توسيع اتفاقات أبراهام مسألة ثانوية، أو أن الأولوية تقتصر على الجانب الأمني، إنما هي هدف مهم بالنسبة إليه. ترامب هنا يستثمر أيضاً في مسار سياسي. فإذا انتهت المواجهة مع إيران وتمَّ الذهاب إلى مسار سياسي، فإن نتنياهو مستعد للمضي في توسيع اتفاقات أبراهام.
وهناك نقطة أخرى تستحق التوقف عندها، صحيح أن هناك نحو 750 ألف إسرائيلي يحملون الجنسية الأمريكية، لكن الناخب الإسرائيلي عموماً ينظر إلى أن أي رئيس حكومة يتمتع بعلاقة وثيقة مع الولايات المتحدة هو رئيس قادر ولديه مقبولية ويجب دعمه، لأن العلاقة مع واشنطن لا تزال تمثّل أولوية مهمة في الحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية.
هل تتوقع أن نشهد تطوراً عسكرياً في الأيام الفاصلة عن الانتخابات، إذا كان ذلك يعزز لفرص نتنياهو، أم أن هامش الوقت بات ضيقاً؟
إذا كان هناك عمل عسكري يمكن أن يحقق نتائج سريعة ومكاسب قابلة للاستثمار سياسياً وانتخابياً، فقد يكون هناك دافع للمضي فيه بالنسبة لنتنياهو في إسرائيل وترامب في أمريكا، إنما هامش الوقت أصبح ضيقاً، وأي عملية عسكرية قد تنطوي على مخاطر قد تتجاوز المكاسب التي يمكن تحقيقها. وأعتقد أن ما جرى تداوله قبل أيام عن مناورات فوق العراق تحاكي هجوماً أمريكياً-إسرائيلياً على إيران، يدخل في إطار الردع لإيران تحسباً لعمل ما قد ينعكس سلباً على كل من نتنياهو وترامب في الاستحقاقين الانتخابيين.
هناك رأي يعتبر أن الانتخابات النصفية الأمريكية لن تؤثر في قرارات دونالد ترامب واستراتيجيته تجاه إيران والشرق الأوسط. هل تؤيد هذه القراءة؟
أمريكا بلد نظامه رئاسي، يتمتع فيه الرئيس بصلاحيات واسعة ومطلقة، ويقوم على الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وللكونغرس، بطبيعة الحال، صلاحيات رقابية وتشريعية تتيح له مراجعة بعض القرارات أو عرقلة تنفيذ سياسات معينة، فيما تُحال النزاعات الدستورية إلى المحكمة العليا. إذا تمكّن الديمقراطيون من السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، فسيشكّل ذلك في السياسة خسارة الرئيس للكونغرس بطريقة أو أخرى، لكن ما الذي يستطيع أن يفعله الكونغرس (المجلسين) مع قرارات الرئيس؟ بالنتيجة، لأن النظام رئاسي، يستطيع الرئيس أن يتخذ قراراته من خلال إصدار أوامر تنفيذية كونه رئيس الهيئة التنفيذية منتخب من الشعب الأمريكي والمفوض بكامل الصلاحيات في المؤسسات التي له سلطة عليها، أكان الجيش والعسكر ووكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي. هذه المؤسسات كلها في خدمة الرئيس. كذلك، يستطيع توجيه الوزراء والمسؤولين الذين عيّنهم، وتحديد المسار الذي يريد إدارته.
كونغرس غير موالٍ يستطيع عرقلة بعض السياسات، ولا سيما عندما تحتاج إلى تشريعات أو اعتمادات مالية إضافية. فإذا تجدّدت الحرب، مثلاً، واضطرت وزارة الدفاع إلى طلب تمويل إضافي من الكونغرس، تستطيع الأكثرية الموجودة فيه من عرقلة الأمر. المتوقع أن يفعله الديمقراطيون إذا ربحوا الانتخابات النصفية ليس عرقلة خطة الرئيس عملية إلهائه بفتح الملفات. هذا ما فعلوه عندما فاز 2016 وعندما خسر في 2020 وقبل انتخابات 2024 والان يعاودون فعْل المسألة ذاتها.
على كل، الناخب الأمريكي يحسم قراره في الأسبوع الأخير قبل الانتخابات. الاستطلاعات أو الإحصاءات العامة تعطي تقدماً للديمقراطيين، وإنْ وجب التعامل بحذر معها لأن هامش الخطأ فيها كبير. والجمهوريون الذين يبدون في موقف دفاعي غيروا تكتيكاتهم الانتخابية ويضعون ثقلهم التمويلي في الولايات التي يمكنهم فيها تضييق الفارق والفوز. إذا فاز الديمقراطيون بغرفة بمجلس أو بمجلسين، سيحاولون عرقلة خطط ترامب، والأهم أنهم سيعمدون إلى إرباكه وإشغاله بملفات داخلية وتحقيقات ومساءلات سياسية وقانونية. سيسعون إلى فتح تحقيقات في قرارات إدارته، وإعادة النظر في بعض سياساته، والطعن في إجراءات اتخذها، سواء في ملف الهجرة أو في القضايا المرتبطة بالسياسات المحافظة، وحقوق مجتمع الميم، والسياسات المتعلقة بالأشخاص المتحوّلين جنسياً، فضلاً عن قرارات ترحيل المجرمين ومكافحة تهريب المخدرات.
سيكون ترامب أمام كمية من الملفات لإرهاقه وإرهاق الجمهوريين، خاصة أن المعركة السياسية هنا لن تقتصر على الانتخابات النصفية، بل ستبدأ معها عملياً الحسابات المرتبطة بالانتخابات الرئاسية لعام 2028، خاصة أن لدى الجمهوريين في تلك الانتخابات شخصيات مثل ماركو روبيو وجي دي فانس أكثر شعبية من الذين قد يرشحهم الديمقراطيون. كما أن الديمقراطيين يواجهون تحدياتهم الخاصة، ولا يمكن افتراض أنهم سيستفيدون تلقائياً من أي تراجع في شعبية ترامب.
تقول إن الديمقراطيين إذا سيطروا على الكونغرس سيحاولون عرقلة خطط ترامب خلال النصف الثاني من ولايته وإلهائه. كيف سينعكس ذلك على تعاطيه مع الملف النووي الإيراني، الذي يريد إنهاءه ليشكل جزءاً من إرثه السياسي، فيما إيران ستراهن على تمرير السنتين المتبقيتين من ولايته، انتظاراً لانتهاء ما تعتبره “كابوس ترامب”؟
من خلال قراءتي لطريقة تفكير المؤسسات داخل النظام السياسي الأمريكي، أعتقد أن الإدارة لا تملك رفاهية استمرار الأزمة مع إيران مفتوحة لسنتين إضافيتين، لأن الملف الإيراني جاء في سياق تصفية الملفات والعقد التي تعيق واشنطن عن التركيز على التحدي الاستراتيجي الأكبر المتمثل في الصين. هناك مشكلة في الأساس بين الأمريكيين والأوروبيين وبين الصين يتعلق بوصول الصين إلى مصادر النفط الرخيص، وهو موجود في فنزويلا وإيران، وجزء منه في روسيا. فعندما تحصل الصين على النفط بأسعار تقل عن مستويات السوق بـ 20 في المئة، فذلك يمنح اقتصادها فائضاً نتيجة فرق الأسعار، في حين تتحمل باقي الاقتصادات تكاليف الطاقة بأسعار السوق العالمي. أنهى ترامب موضوع فنزويلا، ومسألة كوبا ليست سوى مسألة وقت، فهناك وفود من وكالة الاستخبارات الأمريكية تصل إلى كوبا لإفهام الطبقة الحاكمة هناك أن الملف الكوبي سينتهي إما بالطريقة الصعبة أو الطريقة السهلة. عملياً تنهي الإدارة ملفات ضمن التوجه الأمريكي نحو تعزيز النفوذ في نصف الكرة الغربي، وهو توجه تناولته استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في كانون الأول/ديسمبر 2025، التي أعطت المنطقة من غرينلاند وحتى الأرجنتين أهمية خاصة في الحسابات الأمريكية الاستراتيجية، وتريدها خالية من المشاكل ومتعاونة كلياً معها.
وضمن في هذه الوثيقة، هناك توجه للتخفيف والحد من الالتزامات المُفرطة الخارجية. ومِنْ هنا، يمكن فهم الضغوط الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي، وكذلك مساعي واشنطن إلى إعادة صياغة دورها في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة لا تريد بالضرورة الانسحاب من المنطقة، لكنها تسعى إلى تقليص الأعباء المباشرة المترتبة عليها، وإلى دفع حلفائها نحو تحمّل مسؤولية أكبر عن أمنهم. وهذا يقودنا إلى مفهوم تقاسم الأعباء- أي مطالبة الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر عن أمنهم ومصالحهم الإقليمية، بدلاً من الاتكال المستمر على الولايات المتحدة.
غير هذا التصور للشرق الأوسط لا يمكن تطبيقه من دون إضعاف إيران. لا يمكن لواشنطن أن تترك المنطقة وتقلّص التزاماتها، وتطلب من السعودية ودول أخرى بناء تفاهمات وتحالفات إقليمية، فيما لا تزال إيران تهدد أمن هذه الدول. من هذا المنظور، فإن عملية إضعاف إيران هي عملية حتمية وجزء من تهيئة الظروف لإعادة ترتيب المنطقة. هذا السبب الأول. أما السبب الثاني، فهي الصين، وإنْ كانت بكين، حتى الآن، تتعامل مع الملف الإيراني بحياد وبحذر، وبحدود حماية مصالحها، لكن استمرار أزمة يبقي أحد ملفات التنافس الأمريكي-الصيني مفتوحاً، ويزيد من تعقيد الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية لدى الطرفين
أما السبب الثالث، فهو أن المخططين في الإدارة الأمريكية لا يملكون الوقت لاستمرار أزمة إيران مفتوحة للسنتين المتبقيتين من ولاية ترامب. وأياً تكن نتيجة الانتخابات النصفية، سيتحرر ترامب بمجرد انتهاء هذا الاستحقاق، وسيكون قادراً على مواصلة سياسته وفقاً لأولوياته الاستراتيجية حيال سياسته الخارجية. لا شيء يمنعه من يُكمل الحرب إذا خسر الانتخابات، أو أن يستمر بالخنق الاقتصادي، وهناك حديث عن ضربة تزيد من الضعف الاقتصادي الإيراني ولا تعيد المنطقة إلى حرب شاملة. فالولايات المتحدة لا تريد، في هذه المرحلة، أن تجد نفسها أمام مواجهة واسعة تفتح جبهات متعددة في وقت واحد، وتفرض عليها استنزافاً عسكرياً واقتصادياً طويل الأمد. ومن هنا يمكن فهم التركيز الأمريكي على إيران، وعدم الرغبة في الانجرار إلى جبهات ثانوية، مثل اليمن والحوثيين، بما قد يشتّت الجهد الأمريكي عن الهدف الأساسي. فواشنطن تريد، وفق هذه القراءة، إبقاء الضغط مركزاً على طهران، بدلاً من توسيع المواجهة إلى ساحات إضافية، على الرغم من أنها تشارك إلى جانب السعودية من خلال خبرائها ومعلوماتها الاستخباراتية.
عندما تتحدث عن زيادة الخنق الاقتصادي، هل تقصد عقوبات جديدة أم أن الأمر قد يتجاوز ذلك إلى عمل عسكري محدود؟
تحول وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى نجم بعدما كان وزير الحرب بيت هيغسيث هو النجم، لأن الملف الاقتصادي والعقوبات أصبحت من الأدوات الأساسية في إدارة المواجهة مع إيران ولدى بيسنت على الدوام إجراءات جديدة لتضييق الخناق على الشبكات المالية والتجارية التي تستخدمها إيران، وعلى قطاعات صناعية إضافية، بينها السكك الحديدية وصناعة السيارات والصلب.
لكن عندما نتحدث عن احتمال عمل عسكري، لا أعتقد بالضرورة أننا أمام سيناريو هجوم تدميري واسع أو حرب شاملة. قد يكون عملاً عسكرياً محدوداً يهدف إلى زيادة الخنق الاقتصادي والاستراتيجي على إيران، وإضعاف قدرتها على استخدام مضيق هرمز للتأثير في أسواق الطاقة والملاحة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الإيرانيين ارتكبوا، وفق هذا التقدير، خطأ كبيراً في حساباتهم عندما اعتقدوا أنهم يستطيعون، بعد التوصل إلى تفاهم، مواصلة الضغط على الأمريكيين لانتزاع تنازلات إضافية. فإدارة دونالد ترامب كانت قد قطعت شوطاً في تقديم تنازلات يمكن أن تضعها في موقف محرج، لكن الإيرانيين أساؤوا تقدير الموقف، واتجهوا إلى استهداف المسار الجنوبي، أي المسار العُماني، الأمر الذي أدى إلى انسحاب الولايات المتحدة من مذكرة التفاهم والعودة إلى سياسة الضغط الأقصى.
المنطقة تدفع ثمناً باهظاً نتيجة الحرب، وهناك مخاوف حقيقية من انعكاس التصعيد على دول الخليج، خصوصاً أن إيران تحاول الضغط على الولايات المتحدة عبر حلفائها وفتح جبهات إضافية نراها اليوم في اليمن. كيف تقرأ المخاطر المحدقة بالخليج؟ وهل تمتلك دوله القدرة على احتواء هذه المخاطر إذا طال أمد المواجهة، لا سيما في ظل التباين الظاهر بين بعض دول مجلس التعاون الخليجي؟
لا شك في أن دول الخليج تشعر بالقلق إزاء التطورات الراهنة، سواء بسبب انعكاساتها على أمنها أو بسبب المخاطر التي يمكن أن تلحق باقتصاداتها. ومن هنا، يمكن قراءة التحركات السياسية الخليجية في إطار ما يُعرف بالدبلوماسية الوقائية، وهي وقائية من إيران، وتهدف إلى تخفيف حدة الاستقطاب والتهدئة قدر الإمكان، بما يخدم عدم الإضرار بالاقتصادات الخليجية. يبدو الوضع الحالي، رغم مخاطره، أكثر قابلية للإدارة والضبط من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع. لكن القلق الأساسي يكمن في غياب تصور واضح لما يمكن أن يكون عليه “اليوم التالي” لأي مواجهة واسعة، وما الترتيبات الأمنية التي ستليها؟ وكيف ستُحمى المصالح الاقتصادية؟ وما الضمانات التي تحول دون تجدّد التصعيد؟
الأجواء الحالية في الخليج، وخاصة ما يجري في اليمن والاعتداءات الحوثية على السعودية أعادت التقارب السعودي الإماراتي إلى حد ما في ملفات معينة، وأعادت النظر في سبل الدعم الغربي للسعودية لحماية أمنها. النزاع اليمني لم يعد معزولاً، وتستعمله إيران كجزء من المواجهة الإقليمية للضغط على حلفاء الولايات المتحدة. فإذا نجحت بجر أمريكا إلى الانخراط في حرب اليمن- وهذا لن يحصل- تكون قد فتحت للولايات المتحدة جبهة ثانوية، في وقت تريد فيه تركيز مواردها العسكرية والاستراتيجية على إيران ومضيق هرمز. وإذا لم تنجح طهران في جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة في اليمن، فقد تُحقق هدفاً آخر، يتمثل في إحداث تباين بين واشنطن والرياض بشأن كيفية التعامل مع الحوثيين.
ومن هنا، يمكن فهم تحذيرات ترامب، حين قصف الحوثيون مطار الرياض، من تجاوز خطوط معينة في التصعيد. فواشنطن لا تريد الانخراط في حرب مفتوحة على جبهات متعددة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن يُفهم ضبط النفس الأمريكي على أنه غياب للاستعداد للتحرك إذا تجاوزت الهجمات حدوداً تعتبرها غير مقبولة.
لا يزال لبنان يعيش حالة من القلق من احتمال أن تستكمل إسرائيل عملياتها العسكرية ضد “حزب الله” هل تتوقع أن تُقْدِم إسرائيل، بعد الانتخابات، على خطوات عسكرية جديدة في إطار استراتيجيتها التي اعتمدتها بعد 7 أكتوبر، أم أنها ستتعايش مع الوضع القائم، وتنتظر اتضاح مسارات المواجهة الإقليمية بين أمريكا وإيران قبل اتخاذ قرار جديد بشأن لبنان؟
إسرائيل هجومها بفعل الضغوط الأمريكية التي تلجمها في المرحلة الحالية وإلا، فإن إسرائيل تخلّت عن سياسة شراء الهدوء، وانتقلت إلى عقيدة تقوم على المواجهة والاستئصال وإنهاء التهديد. بالتالي، لا شيء يمنع إسرائيل من تطبيق هذه العقيدة على “حزب الله” إذا أعاد بناء قدراته العسكرية بصورة قد تشكل تهديداً للعمق الإسرائيلي من جديد. لكن الإسرائيليين يوازنون حالياً بين هذه العقيدة والإجراءات التي يتخذونها لإقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان، يدفع السكان ثمنها من أراضيهم وأرزاقهم ومنازلهم، وسط ما نشهده من دمار وتداعيات إنسانية واقتصادية.
في الوقت الراهن، تضغط الولايات المتحدة لمنع توسيع العمليات الإسرائيلية، لأن أي توسع في لبنان قد يؤدي إلى توسيع المواجهة مع إيران، في وقت لا تزال فيه واشنطن تراهن على الأدوات التي تستخدمها لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، ولا سيما في الملف النووي. فالأمريكيون يجمعون أوراق الضغط، وفي مقدمتها العقوبات، لاستخدامها في إطار أي تسوية محتملة، بحيث يكون قد دفعوا من أوراق جديدة يتم جمعها في هذه المواجهة مقابل تنازلات إيرانية.
وتصرّ الولايات المتحدة على إبقاء مسار اتفاق الإطار قائماً، وعلى إيجاد مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل، لاعتبارات عدة. أولها أن واشنطن تتعامل مع إيران باعتبارها مساراً مستقلاً، سواء من خلال التفاوض أو الضغوط أو العمليات العسكرية، لكنها في الوقت نفسه تحاول فتح مسارات منفصلة من أجل إضعاف أذرع إيران، ومن بينها “حزب الله” من خلال المسار اللبناني-الإسرائيلي، وإعطاء الدولة اللبنانية دوراً أكبر في المرحلة المقبلة. غير أن إسرائيل لن تتخلى عن خيار استئناف الهجوم، إذا رأت أن “حزب الله” يعيد تنظيم قواته وبناء قدراته على نحو يهدد إسرائيل أمنها مجدداً.