web analytics
4.7 C
Mississauga
Thursday, October 22, 2026
Home Youssef El Khoury Page/صفحة المخرج يوسف ي. الخوري الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/الصفر الذي منحني صديقًا للعمر؛ هو صالح ارتيمه،...

الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/الصفر الذي منحني صديقًا للعمر؛ هو صالح ارتيمه، أبو عبد الرحمن

19

الصفر الذي منحني صديقًا للعمر؛ هو صالح ارتيمه، أبو عبد الرحمن
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/22 تشرين الأول/2026
حين تفقد إنسانًا عزيزًا، وتلجأ إلى أرشيفك المغلق منذ سنين بحثًا عن ذكرياتك معه، تكتشف أنّك لا تبحث عن صوره بقدر ما تبحث عن أجزاء من حياتك كانت له فيها حصّة.
صالح ارتيمه، أبو عبدالرحمن، صديقي الغالي، والساهر من دون انقطاع على مصالحي المهنيّة، والذي، في الوقت نفسه، أعلى علاقتنا العائليّة فوق كلّ مصلحة. كان بيته في عمّان بيتنا، وبيتنا في بيروت بيته.
يوم كنّا نرمّم بيتنا تحضيرًا للعيش فيه، كان يصرّ على متابعة الورشة، ولا سيّما الجناح المخصّص للضيوف. كان يقول لي ممازحًا: “هذه غرفتنا أنا وأم عبدالرحمن، لا يسكنها أحد قبلنا. وأنت يا “أبو دْجَاك”،” كما كان يلفظ كنيتي بلكنته الأردنيّة المحبّبة، “لا تستطيع أن تُسكِن أحدًا في غرفتنا إلّا بتصريح منّا”.
وبالفعل، لم يمرّ أسبوع على انتقالنا إلى منزلنا الجديد، حتّى حضر هو وأم عبدالرحمن لزيارتنا، ولتخشين غرفتهما في “دار يوسف”، كما يسمّونها بالأردني.
البحث عن أبي عبدالرحمن في أرشيفي استغرق منّي ثلاثة أيّام كاملة. فهو حاضر في ذكرياتي منذ ثلاثة عقود؛ في النجاح كما في الفشل، وفي الربح كما في الخسارة، وفي الازدهار ورفاه العيش كما في الليالي التي كنّا ننام فيها من دون عشاء، وعائلتي مجهول مصيرها في اليوم التالي.
الذكريات المؤرشفة مرآةٌ لتجاربك ونموّ شخصيّتك؛ تستعيد من خلالها وجوهًا نسيت أنّها عملت معك يومًا، وأخرى لم تنتبه أصلًا إلى أنّها مرّت في حياتك، على عكس الطيّبين مثل أبي عبدالرحمن، الذين حتّى الخسارة معهم ربحٌ لك.
التقيته أوّل مرّة عام 1998 في مهرجان الإذاعة والتلفزيون بتونس. كنتُ حينها طريّ العود في عالم الإنتاج التلفزيوني، ومشاركًا في مسابقة الأعمال الدراميّة بأحد مسلسلاتي، “السرّ”.
أمّا هو، فكان يومها يترأّس الوفد الأردني إلى المهرجان، ويشغل منصب رئيس لجنة تحكيم الأعمال الدراميّة. كان يختلط بالمشاركين ساعة واحدة في اليوم، إذ كان منهمكًا في أعمال التحكيم. أمّا المنتجون فكانوا ينتظرونه سعيًا لبيع برامجهم ومسلسلاتهم للتلفزيون الأردني، الذي كان يشغل فيه منصب مدير البرامج.
وبالرغم من حاجتي إلى توزيع أعمالي في الأردن، تهيّبتُ التواصل معه لكثرة ما كان يُحكى حولي عن شخصيّته الصارمة، إلى أن بدأت تتسرّب معلومات من داخل لجان التحكيم، ومن بينها أنّ مسلسلي “السرّ” سوف ينال الجائزة الذهبيّة عن فئة الدراما. وبالفعل، تبلّغت من منظّمي المهرجان أن أستعدّ لتسلّم جائزتي في حفل الختام.
لكن فجأة… تغيّر كلّ شيء!
لم يعد مسلسل “السرّ” على قائمة الأعمال الفائزة، فاعترضت. أثرت بلبلة داخل المهرجان، وأصررت على معرفة ما حصل، مهدّدًا بعقد مؤتمر صحافي وفضح التلاعب، إلى أن جاءني اتصال من صالح ارتيمه يطلب منّي لقاءه في لوبي الفندق بعد العشاء. خلال اللقاء، قال لي بصوته المنخفض الذي تحتاج إلى جهد لتسمعه:
“اسمع من “خوك” صالح، ضجيجك أربك الجميع، لكن إذا توصّلت إلى معرفة ماذا حصل، فستُحرَج!”
قلت له: “أقبل السكوت شرط أن تُعلنوا انسحابي من المسابقة قبل إصدار النتائج في حفل الختام”.
وافق على عرضي، وكان آخر كلامه: “صدّقني لن تندم، ولا مصلحة لك في أن تستهلّ دخولك إلى عالم الإنتاج العربي بمعاداة الآخرين”.
ذلك اللقاء الأوّل بيننا كان الصدفة التي هي خيرٌ من أيّ ميعاد.
باكورة تعاوننا المهني بدأت مباشرةً بعد مهرجان تونس، فخطّطنا معًا لإرساء بروتوكول تعاون بين التلفزيون الأردني الرسمي وتلفزيون لبنان، يحصل بموجبه كلّ طرف، مجّانًا، على المسلسلات الدراميّة التي يملك الطرف الآخر حقوقها.
لكن، بعد بدء تطبيق البروتوكول، ومن دون أيّ سابق انذار، انسحب تلفزيون لبنان من الاتّفاق بضغط من الاحتلال الأمني اللبناني–السوري الذي كان قائمًا آنذاك، والذي كان ممتعضًا من التعاون الذي أسّسنا له، رغم أنّه كان بالكامل لمصلحة لبنان، الذي كان تلفزيونه الرسمي يعاني أزمات ماليّة خانقة تتسبّب بتراجعه.
توطّدت علاقتنا المهنيّة والعائليّة. رافقني أبو عبدالرحمن في معظم إنتاجاتي، مراقبًا ومشرفًا على المضمون. عملنا معًا في مصر والأردن ولبنان والسعوديّة، وترافقنا كعائلة إلى البحر الميّت والبتراء ووادي رام والعقبة والزرقاء، وإلى بيت الدين وطرابلس والأرز وعيون أرغش والغابات التي كان يعشق طبيعتها.
ولا أنسى سعادته ونبرة صوته يوم وقف بقامته العربيّة السمراء، معلنًا فوزي بالجائزة الذهبيّة عن برنامجي “عيش صحاري” في مهرجان الإعلام العربي الأوّل – الأردن 2011.
كان يفرح لنجاحي كما لو أنّ النجاح نجاحه، ويقلق لخسارتي كما لو أنّ الخسارة خسارته… “اصبر” يا بو دْجاك… “فإنّ مع العسر يسرًا”… عبارتان مستوحاتان من القرآن الكريم لطالما ردّدهما على مسمعي في المحن، ولطالما أراحتني نبرة إيمانه بهما، ذلك الإيمان الذي “يزيح الجبال”.
على أنّ أمرًا واحدًا ظلّ بيننا ولم يرضَ أبو عبدالرحمن أن يبوح لي بأسراره: ما الذي حصل فعلًا في تونس عام 1998، وأدّى إلى حرماني الجائزة الذهبيّة؟! مرّت السنوات، إلى أن عرفت الحقيقة من أكثر من محكّم كانوا حينذاك شهودًا إلى جانب أبي عبدالرحمن. فتبيّن أنّ المحكّم اللبناني وضع لي علامة صفر، فيما كانت علامات جميع المحكّمين العرب الآخرين أعلى من 90/100.
الصفر «اللبناني» أطاح بمسلسلي!
كان الخبر صاعقًا، خصوصًا أنّ المحكّم اللبناني حضر إلى تونس مبعوثًا من تلفزيون لبنان على نفقتي، وحتّى تلفزيون لبنان ما كان بمستطاعه المشاركة في المهرجان لولا الرعاية التي منحته إيّاها شركتي.
بعد عشرين سنة، سألت أبا عبدالرحمن: “هل كان هذا صحيحًا؟!”
أجابني بهدوئه المعتاد: “كان يكفي أن يضع لك المحكّم اللبناني 10/100، لتبقى متصدّرًا وتنال الذهبيّة أنت!”
لم أحقد للحظة على هذا المحكّم الذي منحني الصفر؛ فلولا صفره لما كنت التقيت هذا المؤمن الصالح، صالح ارتيمه، ولما كبرت عائلتانا من صفر، واستمرّت صداقتنا قرابة ثلاثين سنة؛
فقد خسرت يومها جائزة ذهبيّة، وربحت صديقًا أغلى من كلّ الجوائز.
قبل أسبوع من رحيله، وكانت حالته جيّدة، قال لي: “نِفسي أزور مكّة المكرّمة، وبعديها أجيكم لبنان، وتاخُدني أنام ليلة في الغابات، بدار أبو وجيه”، أي دار والد زوجتي.
كان لا يزال يخطّط لزيارته المقبلة، ولليلة في الغابات التي أحبَّها، وللعودة إلى غرفته في “دار يوسف”. لكنّها كانت أمنياته الأخيرة.
عشيّة وفاته، كان آخر اتصال بالفيديو بيننا. كان ابنه عبدالرحمن يحمل له الهاتف، وهو طريح الفراش، بين الصحوة والغيبوبة. قال لي بتقطّع:
“الله يرضى عليك يا أبو دجاك”…
ولم أعد أسمع صوته…
أم عبدالرحمن، سيّدة يسرى،
غرفة الضيوف في “دار يوسف” ستبقى باسم صالح ارتيمه، وجاهزة لاستقبالك. وسنظلّ ننتظر، ككلّ سنة، الزيت والزيتون من مزرعتكم، ولا تنسي جبنة الغنم البيضاء التي كنت تخصّصيننا بها كلّ عام. هي أمور ماديّة بسيطة، لكنّ رمزيّتها كبيرة، لأنّ أبا عبدالرحمن كان يصرّ عليها.
فلا تغيّري العادات بيننا، وأنا واثق من أنّ أحدًا في عائلتكم لن يغيّرها.

Share