خمس وثائق… وتسقط أكذوبة الأطماع الإسرائيلية.
المخرج والكاتب يوسف الخوري/01 تموز/2026
ما الذي يدفعني إلى كتابة هذا المقال؟
ببساطة، لأنّ إسرائيل تؤكّد مرّة جديدة استعدادها للانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية ضمن ترتيبات أمنية واضحة، فيما لا يزال في لبنان من يصرخ بأنّ “لإسرائيل أطماعًا بلبنان”، وأن أيّ اتّفاق معها هو خيانة وطنيّة.
ولأنّ رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، يتطلّع بحماس إلى توقيع السلام مع لبنان، بينما الوفد العسكري اللبناني إلى محادثات واشنطن الأخيرة يرفض التقاط صورة تذكارية مع مفاوضيه الإسرائيليين، وكأن الصورة هي الخطر الأكبر على سيادة لبنان، أو هي التي تسبّبت بحفر آلاف الكيلومترات من خنادق الخراب في الجنوب، فحوّلت قرانا الحدوديّة إلى منصّات لحروب إيران، حتّى انتهى الأمر بجنوب لبنان أرضًا مكتسحة، أهله مشتّتون، ودولته غائبة.
قد يبرّر البعض هكذا موقف بالزعم بأنّ نوايا إسرائيل غير سويّة، وأنّ لها أطماعًا في لبنان لن تتخلّى عنها!! أمّا والحال كذلك، فما الفائدة أصلًا من الذهاب إلى مفاوضتها!؟ ولماذا دولتنا، بمَن فيها ومَن خلفها، وحتى اليوم، لم تُثبت لنا بالوثائق والوقائع هذه الأطماع، بل بتزوير القوانين والترهيب والنهي والاعتقال!!؟
لنترك، ولعشر دقائق لا أكثر، الشعارات والأحكام بالنوايا جانبًا، ولنتحرَّى عن أطماع إسرائيل بالوقائع في المائة عام الأخيرة.
اتّفاق بوليه – نيوكومب:
عام 1923، رُسّمت الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين الانتدابيّة بموجب هذا الاتّفاق. وبعد قيام دولة إسرائيل، جاءت اتفاقية الهدنة بينها وبين لبنان، عام 1949، لتؤكّد في مادتها الخامسة:
“خط ترسيم الهدنة يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين.”
لم تطلب إسرائيل تعديل الحدود، ولم تضف إليها شبرًا واحدًا عمّا تحدّد في اتّفاق بوليه – نيوكومب.
ثم نصل إلى مرحلة قلّما يجرؤ أحد على ذكرها؛
موقف الوكالة اليهوديّة وحكومات إسرائيل الأولى:
بين عامي 1935 و1946، عندما كان حاييم وايزمان يرأس الوكالة اليهودية، عُرض عليه، أكثر من مرّة، من قبل شخصيات لبنانية رافضة للبنان الكبير وتريد لبنان ذي أكثريّة مسيحيّة، ضمّ جبل عامل وصيدا إلى الدولة اليهودية المزمع إنشاؤها. لكن وايزمان في النهاية رفض، ونُقل عنه قوله لأحد الموفدين اللبنانيين: “لقد علّمني جدّي ألّا أقبل أيّ هديّة ملفوفة.”
صحيح أنّ دافيد بن غوريون عاد لاحقًا ليفكّر في ضمّ جنوب لبنان وتهجير قراه الشيعيّة، حتى نهر الليطاني، ضمن مشروع إقليمي أوسع لتغيير خريطة سايكس – بيكو، لكن تلك الرؤية بقيت مشروعًا سياسيًا لم يتحوّل إلى سياسة دولة ملزمة، حتّى أبلغ بن غوريون الرئيس الفرنسي شارل ديغول، بعد حرب 1967، بأنّه أسقط مشروعه نهائيًّا.
ثمّ تتالى الوقائع.
القرار 425:
في عام 1969، انهارت عمليًا اتفاقيّة الهدنة بعد تحويل جنوب لبنان إلى قاعدة للعمل الفدائي الفلسطيني. ومع ذلك، لم تتجاوز إسرائيل حدودها الدوليّة مع لبنان حتى عام 1978، عندما اجتاحت الجنوب عقب عملية فدائيّة جنوب حيفا، أودت بـ39 مدنيًّا إسرائيليًّا.
صدر القرار 425، القاضي بانسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب مقابل أن يضبط الجيش اللبناني واليونيفيل التجاوزات ضدّ إسرائيل من لبنان، وقد نصّ بوضوح:
“الاحترام الصارم لوحدة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دوليًا.”
أي أنّ المجتمع الدولي، وإسرائيل عمليًا، عادا مرّةً جديدة إلى الحدود المرسّمة عام 1923.
اتّفاق 17 أيّار:
ثم جاء اجتياح العام 1982، وانتهى إلى اتّفاق 17 أيّار.
سواء أحبّه البعض أم كرهوه، فإنّ الاتّفاق تضمّن نصًا لا يمكن محوه من التاريخ، إذ جاء فيه:
“يتفق الطرفان ويتعهدان باحترام سيادة كل منهما واستقلاله السياسي ووحدة أراضيه، ويعتبران الحدود الدولية القائمة بين إسرائيل ولبنان حدودًا لا يجوز انتهاكها.”
هذه ليست رواية سياسية، بل وثيقة.
الكنيست الإسرائيلي صادق عليها، ومجلس النواب اللبناني أقرّها. لكن الرئيس أمين الجميل امتنع عن توقيعها تحت ضغط سوريا البعث وحلفائها اللبنانيين، فسقط الاتّفاق، وضاعت معه فرصة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لسبعة عشر سنةً إضافيّة. وعندما انسحبت إسرائيل أحاديًّا عام 2000، لم تُسلَّم المنطقة إلى جيش لبناني قوي يبسط سلطة الدولة، بل تُرك الجنوب عمليًا في عهدة حزب الله.
الملفت هنا أنّ انسحاب إسرائيل عام 2000 جاء بناءً على القرار 425 الذي يُلزمها احترام الحدود مع لبنان.
القرار 1701:
جاءت حرب إسرائيل مع حزب الله في تموز 2006، وصدر القرار 1701، الذي أعاد التأكيد على احترام الخط الأزرق بين لبنان وإسرائيل، وعلى حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية جنوب الليطاني.
مرّة أخرى، لم يطالب أحد بتعديل حدود لبنان. ومرّة أخرى، كان المطلوب أن تقوم الدولة اللبنانية بواجبها.
لكنّ الدولة لم تفعل.
تركت حزب الله يحتكر قرار الحرب والسلم، حتى عدنا اليوم، بعد عشرين عامًا، إلى الاحتلال، والدمار، والنزوح، والقرى المهدمة.
ومع ذلك، لا يزال البعض يردّد الأسطوانة نفسها: “إسرائيل تريد جنوب لبنان.”
أين الدليل؟
أين الوثيقة؟
أين الوقائع التي تُثبت نيّة إسرائيل ضمَّ جزءٍ من لبنان؟ وأين القرار الدولي الذي اعترضت فيه على الحدود اللبنانية؟
الجواب المعتاد هو الصراخ: “لها أطماع… شو بيفهمّك إنت.”
هذا ليس نقاشًا سياسيًا، بل هروبًا نحو الباطل.
لقد شوّه حزب الله، واليسار اللبناني، وكل من عاش على تجارة الشعارات، الوعي اللبناني لعقود. حوّلوا كل من يطلب وثيقة إلى عميل. وكل من يطلب دليلًا إلى خائن. وكل من يقرأ التاريخ إلى متآمر.
لكنّ الوثائق لا تصرخ. الوثائق لا تهتف. الوثائق لا تشتُم. الوثائق تبقى.
أمّا الشعارات فتسقط عند أول امتحان.
لقد دمّر هؤلاء لبنان بثلاث أكاذيب كبرى؛
الأولى، كذبة “تحرير فلسطين” و”رمي إسرائيل في البحر”، بينما لم تكن هناك يومًا دولة فلسطينية قائمة ليُصار إلى “تحريرها” بالمعنى السياسي الذي رُوّج له.
والثانية، كذبة أنّ إسرائيل طامعة بأرضنا ومياهنا، فيما تُظهر الاتّفاقات والقرارات الدوليّة المتعاقبة أنّ المرجعيّة القانونيّة كانت دائمًا احترام الحدود الدوليّة والانسحاب خلفها، مهما اختلفت الحكومات الإسرائيلية في دوافعها وسياساتها.
والثالثة، كذبة أنّنا لا نستطيع العيش إلّا في أحضان “محيطنا العربي”، بينما لم يحصد لبنان من محيطه، في معظم محطاته المفصليّة، سوى بيانات الشجب، وبكاء التماسيح، وتصفيّة الحسابات على أرضه.
لا أكتب هذا دفاعًا عن إسرائيل، ولا تزكية لسياساتها، ولا افتراضًا لحسن نواياها.
أكتب لأنّ الأوطان لا تُبنى على الأكاذيب.
ومن يريد أن يقنع اللبنانيين بأنّ إسرائيل تطمع بلبنان، فليأتِ بوثيقة، لا بشعار. فليأتِ باتفاقية، لا بخطاب تعبوي. فليأتِ بدليل، لا بجملة من نوع: “عنزة ولو طارت.”
لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة لأنّهم صدّقوا الخرافات أكثر ممّا صدّقوا الوثائق. وربما آن الأوان، بعد نصف قرن من الخراب، أن نبدأ بقراءة التاريخ كما كُتب… لا كما أراد أصحاب السلاح أن يُروى.
(المقتطفات المُرفقة يعود تاريخها إلى آب 2024)
**لقراءة مقالات ومشاهدة مقابلات الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري المنشورة على موقعنا اضغط هنا
**To read articles and watch interviews by writer and director Youssef Y. El Khoury published on this website, click here.

















