web analytics
Home Youssef El Khoury Page/صفحة المخرج يوسف ي. الخوري المخرج والكاتب يوسف ي. الخوري/أيّ سلام هذا… والدولة لا تحكم؟

المخرج والكاتب يوسف ي. الخوري/أيّ سلام هذا… والدولة لا تحكم؟

2

أيّ سلام هذا… والدولة لا تحكم؟
المخرج والكاتب يوسف ي. الخوري/11 أيار/2026

يذهب لبنان الرسمي اليوم إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل تحت النار. لكنّ المفارقة التي تكاد تثير السخرية السوداء، أنّ إسرائيل لا تحارب الجيش اللبناني، بل تحارب حزب الله الذي يسيطر على القرار اللبناني ويحتكر السلاح والحدود والحرب والسلم. الأدهى أنّ الولايات المتحدة، “الوسيط” المفترض، وإسرائيل، تصرّان على التفاوض مع الدولة اللبنانية لا مع حزب الله، رغم أنّ الجميع يعلم أنّ الحزب هو صاحب القرار الفعلي في الحرب. والأكثر وضوحًا أنّ واشنطن وتل أبيب لا تريدان مجرّد وقف إطلاق نار، بل تفاوضًا يقود إلى نزع سلاح حزب الله، ثم إلى ترتيبات أوسع قد تصل إلى معاهدة سلام شاملة.
في المقابل، تريد الدولة اللبنانية التفاوض على وقف للنار و”ترتيبات أمنيّة” فقط، بينما الحزب الذي يمسك برقبتها لا يعترف أصلًا بالمفاوضات المباشرة، ولا يُبدي أي نيّة لتسليم سلاحه، ولا حتى للاعتراف بأنّ الدولة صاحبة القرار النهائي.
هنا يصبح السؤال أكثر فظاعة من الحرب نفسها: ما جدوى مفاوضة دولة عاجزة أصلًا عن تنفيذ أي التزام توقّعه؟
لقد وقّع لبنان على القرار 1701، ووقّع على تفاهم وقف إطلاق النار عام 2024، وفشل في تطبيق أيّ منهما! لم يستطع نزع سلاح حزب الله. لم يستطع ضبطه. لم يستطع حتى فصل مساره عن إيران، التي تتعامل مع لبنان كمنصّة أمامية لمشروعها الإقليمي.
أميركا وإسرائيل تعرفان تمامًا مأزق لبنان الرسمي … فلماذا تصرّان على التفاوض معه!!؟ فلبنان، بهذا الشكل، يتحوّل إلى غطاء سياسي للحزب المتقهقر. أي أنّ الدولة، بدل أن تفصل نفسها عنه، تصبح ممثّله غير المعلن على الطاولة.
وبدل أن تستعيد سيادتها، تتحوّل إلى جهاز إنقاذ لمشروع ينهار عسكريًا واستراتيجيًا.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقيّة.
فإذا أنقذت الدولة اللبنانية حزب الله من هذه الحرب، سيعود إلى الداخل أقوى ممّا كان. سيعيد إنتاج أسطورتي “التحرير” عام 2000، و “النصر الإلهي” عام 2006، رغم الخراب والدمار والعزلة والانهيار. وسيعود ليفرض على اللبنانيين المعادلة نفسها:
السلاح فوق الدولة، والحزب فوق الشعب، وإيران فوق لبنان.
وعندها، لن يكون الجنوب وحده هو الذي ضاع… بل الكيان اللبناني برمّته.
الأخطر؛ الدولة وجيشها يبدوان اليوم وكأنّهما يشاركان في أكبر عمليّة خداع سياسي.
فالجيش أوحى للعالم بأنّ جنوب الليطاني أصبح منزوع السلاح، بينما الحرب الجارية اليوم، عشية المفاوضات، تثبت العكس تمامًا. ناهيك عن أنّ إسرائيل تدمّر الجنوب بلا مقاومة تُذكر، والدولة اللبنانية لا تتقدّم حتى بشكوى جدّية إلى مجلس الأمن.
وكأنّ المطلوب فقط حماية “السلامة السياسية” للمنظومة الحاكمة بذراع حزب الله، ولو احترق ما تبقّى من لبنان.
فهل أصبحت الدولة خادمًا لدى دويلة حزب الله؟
وهل صار همّها الوحيد ألّا يغضب الحزب، ولو سقط الجنوب والناس والسيادة؟
ثم يعود العرب من سُباتهم العميق والطويل.
لا حبًّا بلبنان، بل لإلحاقه مجددًا بمحاورهم وتسوياتهم ومصالحهم. وكأنّ لبنان لم يختنق أصلًا من فائض الوصايات.
يريدون لبنان تابعًا للمحور العربي بدل المحور الفارسي، وكأنّ السيادة تُقاس بجنسية الوصيّ لا بحريّة الوطن.
فما فضل عربي على أعجمي إذا كان الاثنان يريدان لبنان ساحة لا دولة؟
لبنان لا يحتاج إلى استبدال وصاية بأخرى، ولا إلى نقل تبعيته من طهران إلى عاصمة عربية أخرى.
لبنان يحتاج، منذ عقود، إلى دولة تتكلّم باسم اللبنانيين لا باسم الميليشيات والمحاور.
الدولة اللبنانية لا يجب أن تذهب مذلولة إلى المفاوضات، ولا أن تذهب ناطقة باسم حزب الله، ولا متسوّلة حماية من العرب أو الفرس أو الأميركيين.
عليها أن تذهب سيّدة، حرّة، مستقلة… أو ألّا تذهب أصلًا، وليبقَ كلّ شيء في مكانه، وليُكتب على معابر (الجسور) نهر الليطاني:
هنا سقط وطنٌ لأنّ دولته خافت أن تواجه الحقيقة وتلعب دورها.

Share