سناء الجاك: البذيء الملعون/عقل العويط: هستيريا القضايا التافهة

85

هستيريا “القضايا” التافهة
عقل العويط/النهار/20 أيار 2019

البذيء الملعون
سناء الجاك/النهار/20 أيار 2019
جريمة بشارة الاسمر انه بذيء. بذاءته صنِّفت خطراً على السلم الأهلي ومساً بـ”المقدسات”، مع ان ما قاله يشكل نقطة في بحر بذاءة الكثيرين ممن لا همّ لهم الا السيطرة على مرافق الدولة وتسخيرها لغاياتهم وأغراضهم الدنيئة.
قبل واقعة البذاءة، لم يكن الأسمر يشكل أيّ خطرٍ على هذا “السلم الأهلي”، ولم يكن مهماً سكوته وتواطؤه لجهة انتهاك حقوق عمال لبنان التي بدأت مع دخول الوصاية السورية على خط الاتحاد العمالي العام لتغتاله، عبر وزراء عمل محسوبين عليها، بالانقسامات الطائفية وتفريخ اتحادات مذهبية وإلحاق النقابات بالزعامات الطائفية، وتهديد العمال بحرمانهم من لقمة عيشهم إن هم طالبوا بحقوقهم. كذلك لم يكن مهماً تحركه وفق أجندات غايتها الضغط السياسي لمرجعيته على خصومه.
فجريمة الأسمر البذيء استوجبت إحياء محاكم التفتيش على مستوى المسؤولين الباحثين عن المزايدة، فقط المزايدة، في قضية جاءتهم على طبق من ذهب. فها هو وزير الاقتصاد منصور بطيش يلبّي طلب رئيس تيّاره السياسي ويغرد على حسابه التويتري، قائلا: “بعد سقطته الأخلاقية المستهجنة وتوقيف القضاء له، ستفسخ وزارة الإقتصاد والتجارة عقد العمل مع بشارة الأسمر في إهراءات بيروت”.
بالطبع، نحن لا نعرف سبب حصول الرجل على ‏‏18 مليون ليرة شهريا من دون أن يحضر إلى عمله في الاهراءات. ولا نعرف لماذا تم تجديد عقده ولم يفتح ملفّه قبل تسريب بذاءته. لكننا نعرف ان الاتحاد العمالي العام مفخّخ بنقابات صوَرية ولا قدرة له على العمل. ونعرف انه في عهد سلفه غسان غصن وضع الاتحاد دعوته الى الاضراب في 7 أيار 2008 مطالباً برفع الحد الأدنى للأجور ليشكل في حينه الغطاء لاحتلال “حزب الله” بيروت ونسف السلم الأهلي من أساسه.
وها هو وزير العمل كميل ابو سليمان يعتبر أن ما قاله الأسمر غير مقبول بتاتا، فتطاوُلُه على البطريرك مار نصرالله بطرس صفير يستوجب اجراءات لدفعه إلى تقديم استقالته من الاتحاد، مع انه، وقبل أسبوعين من زلة البذاءة الموصوفة والمألوفة في كثير من تسريبات المجالس الخاصة للسياسيين، كان أبو سليمان قد صرح بأنه لا يحبذ التعليق على التجاذب السياسي لتحرك النقابات والعمال في الشارع اللبناني على إيقاع دراسة الموازنة. ويشيد بالتجاوب والموقف الجيد لرئيس الاتحاد، “الذي ساهم بحل أزمات عدة تعرض لها عمّال في بعض القطاعات”.
لم يكن مساً بـ”المقدسات” قبل موجة “يا غيرة الدين والوطنية”، ان الاتحاد العمالي العام الذي كان يضم 22 اتحاداً و225 نقابة، وأصبح يضم 62 اتحاداً و625 نقابة، لم تتغير أحواله بعد خروج الوصاية السورية، ومصادرة أحزاب السلطة للحركة النقابية وتحريكها لغايات سياسية. فلقمة عيش المواطن ليست على جدول “المقدسات” في دفتر حسابات السياسيين الذين يرمون كل خلافاتهم وانقساماتهم عندما يتوحدون عند كل استحقاق انتخابي للنقابات ليسيطروا عليها.
وبالطبع، ليس مهماً ما قاله الأسمر في غفلة منه عن الكاميرات والميكروفونات، الا بقدر ما يمكن استثماره. وهل أفضل من عبارة “المقدسات” لتوظيف الاستثمار حيث يجب في حملة استوجبت إحياء “محاكم تفتيش” على القياس اللبناني لرمي البذيء باللعنة والعقاب.
قائد الحملة هو ذاته مَن لم يتورع عندما استوجبت مصالحه ان يبرر افلات الغرائز والبذاءة في بكركي في 5 تشرين الثاني 1989، ويطالب بعدم تضخيم ما حصل من اعتداء جسدي موصوف وواضح.
ان توجيه التهمة الى الأسمر بالاعتداء على اللبنانيين قمة السخرية. فالبذاءة المقرفة التي يتم استثمارها، لا تقارَن بسرقة المال العام واستغلال السلطة النفوذ والتنكيل بشرعية الدولة وشرعنة السلاح خارجها وتعطيل البلاد سنوات، لفرض الاجندة المطلوبة، ومكبات النفايات والمقالع والكسارات والعبث بأمان المواطن وصحته مستقبله.
الإسفاف الكلامي في حق الكاردينال البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، ليس مبرراً لإنشاء محاكم تفتيش للاقتصاص من أي موقف او تصرف يزعج الديكتاتورية الفالتة لإرساء معادلة “الأمر لي” او لا شيء يمشي في موازنة وتعينات ومشاريع، وهلم جراً.
أبعد من هذه المعادلة هو غباء اطراف يتم تحجيمهم واستهدافهم. مع هذا، يسارعون الى المزايدة في المواقف، خوفاً من غيابهم عن الصورة التي يقطف ثمارها الغريم الجشع.
فالمحاولات التي ترافقت مع الديكتاتورية الفالتة، تشير الى ان عقوبة الأسمر على بذاءته مرشّحة لتشمل كل من يقف في دربها، وتفلت على كل من لا يعجبها لون عينيه او مقاس حذائه.
تلك هي سياسة محاكم التفتيش التي يراد منها وبإسم “المقدسات” الحلول محل السلطة القضائية الطبيعية التي يجب عليها ان تستدعي وتحاسب كل من يشكل خطراً فعلياً على المال العام والشأن العام.

هستيريا “القضايا” التافهة
عقل العويط/النهار/20 أيار 2019
إذا كان لكلام تافهٍ، ساقطٍ، سافلٍ، وعديم التهذيب، في حقّ نصرالله بطرس، وهو بطريركٌ أنطاكيٌّ راحلٌ للتوّ، وشخصيّةٌ تاريخيةٌ محترمة، إنسانيًّا ووطنيًّا ودينيًّا، أن يُحدِث كلّ هذا الانفعال لدى “الرأي العام”، وأن يحرّك المراجع الدينيّة والمدنيّة، المجتمعيّة والسياسيّة والقضائية، وأن يفضي بقائله إلى العزل والحرم والتكفير، وربما إلى التوقيف والاعتقال والسجن، معًا وفي آنٍ واحد، فلا بدّ أن نكون قد انزلقنا إلى هاويةٍ معياريّةٍ لا خروج منها، وأنّنا بتنا في حالٍ عميمةٍ من الانحطاط والانهيار، ومن انعدام العقل والتعقّل والرؤية والرويّة والحكمة والقياس والتبصّر، على كلّ المستويات.
خلال الأيّام الثلاثة الفائتة، أظهرنا أنّنا نعيش في خللٍ اضطرابيّ مثيرٍ للهلع. لستُ عالِم نفس، لكنّ ظواهر الهستيريا الظلمويّة تتملّكنا، وتستولي على مداركنا وقدراتنا الاستبصاريّة، وتجعلنا نفقد كلّ معيارٍ نقديٍّ أو عقليّ، من شأنه أن ينيرنا لنضع الأمور في نصابها النسبيّ، الموضوعيّ والواقعيّ. فهل يُعقَل أن يكون المطاف قد آل بنا إلى هنا، أيّها الناس، ويا أيّها المسؤولون، في كلّ مجالٍ وموقعٍ ومكان؟ ترى، هل يُعقل أن تكون “القضيّة الأولى” التي شغلت “الرأي العام” والمسؤولين، كلّ المسؤولين تقريبًا، هي “قضيّة” القول الزقاقيّ الذي تفوّه به شخصٌ، وإن يكن هذا الشخص هو رئيس الاتحاد العماليّ العامّ؟
ترى، أيعقل أن لا تكون لدى أحد، خلال الأيّام الثلاثة الفائتة، “قضيّة” تشغل عقله واهتمامه أكثر من “قضيّة” المدعوّ بشارة الأسمر، أو أن لا يكون لدى أحدٍ معيارٌ “يشغّل” به عقله لقياس الفعل وردّ الفعل؟
قبول استقالة بشارة الأسمر وفقيه رئيساً بالنيابة
خلال الأيّام الثلاثة الفائتة، ظننتٌ لوهلةٍ أنّه لم يعد ثمّة جوعٌ في البلاد، ولا تلوّثٌ، ولا مرضٌ، ولا انتهاكٌ لسيادة الدولة، ولا قتلى على الطرق، ولا سرقات، ولا عمليّات نهب، ولا حروب موازنة، ولا اعتداء على حقوق المتقاعدين ومكتسباتهم، ولا مشاكل للأساتذة، ولا خطر انهيارٍ اقتصاديّ وماليّ، ولا مخاوف من حروبٍ مدمِّرة تتهدّد منطقتنا. هذا عينُ ما تريده السلطة لنا، أن نراه، وأن نتفاعل معه، متغافلين عن قضايانا وحقائقنا الموجعة. فليستقل الرجل من منصبه لأنه ليس أهلًا له على المستوى الأخلاقيّ، ولأنّه – واقعيًّا وعملانيًّا – ليس عاملًا ولا نقابيًّا، ولأنّه، على ما يُقال، قد يكون باع نفسه للطبقة السياسيّة. أمّا أن تتحرّك “الأجهزة” هذا التحرّك، وأن يُحتمَل الزجّ بالرجل في السجن، فهذا عملٌ ينتهك الحقّ الذي يُدافَع عنه. خلال الأيّام الثلاثة الفائتة، رحتُ أسأل نفسي مندهشًا ومذهولًا، كيف “تشتغل” وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف يُستَسلم لمعاييرها التحريضيّة، وكيف ينجرف الناس في الإثارة، وكيف ينفعلون، فتُثار العصبيّات، وتتحرّك السلطات، كلّ السلطات، والأجهزة الأمنيّة والقضائيّة، بسرعةٍ تكاد تفوق سرعة الصوت؟ وكيف يهبّ زعيمٌ ومسؤولٌ كبيرٌ وحبرٌ شبه أعظم ورأيٌ عام، دفعةً واحدةً، وفي رمشة عين، للتصدّي لهذه “القضيّة” الخطيرة التي تستحقّ عندي نظرة ازدراء فحسب. ربّما نظرة احتقار. والأرجح نظرة لامبالاة؟!
لا تنسوا أنّ نصرالله بطرس كان أُهين وشُتِم واعتُدي عليه جسديًّا ومعنويًّا في حياته، على أيدي مسؤولين وقادة وزعماء ووزراء ونوّاب وحزبيين وأوباش معروفين، وبالكاد تحرّك أحد. هذا يجب ألّا يعفينا من المقارنة بين التصرّفين. لا تنسوا خصوصًا أنّنا نتلهّى بهستيريا التفاهات، تحت إشراف السلطة التي تنتهك كل شيء، المقدّسات وسواها، في حين تُوارى قضايانا الأساسيّة مع غياب البطريرك الكبير!