نبيل يوسف: دائماً تبقى الأنظار على بكركي

19

دائماً تبقى الأنظار على بكركي
نبيل يوسف/موقع الصوت/14 كانون الثاني/19

أعلنت أمانة سر البطريركية المارونية أن غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي دعا الوزراء والنواب الموارنة الى لقاء يعقد في بكركي الأربعاء 16 كانون الثاني 2019 للبحث في “دور الموارنة بمواجهة الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة، وما بلغت اليه من تردٍ على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وما تقتضيه من مبادرات ومقاصد تنسجم وواجبهم في الحفاظ على دولة لبنان التي كانوا في أساس قيامها وقدموا المئات من الشهداء (رأيي الآلاف من الشهداء) في سبيل بقائها …”
مع تسجيل التأييد للاجتماع على أمل أن تصدر عنه مواقف تعيد تصويب الأمور في البلد، لا يسعني الا التذكير أنها ليست المرة الأولى التي تتحرك فيها بكركي عندما تشعر بخطر وجودي يتهدد الكيان اللبناني، والتاريخ الحديث لا سيما بعد دخول العامل الفلسطيني الى الساحة اللبنانية، يروي نماذج قد يكون من أبرزها:

1 – الاجنماع الذي عقد في 15 كانون الأول 1969 على أثر اقرار اتفاقية القاهرة، فلم يكن مر شهر عليها حتى كانت عادت التجاوزات الفلسطينية الى سابق عهدها لا بل ازدادت، والصحيح أن الاتفاق المذكور كان في نظر المنظمات الفلسطينية أداة لتكريس أمر واقع هو نفسه لا يقف عند حدود، وراحت تلك المنظمات تتحدى الدولة اللبنانية بمناسبة أو من دونها.

يومها شعرت البطريركية المارونية بحجم الأخطار المهددة للكيان اللبناني، وتحسباً لوصول البلاد إلى حافة الانفجار تحت ضغط اختلال التوازن الداخلي جراء هذا العامل الفلسطيني، والتجاذب الاقليمي في سياق تداعيات القضية الفلسطينية، دعا المثلث الرحمات البطريرك بولس المعوشي، قبل أيام من انعقاد مؤتمر القمة العربي في الرباط، قادة الأحزاب والوزراء الموارنة إلى لقاء تشاوري في بكركي، شارك فيه: الرئيس كميل شمعون رئيس حزب الوطنيين الأحرار، والشيخ بيار الجميل رئيس حزب الكتائب اللبنانية، والعميد ريمون إده عميد حزب الكتلة الوطنية اللبنانية، والشيخ خليل الخوري رئيس الحزب الدستوري، والمحامي شاكر أبو سليمان رئيس الرابطة المارونية، ووزير التصميم الشيخ موريس الجميل، ووزير الاقتصاد الأستاذ سليمان فرنجية. ورئيس جميعة الصناعيين الشيخ بطرس الخوري. خلص الاجتماع إلى رفع مذكرة باسم الحاضرين (لم يوقعها الشيخ بطرس الخوري باعتبار أن لا صفة سياسية له) إلى رئيس الجمهورية قبل توجهه إلى مؤتمر القمة العربي، وكلف المطران (البطريرك لاحقاً) نصر الله صفير نقلها إليه.
شرحت المذكرة واقع البلد جراء دخول العامل الفلسطيني اليه، واعتبرت أن لبنان اضطلع وما زال بمسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية بأمانة وإخلاص في شتى المجالات لا سيما في المجالين الدولي والعسكري، وشرحت ما قام به لبنان في المحافل الدولية من أجل القضية الفلسطينية، كما بينت الدور العسكري الذي أداه الجيش اللبناني من أجل القضية الفلسطينية، واعتبرت أن لبنان “لم يكن يوماً دولة عسكرية ولا حاول في ما مضى أن يجهز جيشاً لجباً لا طاقة له على نفقاته، وقد سلمت جميع الدول العربية بواقع لبنان واعترفت له بوضعه الخاص فاكتفت منه بما يقوم به من مبادرات دبلوماسية في عواصم العالم، لذلك نرى أن يتمسك بدوره التقليدي ويعمل المؤتمر على الاعتراف له بهذا الدور على أن يتعهد هو بالقيام بنشاط دبلوماسي شامل مركّز وفعّال”.
وأشارت المذكرة إلى أنه” اذا قرر العرب للبنان غير هذا الدور والمشاركة في المجهود الحربي، فان هذا الأمر يتطلب اعتماد الطرق العقلية والوسائل العملية والمنطق السليم، بعيداً عن الانجراف في تيار العواطف الجامحة وفي منأى من التبجح الفارغ الذي جرّ علينا فيما مضى النكبات والويلات”. وفصّلت المذكرة واقع ما عاناه اللبنانيون في الفترة الواقعة ما بين 23 نيسان و4 تشرين الثاني 1969، وما تخللها من اشتباكات وتظاهرات وحوادث وقتلى وخراب، وترك البلد من دون حكومة لأكثر من 7 أشهر، وفنّدت الدور السلبي الذي أدته الدول العربية ضد لبنان في شتى المجالات، ما أدى إلى توقيع اتفاقية القاهرة التي جاءت سريتها مثار جدل ومبعث حوار ومجال رفض لدى فئة كبرى من اللبنانيين.
وختمت إلى أن الوضع الذي عاشه البلد في الأشهر السابقة: ترك في نفس الشعب اللبناني أسوأ الأثر وأدخل في روعه أن بعض أشقائه العرب يتجاهلون وضعه الخاص ويعملون على قلب الحكم فيه ولو أدى ذلك إلى ضياع القضية الفلسطينية.

وفي ما خص احتمال أن يقرر العرب جعل لبنان دولة مواجهة، فهذا يتطلب سياسة عسكرية شاملة تشمل جميع العرب، ووسائل مادية لتجهيز قوة عسكرية ترتفع إلى مستوى القوات المقاتلة العصرية، تمكنه من الثبات في وجه العدو لئلا يجازف في خوض غمار حرب قد يستدرج إليها وتنتهي إلى غير مصلحته. ويروي المطران صفير أنه سلّم المذكرة إلى الرئيس شارل حلو، الذي أبدى موافقته على ما ورد فيها واقترح توزيعها على وسائل الاعلام، لكن رئيس الحكومة رشيد كرامي اقترح عدم نشرها معتبراً أن لا فائدة من النشر.

2 – الاجتماع الذي عقد في 4 آذار 1974، وكان شتاء ذلك العام شهد ما يمكن تسميته بانتفاضة مارونية على الغبن الذي لحق بحقوق الطائفة في الادارة، فعلى أثر صدور دفعة من التعيينات الادارية في الفئة الأولى التي أبدلت موظفين موارنة بآخرين من طوائف أخرى، عقد مجلس المطارنة الموارنة اجتماعاً أصدر على أثره بياناً شديد اللهجة، وأوفد البطريرك بولس المعوشي وفداً من المطارنة نقل إلى رئيس الجمهورية سليمان فرنجية اعتراض البطريركية على ما حصل، كما دعا القيادات المارونية إلى لقاء عقد في بكركي شارك فيه الرئيس كميل شمعون رئيس حزب الوطنيين الأحرار، الشيخ بيار الجميل رئيس حزب الكتائب اللبنانية، العميد ريمون اده عميد حزب الكتلة الوطنية اللبنانية، الشيخ ميشال الخوري رئيس حزب التكتل الدستوري، الدكتور اميل البيطار رئيس الحزب الديموقراطي، النائب طوني فرنجية رئيس كتلة نواب الوسط،، رئيس الرابطة المارونية شاكر أبو سليمان وعدد من الاختصاصين خلص الى وضع مذكرة تضمنت النقاط التالية:
1 – الاسراع في تعيين موظفي المراكز الشاغرة مع حفظ حق أبناء الطائفة المارونية.
2- مراعاة حقوق الموارنة في التشكيلات المقبلة.
3- هذا البند سمي “مصير لبنان”، وفيه السعي لاخراج الفدائيين من الجنوب، وجر مياه الليطاني كي لا تهدر في البحر ولقطع مجال مطالبة اسرائيل بها.
وشملت المذكرة جدول تفصيلي بالمراكز الهامة التي كان يشغلها موارنة وفقدوها، والمراكز الجديدة التي خصصت لهم، والتعينات المطلوبة لرفع الغبن الحاصل. وكلف المطران (البطريرك) نصر الله صفير تسليمها الى الرئيس سليمان فرنجية
في محاولة لامتصاص النقمة المارونية التقى الرئيس سليمان فرنجية وفداً يمثل القيادات المارونية وضم: النواب ادوار حنين وجورج سعاده ونديم نعيم ورئيس الرابطة المارونية شاكر أبو سليمان للتباحث في أفضل السبل للخروج من هذه الأزمة، وفي حصيلة المناقشات اتفق أن توقف القيادات المارونية تصعيدها الاعلامي على أن تقوم الحكومة بهدوء بمعالجة كل الخلل المشكو منه
بعد اللقاء صرح المحامي شاكر أبو سليمان باسم الوفد أنهم مع مبدأ إلغاء طائفية الوظيفة خصوصاً في الفئة الأولى ولكن على أن تطبق على الجميع، وهدف الجميع الوصول إلى العلمنة الشاملة

3 – في نيسان من العام 1975 اندلعت الحرب وطوال سنواتها شهد الصرح البطريركي في بكركي سلسلة طويلة من اللقاءات والاجتماعات المارونية والمسيحية واللبنانية، كان أولها الاجتماع الذي حصل في 22 أيلول 1975 عشية الاعلان عن تشكيل هيئة الحوار الوطني وترأسه المثلث الرحمات البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش وشارك فيه عدد من المطارنة والرؤساء العامين والرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل والعميد ريمون اده والشيخ ميشال الخوري والنائب طوني فرنجية ورئيس الرابطة المارونية المحامي شاكر أبو سليمانـ وكانت المعارك تزنر المناطق المارونية.

شهد ذلك الاجتماع اختلافاً في وجهات النظر بين العميد ريمون اده وباقي المشاركين. وفي نهايته صدر بيان طالب بوقف القتال وحقن الدماء وتأكيد الايمان الراسخ بالصيغة اللبنانية والاصرار على رفض أي مساومة على الحد من السيادة الوطنية، وأبقوا اجتماعاتهم مفتوحة.
اليوم تعود بكركي لتكمل هذه المسيرة فهل ستتمكن من تحقيق ما تصبو ونصبو اليه؟