نقولا ناصيف: البيان الرئاسي: تكريس عُرف وأولى إشارات أيلول

44

البيان الرئاسي: تكريس عُرف وأولى إشارات أيلول
نقولا ناصيف/الأخبار/08 أيلول/18

قد يُعدّ بيان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون (3 أيلول)، مسجلاً «ملاحظات» على المسودة الحكومية الأولى للرئيس المكلف سعد الحريري «استناداً إلى الأسس والمعايير التي كان حددها لشكل الحكومة التي تقتضيها مصلحة لبنان» سابقة في العلاقة الدستورية بين الرئاستين الأولى والثالثة. لكنه جرس إنذار.

حدث قبل اتفاق الطائف أن اختلف رئيس الجمهورية والرئيس المكلف على مسودة حكومية، كان ينتهي الأمر بالرئيس المكلف إلى إعادة النظر فيها أو الاعتذار عن عدم تأليف الحكومة.

لم تكن ثمة استشارات نيابية ملزمة آنذاك، والكلمة الفصل لرئيس الجمهورية.
بعد اتفاق الطائف حدث أيضاً، أكثر من مرة، أن اعتذر الرئيس المكلف عن عدم تأليف الحكومة بسبب عراقيل صدفها، كالرئيس رفيق الحريري عامي 1998 و2004 والرئيس عمر كرامي عام 2004، والرئيس سعد الحريري عام 2009.
في المرات تلك كان تذليل المشكلة، بالاعتذار أو الاتفاق على إعادة التكليف، يجري بإرادة الرئيسين.
كان لما حدث الاثنين الفائت (3 أيلول) وقع الصدمة على الرئيس المكلف.

عندما تقدّم بمسودته من الرئيس ميشال عون، تصرّف على أنه أنجز مهمته في نطاق الصلاحيات الدستورية المقصورة عليه، وعلى رئيس الجمهورية الموافقة عليها أو رفضها.

أتى البيان الرئاسي للتو بعد مغادرة الحريري، كي يقول إنه لا يقبل بها لكنه لا يرفضها، وذكر أنه أبقى باب التشاور بين الرجلين مفتوحاً.
عوض أن يُلقى وزر تعذّر التأليف على قصر بعبدا جراء رفض المسودة كما توخت السرايا، جاء الجواب أن المسودة ليست ما اتفق عليه الرئيسان منذ اليوم الأول للتكليف: حكومة وحدة وطنية تأخذ في الاعتبار نتائج الانتخابات النيابية، ولا تتيح لأحد احتكار تمثيل طائفته، ولا يحوز أحد حصة لا يستحقها.
للبيان الرئاسي أهمية مزدوجة:
أولاهما، أنه الأول الذي يبدي فيه رئيس الجمهورية علناً وجهة نظره من مسودة حكومية يتحفظ عنها. لا يتوجه به إلى الرئيس المكلف الذي من المفترض أنه اطلع إبان لقائهما على الملاحظات، بل إلى الرأي العام يخطره بأن المسودة ليست جدّية تماماً.

ثانيهما، افتتاح عرف جديد في تعاطي الرئيس عون مع مسودة حكومية، يقضي بإبداء رأيه علناً تفادياً لسوء تفسير تحفظه، وامتناعه عن توقيع ما تقدّم به الرئيس المكلف. شأن ما فعل الحريري إذ انجزها طبقاً لصلاحياته الدستورية، اعترض عليها عون أيضاً طبقاً لصلاحياته الدستورية القاضية بموافقته على ما يمهره بتوقيعه.

كلاهما لم يعتدِ على صلاحيات الآخر، لكنهما سلّما بنطاق اختصاص كل منهما، كما نصّ الدستور، في مقاربة تأليف الحكومة وحدوده.
ليس سرّاً أن أكثر من وجهة نظر استبقت صدور بيان 3 أيلول:
أولى، قالت بعدم الحاجة إليه، ما دام رئيس الجمهورية أحاط الرئيس المكلف علماً بملاحظاته، وتفادياً لإحراج هذا أمام طائفته والتسبب في استنفارها من ثم.
ثانية، قالت بصدوره تبعاً للصيغة المعلنة بغية تأكيد الحد الفاصل بين صلاحيات الأول وصلاحيات الثاني، وإزالة بعض الاجتهاد والتباس شائع بين حين وآخر مفاده أن الرئيس المكلف هو مَن يؤلف الحكومة وهذا حق له، وأن رئيس الجمهورية هو مَن يوقّع المرسوم وهو حق له أيضاً، لكنه ليس ملزماً وغير مقيّد.
تالياً، لأنه يوقع المرسوم ويطلب إصداره بعد أن ينضم الرئيس المكلف إلى التوقيع، فإن واجب التوقيع يقيم في موافقة رئيس الجمهورية على الصيغة النهائية للحكومة التي ترضيه، ويرئس مجلس وزرائها عندما يرتئي.
في حصيلة مناقشات لم تطل داخل أروقة قصر بعبدا، أمر رئيس الجمهورية بإصدار البيان.
ردّ الفعل الفوري للبيان الرئاسي استعجال القيادات السنّية، منها الرؤساء السابقون للحكومة، الحماسة في الدفاع عن الصلاحيات الدستورية للرئيس المكلف، كما لو أنه افتأت على الطائفة نفسها.

مع أن للرؤساء السابقين الثلاثة نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام باعاً طويلاً في مشكلات مطابقة لمأزق الحريري: عبروا بمسودات شتى لحكوماتهم كانت تصطدم بتحفظ رئيس الجمهورية طوراً وبالكتل الرئيسية طوراً.

للثلاثة أيضاً، أقل من الحريري وأكثر منه، باع طويل في مدد التأليف (السنيورة 44 يوماً وميقاتي 139 يوماً وسلام عشرة أشهر و9 أيام).
استعيدت المشاعر المذهبية وقيل إن اتفاق الطائف أضحى في خطر، في وقت لم يعنِ البيان الرئاسي إلا الموقف نفسه الذي سمعه الحريري من عون عن أسباب عدم موافقته على مسودته، في الحصص الثلاث المخصصة لرئيس الحكومة وتياره والنائب السابق وليد جنبلاط وحزب القوات اللبنانية.
في جانب من الجدل الذي رافق التحضير للبيان الرئاسي، التوقف عند العبارة التي تضمنها «الأسس والمعايير التي كان حدّدها (رئيس الجمهورية) لشكل الحكومة والتي تقتضيها مصلحة لبنان».

قيل نهارذاك إنها قد تتسبّب في التباس ينجم عن سوء فهم أو افتعال سوء الفهم لإغراق الأزمة الحكومية في مآزق إضافية.
كان الجواب الذي دار في أروقة قصر بعبدا أنها المعايير نفسها التي اتفق عليها الرئيسان في اليوم الأول للتكليف، وتفاهما على احترامها والتزامها.
لأن لا حكومة تبصر النور من دون توقيعهما معاً، تصبح الموافقة المتلازمة والمتكافئة للرئيسين واجبة لتوقيع المرسوم. بذلك عنت العبارة ـــــ كما لو أن المعايير وضعها رئيس الجمهورية وفرضها على الرئيس المكلف ــــ الإشارات الآتية:
1 ـ استعجال عون تأليف الحكومة يقتضي أن لا يُفهم استعداده توقيع مسودة كيفما كان.
تقدّم الحريري بمسودة يعرف سلفاً أن عون سيرفضها
2 ـ انطواء البيان ضمناً على تأكيد تحفظ عون عن عدم تقيّد الحريري بمهلة محدّدة للتأليف، والتصرّف كما لو أنها مفتوحة، وتحوّلها من صلاحية إلى سلطة يجبه بها الآخرين.
3 ـ جزمه بأن الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية تبدأ فور تسلمه المسودة، ولا تنتهي حينذاك. لم يكن البيان الرئاسي سوى واحدة من دلالات انطوى عليها موقفه («الأخبار» 21 آب) أنه لن ينتظر بعد الأول من أيلول. بالتأكيد لم يهوّل بسلاح لا يملكه، هو انتزاع التكليف من الحريري، في وقت يتمسك عون بمضي الرئيس الحالي للحكومة إلى جانبه إلى نهاية الولاية حتى. على أنه دق جرس الإنذار حيال صلاحياته الدستورية هو: الرئيس المكلف يعرف تمام المعرفة ما يوافق عليه رئيس الجمهورية ولا يتحفظ عنه، ما يقتضي عدم التقدّم بمسودة رفض عون أكثر من ثلثيها. لم يكتفِ الحريري بإعطاء نفسه وتياره وجنبلاط وسمير جعجع ما يطالبانه، بل اجتزأ من حصة حزب رئيس الجمهورية. كأن المسودة كانت من أجل رفضها.
4 ـ رغم اتفاقهما المسبق على المعايير الواجب اعتمادها في التأليف، المنوط حصراً بالرئيس المكلف، أفصح البيان الرئاسي عن افتقار الرئيسين إلى تصوّر مشترك ربما. كلاهما في مقلب مناقض للآخر: ما يرفض رئيس الجمهورية أعطاءه لجنبلاط وجعجع وللحريري نفسه، يسخو به الرئيس المكلف على نفسه أولاً وعلى حليفيه المخضرمين منذ أيام 14 آذار، ثانياً.