المحامي د. عبد الحميد الأحدب/الحلّ بالعودة الى ما قبل السبعينات: دولة صارمة تحكم مُطَهَّرة من رَجْس اي وصاية

41

الحلّ بالعودة الى ما قبل السبعينات: دولة صارمة تحكم مُطَهَّرة من رَجْس اي وصاية
 المحامي د. عبد الحميد الأحدب/النهار/21 كانون الأول/2023

منذ أن وقّع لبنان الهدنة سنة 1948، سارت الحياة السياسة في لبنان بهدوء واطمئنان، وانصرف اللبنانيون الى شؤونهم الداخلية رغم أن القضية الفلسطينية كانت مطروحة في لبنان وفي البلاد العربية، ولكنها بقيت مطروحة في لبنان كما في البلاد العربية دون اي تأثير واغتصاب سياسي لسلطة الدولة، فبقيت السياسة في لبنان لبنانية وكانت المؤثّرات السياسية لبنانية محض مع الشيخ بشارة الذي جدّد ولايته ثم سقط بانقلاب ابيض شعبي وجاء كميل شمعون الذي نشبت في آخر عهده ثورة بيضاء لم تسمح له بالتجديد، وكانت الثورة على كميل شمعون لبنانية اسلامية، ولم تكن لها علاقة بالفلسطينيين ولا بالقضية الفلسطينية!
منذ منتصف الستينات بدأ الفلسطينيون ينادون بأن يتولوا هم قضيتهم ولا تتولاه الدول العربية عنهم، وانفجر الوضع بالهزيمة العربية سنة 1967، ثم بوفاة عبد الناصر سنة 1970، حينئذ حاول الفلسطينيون الإستيلاء على الحكم في الأردن، ولكن الملك حسين كان أقوى منهم، ومساندة أميركا لنظامه هزم الميليشيات الفلسطينية ونزع سلاحها.
وصارت القضية الفلسطينية محور السياسة في البلاد العربية وتشابهت، بل تطابقت انظمة الدول العربية في أنظمة سياسية غير ديمقراطية، ليس فيها معارضة الا في السجون او خارج البلاد وملاحقة من الأنظمة للقضاء عليها، وشذّ عن هذا النظام العربي غير الديمقراطي بلد واحد هو لبنان الذي كان بلد الحريات والديمقراطية، الذي فيه معارضة ظاهرة وفاعلة، انتقل الحكم اليها بصوت واحد!
وظلت القضية الفلسطينية منذ الهدنة شاغل الأنظمة العربية كلها، بما فيها لبنان، ولكن الفلسطينيين وميليشياتهم خضعوا في البلاد العربية وكلها غير ديمقراطية، خضعوا للنظام السياسي ولسياسته، وصاروا جزءاً من النظام السياسي في كل بلد عربي، باستثناء لبنان الذي كان بلد الديمقراطية لأن فيه معارضة، وحده لبنان من كل البلاد العربية، تحوّلت الميليشيات الفلسطينية فيه، الى دولة داخل الدولة، وصارت طريق فلسطين تمرّ بجونيه وعيون السيمان! ثم تحولت الميليشيات الفلسطينية مع مرور الأيام الى دولة أقوى من الدولة! وبضعف الدولة اللبنانية وتراجعها وبحلول الدولة الفلسطينية في مكانة أقوى منها، صار لبنان في حروب أهلية يخرج من حرب اهلية ليدخل في حرب أهلية اخرى! وصار لبنان محكوماً بالميليشيات، وتحولت فدرالية الطوائف الى تقسيم لبنان الى طوائف متحاربة، وكلما دخلت أمة لعنت اختها.
استعان اللبنانيون بالسوريين، فحلّت سوريا مكان الدولة اللبنانية، ولما أُخرجت سوريا من لبنان، حلّت ايران محلها بواسطة ميليشيا دينية مسلحة هي “حزب الله”، الذي تحالف مع العونيين لتصبح الميليشيا هي الحاكمة، وانهارت الدولة بكل مؤسساتها، ولم تبقَ سليمة نسبياً سوى مؤسسة الجيش اللبناني، وتجري محاولات في الوقت الحاضر لهدم هذه المؤسسة إسوةً بباقي مؤسسات الدولة التي انهارت وسقطت عن بكرة أبيها.
لم يعد لبنان قادراً على الحياة في ظروف انهيار دولته، وحلول الميليشيا المسلحة الدينية محل الدولة، التي لم تعد دولة بمفهوم الدولة، وغابت رئاسة الجمهورية، ثم صارت الوزارة وزارة تصريف أعمال، صلاحياتها ضَيِّقة جداً.
غير صحيح ان تركيبة لبنان غير قادرة على الحياة، فلبنان منذ الأربعينات الى آخر الستينات كان بلداً فيه دولة بمفهوم الدولة، وتشغل السياسة هموم اللبنانيين الداخلية، ولكن انهيار الدولة الذي بدأ في آخر الستينات تزايد وتفاعل حتى لم تعد هناك دولة بمفهوم الدولة، وصارت مؤسسات الدولة منهارة كل الإنهيار ولا مُعين فيها، وهي مهترئة سوى من يسميهم حزب الله.
ولم تعد الدولة منهارة وغائبة فحسب، بل أَثقل الحمل عليها موظفون بالألوف لا عمل لهم ولا مكان لهم، يقبضون ولا يعملون، مما زاد الفراغ فراغاً لا يملؤه سوى شبح دولة منهارة، وحزب الله هو الحاكم والآمر الناهي.
والحل؟
الحل بالعودة الى النظام الذي كان مُطَبَّقاً في الستينات وقبلها، دولة حاكمة وديمقراطية فيها معارضة!
والقضية الفلسطينية؟ القضية الفلسطينية تُعامَل ويُعامَل الفلسطينيين بإخضاعهم للدولة وسلطتها كما هو وضعهم في كل البلاد العربية، ولا يكون لبنان استثناء بالحرية والديمقراطية والمعارضة التي فيه يكون عربياً إسوة بكل الدول العربية ويخضع الفلسطينيون وكل حزب او حركة او طائفة للدولة، خضوعاً تاماً، ولا يكونون بديلاً عن الدولة ولا تكون الدولة منهارة بل تنهض بكل مؤسساتها وتبقى الحرية والمعارضة مصونتان للديمقراطية وتعود طريق فلسطين تمر بجونيه، كما أرادها الفلسطينيون بل تمر قضية فلسطين بالمؤسسات وبالدولة التي تديرها بسلطتها وسلطاتها وإرادة شعبها، كما ان طريق فلسطين لا يمر بدمشق ولا طريق فلسطين يمر بالقاهرة او بعَمَّان بل طريق فلسطين يمر بسلطة الدولة اللبنانية الكاملة المتكاملة كما هو الوضع في كل البلاد العربية.
ولا تعود الحرب لتحرير فلسطين مفتوحة على الجبهة اللبنانية وحدها دون سواها، بل يكون لبنان إسوة بكل الدول العربية، الحرب قرار الدولة، ولا تكون الحرية في لبنان منفذاً لحلول الميليشيات مكان الدولة، ويعود قرار الحرب او السلام الى يد الدولة اللبنانية. ولا تكون الحرب مع اسرائيل مقتصرة على لبنان، بل لا حرب الا بمشاركة عربية كاملة.
المطلوب هو العودة الى العشرين سنة التي تلت الإستقلال وحكم لبنان من دولته بسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية وتكون هذه الدولة الحرب الا بمشاركة كل البلاد العربية، حرب عربية اسرائيلية وليس لبنانية اسرائيلية، تتخذ القرار الدولة اللبنانية عندما تتفق كل الدول العربية على الحرب، ولا يشتبك لبنان وحده بالحرب مع اسرائيل كما حصل سنة 2006، وتتفرج عليه الدول العربية وتعطيه الدعم بالإذاعة والتلفزيون، ولا تحرك ساكناً على جبهاتها ومشاركة جيوشها!
مطلوب العودة الى الستينات وما قبلها، كانت اسس لبنان سالمة وسلطة الدولة هي التي تقرر الحرب والسلام والهدنة، ويعود للدولة سلطتها وقرارها بالحرب والسلم، ويجب أن تجري اعادة بناء الدولة المدمرة المنهارة لتعود الأمور الى نصابها وذلك بإعادة النظر جذرياً بقانون الإنتخاب، والى مجلس نيابي تفوح منه رائحة العطر، والى سلطة تنفيذية منبثقة عن الإرادة اللبنانية الحقيقية التي تريد ان تحصّن البلد وتحميه، والى سلطة قضائية سالمة وسليمة لأن العدل اساس الملك.
الحل بالعودة الى عهد فؤاد شهاب، وهناك كثيرون من فؤاد شهاب في الساحة السياسية، يجب ان يُحصَر البحث عن رئيس للبلاد بين هؤلاء الأقوياء الشرفاء! لا لإتفاق القاهرة وأمثاله بعد اليوم، ولا تحكم المخابرات السورية العلوية، ولا يحكم الملالي الإيرانيين، بل حُكم لبناني صرف نزيه ونبيل ووطني ينبع من اعماق لبنان في لبنانيته، يُصلِّح ما هُدِم منذ السبعينات وتعود للدولة سلطتها ومكانتها، ويعود مجلس الخدمة والتفتيش المركزي ومصرف لبنان الى عهده.
الطاهرين الأقوياء يُختارون كما كان يختارهم فؤاد شهاب، كما اختار الياس سركيس وشفيق محرم، وتعود الدولة لبنانية تقطع رقبة كل من يحاول تحويلها الى “خمارة”، ويعود قرار الحرب الى الدولة، وتُحَلّ الميليشيات وتعود الأحزاب غير المرتبطة بالخارج الى ما قبل السبعينات، الى الأيام التي كان فيها لبنان هو منارة الحرية للعرب أجمعين مدرسة وجامعة وقضاء وسلطة تنفيذية تعطي ولا تأخذ، ومعارضة تعارض لتكون رقيبة على السلطة التنفيذية، ورئيس على شاكلة فؤاد شهاب ومدرسته الأخلاقية والفكرية اللبنانية.
إذ ذاك سيفخر بنا جبران خليل جبران.