web analytics
Home Youssef El Khoury Page/صفحة المخرج يوسف ي. الخوري الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/دولة تعرف رقم هاتفي… ولا تعرف كيف تكون...

الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/دولة تعرف رقم هاتفي… ولا تعرف كيف تكون دولة

4

دولة تعرف رقم هاتفي… ولا تعرف كيف تكون دولة
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/25 آب/2026
أنا غاضب. وغاضب جدًا.
ليس لأن الدولة تريد منّي بضعة دولارات. ولا لأن هاتفي الخليوي فُصل اليوم عن الشبكة. بل لأن هناك لحظة يصبح فيها السكوت عن الإهانة مشاركة فيها.
عام 2010، أهدتني زوجتي هاتفًا خليويًّا اشترته من لبنان، لا من الخارج (الصورة المرفقة). هاتف عمره 16 سنة، لا يساوي، في أحسن الأحوال اليوم، أكثر من عشرين دولارًا.
منذ فترة، بدأت وزارة الماليّة تطالبني بدفع رسوم جمركيّة عليه، وإلّا فصله عن الشبكة. واليوم، نفّذوا التهديد وفصلوا هاتفي.
أرفض أن أدفع.
أولًا، لأنّ الهاتف مُشترى من لبنان. فإذا كانت هناك رسوم جمركيّة مترتّبة عليه، فمن استورده وباعه في لبنان هو المسؤول عن تسديدها، لا المواطن الذي اشتراه من السوق اللبنانية بحسن نيّة.
ثانيًا، لأنّ الهاتف دخل الخدمة عام 2010، أي قبل القرار رقم 224/1 المتعلّق بتسجيل الرقم التعريفي الدولي للهاتف IMEI وحصر عمل الهواتف على الشبكتين بالأجهزة المسجلة فقط.
فمن أين جاء ذنبي أنا، بعد 16 سنة، بأن أصبح متهمًا أمام الدولة لأنّني أحمل هاتفًا اشترته زوجتي من لبنان؟
وثالثًا، لأن المسألة بلغت حدّ المهزلة؛ فهاتفي اليوم يساوي، في أحسن الأحوال، 20 دولارًا. وإذا افترضنا رسمًا جمركيًا بنسبة 5% وTVA بنسبة 11%، فنحن نتحدث حسابيًا عن ضريبة بقيمة 3 دولارات و20 سنتًا.
إذا شغّلت سيارتي، وهي بدورها أثر تاريخي موديل 2006، من دون أن أذهب إلى أيّ مكان، أكاد أحرق بنزينًا بقيمة الرسم الذي يلاحقونني من أجله!
ثم يقولون لي: اذهب وادفع.
أين؟
من بين الأماكن المحدّدة للدفع البريد، تلك المؤسسة التي كدنا ننسى أصلًا أنّ في لبنان بريدًا. أو LibanPost، التي حول تاريخها في إدارة الأموال والرسوم ما يكفي من أسئلة كي لا يشعر المواطن أصلًا بالطمأنينة إلى أنّ ما يدفعه سيجد طريقه إلى الخزينة.
والخيار الآخر: مطار رفيق الحريري الدولي. أي إنّني، لكي أدفع بضعة دولارات عن هاتف قيمته عشرون دولارًا، عليّ أن أقود سيارتي القديمة إلى المطار وأعود، في رحلة قد تكلّفني أضعاف ثمن الهاتف نفسه.
لكنّني لن أفعل.
ليس توفيرًا للبنزين. وليس لأنّني عاجز عن دفع ثلاثة دولارات. بل لأنّ القضيّة مبدأ. فأنا لن أقبل بأن تمتدّ يد الدولة إلى الوراء 16 سنة لتطالبني بهكذا تسوية وهي لا تزال تتهرّب منذ عقود من إعادة حقوق وأموال أخذتها من مواطنيها تحت عناوين مختلفة، أشهرها سرقة الـ 500 دولار التي نصبوها بغطاء ضمانة تُسترجع لاحقًا.
والأنكى أنّني، قبل كتابة هذه المقالة، سألت عددًا كبيرًا من الناس عن الموضوع، والجواب نفسه تقريبًا كنت أسمعه: “روح ادفعها أحسن ما يوقفولك الجهاز.”
وهنا المصيبة!!! القصة ليست أن يوقفوا الجهاز أو لا يوقفوه. القصة ليست 3.2 دولارات ولا ليترَي بنزين.
القصة أخلاقية.
القصة أن الدولة تتحدث اليوم عن نحو 215 ألف هاتف يعمل على الشبكة وتعتبر أن رسومها الجمركية لم تُسدَّد.
215 ألف جهاز!!؟؟ أي أنّنا لم نعد نتحدث عن فكّة في جيبي أو جيبك، بل عن مبالغ ضخمة تريد الدولة جبايتها من المواطنين، بصيغة سرقة. وهنا أسأل:
كيف عرفت الدولة؟
كيف استطاعت دولة لا تُحسن لمّ نفاياتها، ولا حصر السلاح على أرضها، أن تعرف أن في جيبي هاتفًا “مخالفًا”، وأن تستخرج رقم الـIMEI الخاص به، وأن تطاردني برسائلها، ثم أن تقطعه عن الشبكة؟
يا للعجب!
حين يتعلق الأمر بحقوقك، الدولة لا تعرف.
حين يتعلق الأمر بوديعتك، الدولة لا تعرف.
حين يتعلق الأمر بالمياه والكهرباء، الدولة عاجزة.
حين يتعلق الأمر بالنقل، الدولة عاجزة.
حين يتعلق الأمر بإدارة رسمية تحتاج إلى مكننة، الدولة عاجزة.
أما حين يتعلق الأمر بجهازي “التنكي”، اللبناني المصدر… فالدولة تصبح فجأة دولة ذكاء اصطناعي!
وهذا يأخذني الأمر إلى فواتير الخليوي.
راقبوا فواتيركم.
أنا شخصيًا رأيت، وطلبت من آخرين أن يراجعوا، وراجعت بدوري، فواتير ترتفع فجأة بصورة غير مفهومة. وعندما يعترض أصحابها، وبعد الاتصالات والمراجعات والانتظار والذلّ، يستعيدون جزءًا من المبلغ مع رسالة مفادها: “الخطأ يحصل”!
يا حراميي. نحن في سنة 2026، في عصر التكنولوجيا والـAI، وما زالت الفاتورة تخطئ لمصلحة الجابي!!؟
ولماذا، في التجارب التي شهدت عليها، لا يُكتشف الخطأ ويُصحّح إلا عندما يعترض المواطن!!؟
من هنا أسأل سؤالًا أخطر: ماذا لو أن نسبة صغيرة فقط من أصحاب الفواتير غير الصحيحة هي التي تعترض؟
ماذا لو أن تسعة من كل عشرة قالوا، كما يقول اللبناني دائمًا: “لشو الواحد يجيب البهدلة لحالو؟”، ويدفع؟
اضربوا عشرات دولارات “الخطأ يحصل” بعشرات آلاف المشتركين “الراضيين”، ثم اضربوها بأشهر السنة، وبعدها أخبروني عن أيّ أرقام نتحدث.
أنا لا أملك دليلًا يسمح لي بالقول إن هناك من يجلس كل شهر ويختار عمدًا أرقامًا لرفع فواتيرها. لكنّني أملك ما يكفي من التجارب لأقول شيئًا واحدًا:
انشروا أرقام الاعتراضات والتصحيحات والمبالغ التي أُعيدت إلى المشتركين، كي نعرف ونحكم كم “خطأ” حصل، وفي جيب مَن يبقى المال حين لا يكترث المواطن بسرقتكم.
دولة حراميي… وشعب تعوّد أن يدفع كي يريح رأسه.
دولة يتغنّى أهل السلطة فيها بإنجازات حكومتهم، فيما المواطن لا يرى منها إلا ضرائب ورسومًا وجبايات جديدة.
دولة يعفو مجلس نوابها عن مجرمين، ثم يتشدّد في ظلم المظلومين تحت ألف حجّة وحجّة، لأن المعادلة واحدة:
“خلّيني عالكرسي اسرق، وعمرو ما يبقى شعب ولا يبقى لبنان.”
وتقولون لي دولة؟ أيّ دولة هذه؟
إنها دولة اختارت أن تكون دولة جباية، لا دولة رعاية.
وعندما تصبح الدولة أسرع في الوصول إلى جيب المواطن منها في الوصول إليه بخدمة أو حقّ، لا تعود المشكلة في قيمة الرسم، بل تُصبح في الدولة نفسها.
أما هاتفي، الغالي علي لأنّه هدية، فليبقَ مفصولًا. فأنا لن أدفع.
ليس لأن المبلغ كبير…
بل لأن الإهانة أكبر.

 

 

Share