web analytics
Home Youssef El Khoury Page/صفحة المخرج يوسف ي. الخوري الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/العفو العام: حين تعفو ماريكّا عن القديسة ريتا

الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/العفو العام: حين تعفو ماريكّا عن القديسة ريتا

3

العفو العام: حين تعفو ماريكّا عن القديسة ريتا…
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/13 آب/2026
من كل هذا الصخب حول قانون العفو العام، لا يعنيني شخصيًا إلا ملف واحد: أفراد جيش لبنان الجنوبي وعائلاتهم. فما صدر بحق هؤلاء الشرفاء ليس عفوًا. إنّه حكم إعدام للعائلة.
يسمحون للنساء والأولاد، ولمن لم ينتسب عسكريًّا أو أمنيًا إلى جيش لبنان الجنوبي، بالعودة إلى لبنان، أما الأب أو الأخ أو الابن الذي خدم في الجيش فعليه أن يعود إلى المحاكمة! أي إنّ “الإنجاز” الذي يتباهون به يقول للأم: عودي واتركي ابنك. وللزوجة: عودي واتركي زوجك. وللولد: عد إلى وطنك واترك أباك في المنفى.
هذا ليس عفوًا. هذه شرذمة للعائلات بقانون. وهذه، بحدّ ذاتها، جريمة إنسانية.
العفو يُمنح للمذنب. أما هؤلاء، ففي نظري، مظلومون. هم أبناء قرى جنوبيّة حملوا السلاح دفاعًا عن أرضهم وبيوتهم في وجه المسلّح الفلسطيني أولًا، والحركات اليسارية التي ساندته، ثم حزب الله لاحقًا. تعاملوا مع إسرائيل لأنّ دولتهم تخلّت عنهم وعجزت عن حمايتهم، ولأن البديل أمامهم كان في أحيان كثيرة الرحيل عن أرضهم أو الدفاع عنها بما تيسّر لهم.
فإذا أردتم اليوم إغلاق هذا الملف، لا تقولوا لهم: عفونا عنكم.
قولوا لهم: ظلمناكم.
اعتذروا منهم.
أعيدوا إليهم اعتبارهم.
عوّضوا عليهم عن ربع قرن من التشريد والاقتلاع والوصمة التي ألصقتموها بهم.
فالمظلوم لا تتحقق العدالة معه بالعفو عنه، بل بالاعتذار منه.
ثار جدل كبير حول قانون العفو، ولا سيما حول التمييز بين الجرائم المرتكبة بحق المدنيين وتلك المرتكبة بحق العسكريين. وسمعنا نوابًا يتبارون في الدفاع عن “هيبة الجيش”.
جميل.
لكن أين كانت هذه الهيبة عندما كان الجنوب متروكًا؟ وأين كان هؤلاء المدافعون عن الجيش عندما كان أبناء الجنوب يقفون إلى جانبه؟
جيش لبنان الجنوبي نفسه خرج أصلًا من رحم المؤسسة العسكرية عام 1976. وقصته مع الجيش اللبناني أكثر تعقيدًا بكثير من الرواية الكسولة التي اختصرتها دولة ما بعد الحرب بكلمة واحدة: عملاء.
النائبة عن جزين الجنوبية غادة أيوب، افتخرت بما اعتبرته إنجازًا في رفع الظلم عن اللبنانيين الموجودين في إسرائيل، فقالت:
“أهلنا اللبنانيون الذين لم ينضووا عسكريًا أو أمنيًا ولجؤوا إلى إسرائيل بعد تحرير الجنوب عام 2000…”
لحظة يا سعادة النائبة؛ “تحرير الجنوب” ممّن؟
ممّن تحررت جزين والجنوب عام 2000؟ من أبنائهما! من الرجال الذين عاشوا هناك ودافعوا عن قراهم!
وكيف توقّعين على قانون يسمح بعودة فرد من العائلة ويترك فردًا آخر وراء الحدود، ثم تخرجين لتحتفلي بـ”رفع الظلم”؟
كان الأجدر بنائبة جزين، القواتيّة، قبل البحث عن بضعة أصوات شيعيّة إضافيّة في الانتخابات المقبلة، أن تتذكر تاريخ منطقتها. فبعد انسحاب القوات اللبنانية من شرق صيدا في مطلع عام 1985، وانفجار المأساة التي ضربت قرى المنطقة وشرّدت أهلها، بفضل مَن بقيت جزين ولم تلقَ المصير الذي أصاب قرى شرق صيدا؟ أليس بفضل جيش لبنان الجنوبي؟
أتعرفين، سعادة النائبة، لماذا خرج جيش لبنان الجنوبي من جزين عام 1999؟
لأن أبناء المنطقة وعسكريي الجنوبي الجزينيين انخدعوا بعهد إميل لحود، وأرادوا العودة إلى كنف الدولة. فاحترم أنطوان لحد مشيئتهم وانسحب. احترم خيارهم أكثر مما احترمت دولتهم لاحقًا مصير رفاقه من أبناء جزين.
وتتباهى كتلة القوات اللبنانية بأن هذا “الإنجاز” من صنعها.
أي إنجاز!!؟
هذا المسخ التشريعي ليس إلا حفيدًا سياسيًا لأحد البنود التي خرجت من تفاهم مار مخايل، وقدّمه التيار الوطني الحر منذ عام 2011، ثم بقي سنوات بلا تنفيذ حتى عندما امتلك التيار رئاسة الجمهورية وكان حليفه حزب الله ممسكًا بمفاصل السلطة.
تريدون جميعكم تقاسم أبوة طفل لم يولد.
القوات تقول: نحن أنجزناه.
التيار يقول: نحن بدأناه.
ثم يمتنع التيار في النهاية عن التصويت.
إنجاز يتيم، وكلهم يريدون صورة معه.
ويخرج نائب قواتي آخر، زياد حوّاط، من بلاد جبيل، حيث للصوت الشيعي وزنه الانتخابي، ليعلن بفخر أنّ أيّ لبناني موجود في إسرائيل ولم يكن في جيش لحد ولم يصدر حكم بحقّه يستطيع العودة، شرط التخلي عن الجنسية الإسرائيلية.
يا سعادة النائب، هل تعرف إلى أين لجأ ضباط القوات اللبنانية عندما نكّلت بهم الدولة بعد الحرب؟
لجأوا إلى المنطقة التي كان يديرها لحد وهناك وجدوا الحماية. أمّا أنت اليوم تدعو اللبنانيين الموجودين في إسرائيل إلى التخلّي عن الجنسية التي منحتهم حياةً طبيعية وحقوقًا!!
مقابل ماذا؟
مقابل دولة تسمح لزوجته بالعودة وتطلب منه هو المثول أمام المحكمة؟ أم مقابل وطن يطلب منه أن يتنكر للدولة التي استقبلته بعدما طردته دولته؟
الجنسية الإسرائيلية لم تكن بالنسبة إلى كثير من هؤلاء ورقة سفر فحسب. بل أعادت إليهم صفة الإنسان بعدما حوّلتهم دولتهم وصمة سياسية، إرضاءً لسوريا الأسد أولًا ولمعادلات حزب الله وولاية الخامنئي لاحقًا.
وللتيار الوطني الحر حصة من هذه الذاكرة أيضًا.
هل يعرف نوابه ماذا فعل جيش لبنان الجنوبي للجيش اللبناني عندما كان ميشال عون قائدًا للجيش ثم رئيسًا للحكومة الانتقالية؟
حين انهارت الليرة في أواخر الثمانينيات وأصبحت رواتب عناصر الجيش اللبناني الموجودين في الجنوب تساوي عشرات الدولارات، كان أنطوان لحد يعوّض على هؤلاء العسكريين من ميزانيّة جيشه لكي تُصبح رواتبهم مثل رواتب جنوده.
فليسألوا معلّمهم ميشال عون أيضًا من أين كانت تأتي الذخائر خلال حرب التحرير. وليسألوه مَن حمى أنصاره في الجنوب عندما كانت الدولة تطاردهم. وبعد ذلك، ليشرحوا لنا كيف أصبح رد الجميل لهؤلاء أن نقول لهم بعد خمسة وعشرين عامًا:
عودوا إلى لبنان… لكي نحاكمكم.
عار على هكذا نواب.
وعار على هكذا أحزاب مسيحية.
وعار على هكذا كنيسة.
نعم، الكنيسة أيضًا.
أيعرف البطريرك الماروني ما فعله سلفه البطريرك نصرالله صفير عندما طَلب من السفارات الأجنبية عدم تسهيل هجرة المسيحيين الموجودين في إسرائيل؟
لقد عَلّق رعيته بين أرضين: وطن لفظهم، وبلد يسمّيه وطنهم “العدو” استقبلهم.
فإن كان البطريرك لا يعرف، فليعرف الآن، وليتحرّك.
وأي دولة هذه؟
رئيسها جنوبي، ومن بلدته نفسها نحو مئتي عنصر من جيش لبنان الجنوبي يعيشون مأساة الرحيل. مستشاره الأول جزّيني. رئيس وفده المفاوض جزيني. وقائد جيشه جنوبي. ومع ذلك، يبدو أن استعادة مَن تحاصروا في تلّة علي الطاهر من قبورهم أسهل على هذه الدولة من استعادة أبنائها الأحياء من المنفى.
هذه هي جمهورية العدالة الانتقائية. تستخرج لبعض أبنائها بطولات من تحت التراب، وتترك أبناءها الآخرين يموتون غرباء لأن الاعتذار منهم يحتاج إلى شجاعة لا يملكها أحد.
ولأهلي الجنوبيين في المنفى أقول: لا تنتظروا عفوًا من أحد. فالذين ظلموكم هم الذين يحتاجون إلى أن يطلبوا الصفح.
لبنان الذي طردكم، وشرذم عائلاتكم، ووصمكم، لا يستحقكم. فحلال عليكم حيث أنتم. وحيث تكونون، يكون جزء من لبنان الحقيقي الذي لفظته جمهورية الشعارات.
أما نحن، فقد بلغ بنا انحطاط المعايير حدًا صار معه الظالم يمنح العفو للمظلوم، والمذنب يمنح صك البراءة لضحيته.
وبئس زمن باتت فيه ماريكّا تعفو عن القديسة ريتا.

**لقراءة مقالات ومشاهدة مقابلات الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري المنشورة على موقعنا اضغط هنا

**To read articles and watch interviews by writer and director Youssef Y. El Khoury published on this

Share