web analytics
Home Youssef El Khoury Page/صفحة المخرج يوسف ي. الخوري الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/صبرا وشاتيلا: عندما تصبح المجزرة أكبر من الحقيقة

الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/صبرا وشاتيلا: عندما تصبح المجزرة أكبر من الحقيقة

138

صبرا وشاتيلا: عندما تصبح المجزرة أكبر من الحقيقة!
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/19 أيلول/2026
منذ العام 1982 يُمعن اليسار اللبناني والفلول العرفاتيّة ونظام البعث السوري في تضخيم صبرا وشاتيلا حتى تحولت الرواية التي صُنعت حول المجزرة إلى شيء أكبر من المجزرة نفسها.
460 قتيلًا.
هذا هو الرقم الذي خلصت إليه اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر والتحقيق اللبناني في مجزرة صبرا وشاتيلا، لا 3000 ولا 5000 ولا 8000 كما يُشاع. أمّا لجنة كاهان الإسرائيليّة فقدّرت عدد الضحايا بما بين 700 و800.
هل يعني ذلك أن 460 قتيلًا ليسوا مجزرة؟
بالطبع مجزرة! فإذا كان مَن يقتل بريئًا واحدًا يرتكب جريمة، فما بالك بمَن يقتل المئات؟
انتقامًا لبشير!؟
الرواية المحفوظة عن ظهر قلب تقول إن “جهاز الأمن والمعلومات” في القوات اللبنانيّة، بقيادة إيلي حبيقة، دخل صبرا وشاتيلا وانتقم من فلسطينيين ولبنانيين مسلمين لاغتيال الرئيس بشير الجميّل؛ لكن لماذا تدخل القوات اللبنانية للانتقام من سكان المخيّمات بعد خروج ياسر عرفات ومقاتلي منظمته، منظمة التحرير الفلسطينية، بالبواخر من بيروت مهزومين؟ ولماذا تنتقم القوات من المسلمين بعدما أصبح بشير رئيسًا لكل لبنان، وقد انفتح عليه مسلمون وشيعة ودروز؟
ثم،
إذا كانت العملية أصلًا عملية انتقام، فلماذا لم تُكلَّف بها وحدة قتالية عادية؟ ولماذا وقع الاختيار تحديدًا على جهاز الاستخبارات الذي كان يرأسه إيلي حبيقة؟
مجرد طرحنا هذا النوع من الأسئلة يأخذنا إلى مكان أكثر تعقيدًا، لكنّنا قد نجد فيه أجوبة توضح المسؤوليات، وتغيّر رواية “الانتقام”، إذا بدأنا بسؤال بديهي:
ما طبيعة المهمة التي تتطلّب جهاز استخبارات بدلًا من قوة قتالية؟
تقرير لجنة كاهان، الذي يستند إليه معظم مَن يحمّلون القوات اللبنانية مسؤولية المجزرة، يذكر بنفسه سببًا بالغ الدلالة لاختيار جهاز حبيقة للعملية مفاده “أن عناصره كانوا يُعتبرون مدرَّبين خصّيصًا على العثور على المسلحين الذين يحاولون الاختباء بين السكان المدنيين”.
قبل تقرير لجنة كاهان، وقبل اغتيال بشير، نشرت صحيفة Washington Post في عددها الصادر في 27 آب 1982، أنّ منظّمة التحرير سلّمت دبابات ومدفعية ثقيلة وبطاريات مضادة للطائرات وراجمات صواريخ وهاونات وكميات ضخمة من الذخائر إلى الميليشيات اليسارية والإسلامية في بيروت الغربية، بدل تسليمها إلى الجيش اللبناني، واعتبرت الصحيفة ذلك مخالفة ظاهرة لترتيبات الإجلاء التي رعاها المبعوث الخاص للرئيس الأميركي فيليب حبيب.
وفي آخر لقاء بين بشير وآرييل شارون في بِكفيّا ليل 12 – 13 أيلول، يذكر د. جورج فريحة، الذي كان حاضرًا الاجتماع، في كتابه “مع بشير” أنّ موضوع الفلسطينيين الذين زُرعوا في بيروت بعد خروج منظّمة التحرير، احتلّ حيّزًا من الاجتماع، إذ كان الطرفان قلقَين من أنّ هؤلاء سيتحيّنون الفرصة لتخريب الاستقرار والوئام الذي بدأ يتحقّق بوصول بشير إلى السلطة، ويُضيف فريحة أن بشير طلب عدم تدخّل الإسرائيليين بهذا الأمر، على أن يتولاه ايلي حبيقة بالتنسيق مع مخابرات الجيش بعد أن يتسلّم مهامه الرئاسيّة. قبل فريحة أكّد هذا الكلام أرييل شارون في مذكّراته، كما أكّده مصدر مستقل هو آلان مينارغ في كتابه “Les secrets de la guerre du Liban”.
إذًا، عشيّة اغتيال بشير، لم تكن بيروت الغربية قد أصبحت منزوعة السلاح كما توحي الرواية التي ترسّخت لاحقًا. وبالنسبة إلى بشير، كان هذا الواقع يشكّل خطرًا على عهده المقبل وعلى مشروع السلام الذي كان يسعى إليه.
ماذا حصل بعد اغتيال بشير؟
فجأة أصبحت كل المخاوف السابقة أكثر خطورة.
تحرّك الجيش الإسرائيلي وأمسك مداخل بيروت الغربية، ودخلت قوة من قوّة من جماعة حبيقة إلى صبرا وشاتيلا للبحث عن المسلحين الذين بقوا في بيروت، وما لبثت الأمور أن خرجت عن السيطرة، وحصلت المجزرة.
مَن فعل ذلك؟ ولماذا؟ ولمصلحة مَن؟
في مقالة سابقة لي عن صبرا وشاتيلا، توقفت طويلًا عند إيلي حبيقة وما كان يستعد لقوله أمام القضاء البلجيكي بعد فتح الملف المتعلق بدور أرييل شارون. خلصت يومها إلى استنتاج ما زلت متمسكًا به:
مَن اغتال إيلي حبيقة كان يخشى أن يكشف حبيقة دوره الحقيقي في ما جرى في صبرا وشاتيلا.
في لبنان، أقنعونا بأساليب ممنهجة أنّ حبيقة يريد فضح شارون، لتقع، بعدها، التهمة بسهولة على الأخير بعد اغتيال حبيقة.
لكن، ماذا كان حبيقة سيكشف عن شارون بعد عشرين سنة ولم يتوصّل إليه الإسرائيليون في لجنة كاهان التي هزّت دولتهم وحكومتهم، وحدّدت مسؤوليّة شارون، في العمليّة، بغير المباشرة؟
لكن هناك أطرافًا أخرى نادرًا ما يُسمح حتى بطرح السؤال حولها.
ياسر عرفات؛
عرفات كان مستفيدًا من الكارثة.
كيف لا، وتضخيم المجزرة ضرب إسرائيل، وضرب شارون وبيغن، وأعاد الفلسطينيين إلى موقع الضحيّة أمام الرأي العام العالمي، ونسف المناخ الذي كان يتكوّن باتجاه السلام. أضف إلى ذلك أنّ الضحايا الذين سقطوا في المخيّمين كانت غالبيّتهم من مناهضي عرفات والتابعين لسوريا، فما الضير من القضاء عليهم، بالنسبة له؟
الشيخ أسعد جرمانوس، المحقّق اللبناني في مجزرة صبرا وشاتيلا، أخبرني شخصيًا أنّ التحقيق الذي أجراه مع إيلي حبيقة أظهر أنّ لياسر عرفات أصابع في المجزرة.
أنا أنقل هنا ما قاله لي الرجل شخصيًا. قد يثق بي البعض، وقد يطالبني البعض الآخر بإبراز تقرير جرمانوس للتأكّد من كلامي. لكن أين التقرير لكي نتأكّد ونحكم؟
اختفى.
وبالنسبة إليّ، اختفاء تقرير جرمانوس ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو مكمّل للرواية المضخّمة، ولتحويل صبرا وشاتيلا إلى لغز. فلو لم يختفِ هذا التقرير، لما تمكّن أصحاب النوايا السيئة من تضخيم الواقعة، ومن تزوير عدد الضحايا.
وحافظ الأسد؟
هو الآخر كان من كبار المستفيدين.
الأسد خسر عسكريًا وسياسيًا بخروج قواته من بيروت الغربية غداة انتخاب بشير الجميّل رئيسًا، وكان لبنان يتجه منفردًا إلى السلام مع إسرائيل، ممّا يُضعف قبضة دمشق على القرار اللبناني.
لكن اغتيال بشير، ووقوع المجزرة، أدخلوه مجدّدًا إلى اللعبة، إذ تزعزع اليمين الإسرائيلي، وضُربت صورة إسرائيل عالميًا، وعاد الفلسطينيون الذين بقوا في لبنان بحاجة إلى حامٍ إقليمي، وبدأت المعادلة تنقلب تدريجيًا لمصلحته.
هل هذا وحده دليل على أن الأسد دبّر المجزرة؟
لا.
لكنه يجعلني أضعه في لائحة المستفيدين، بدل إخراجه منها كما فعلت الرواية التي سادت طوال أربعة عقود.
واليسار الإسرائيلي؟
كان لخصوم شارون وبيغن في إسرائيل مصلحة سياسية واضحة في صبرا وشاتيلا.
الاعتراض على “عمليّة سلامة الجليل” في لبنان كان قد بدأ أصلًا قبل المجزرة. وبعد صبرا وشاتيلا انفجر الشارع الإسرائيلي، وخرجت تظاهرات ضخمة في تل أبيب مطالبة بالتحقيق، وكان الضغط الشعبي أحد الأسباب المباشرة لإنشاء لجنة كاهان.
لا أقول إن اليسار الإسرائيلي ارتكب المجزرة.
أقول شيئًا مختلفًا تمامًا: لقد استثمرها سياسيًا إلى أقصى الحدود ضد شارون وبيغن وحرب لبنان، وتؤكد بعض الوثائق التي عُثر عليها بعد خروج الفلسطينيين من بيروت، أنّ عرفات ساهم في تمويل حملة اليسار الإسرائيلي ضدّ حكومته.
وهذا الاستثمار أصبح جزءًا أساسيًّا من الرواية المضخّمة التي انتقلت بعد ذلك إلى العالم.
واليسار اللبناني؟
هنا كانت الاستفادة أكبر.
صبرا وشاتيلا أعطت اليسار اللبناني مادة سياسية هائلة، ليس فقط لضرب القوات اللبنانية والمسيحيين، بل لإعادة كتابة صورة الحرب اللبنانية كلّها. فصارت المجزرة لاحقًا إحدى أدوات التخويف في الصراع الداخلي.
وليد جنبلاط، على سبيل المثال، استطاع أن يبني خطابًا درزيًا يقوم على الخوف من أن يتكرر مع الدروز ما حصل للفلسطينيين على يد القوات، فهبّ دروز إسرائيل للمساندة وتشابكت مصالح الدروز عامة، مع مصالح سوريا الأسد واليسار الإسرائيلي واليسار اللبناني.
ثم اندلعت حرب الجبل، وانقلبت الموازين، ودفع مسيحيو الجبل الثمن قتلًا وتهجيرًا.
تقاطع مصالح غريب عجيب قلب الرواية على المسيحيين، وحقائق مأسويّة غامضة؛ بشير يُغتال قبل أن يطهّر بيروت الغربيّة من المخرّبين. حبيقة يُغتال وهو يستعد للإدلاء بشهادته في بروكسل. وتقرير جرمانوس يختفي ليغسل عرفات يديه بدماء الضحايا كعادته.
أما القوات اللبنانية، فأرى أنها كانت البيدق الأصغر في لعبة أكبر منها بكثير: دخل عناصر منها المخيمين، وقُتل مدنيون، والتصقت بها منذ ذلك الحين رواية كاملة لم يُسمح بإعادة تفكيكها، حتى كادت القوات نفسها تقبل الرواية التي كتبها الآخرون عنها.
وهنا نعود إلى حبيقة؛
إيلي حبيقة، الرجل الذي حُمّل على مدى عقود مسؤولية صبرا وشاتيلا، عاش بعد المجزرة، ثم أصبح وزيرًا في الجمهورية اللبنانية وجلس سنوات في مجلس الوزراء في ظل النظام السوري، إلى جانب قوى وشخصيات لا تزال حتى اليوم تلطم جلدها التمساحي “حزنًا” على صبرا وشاتيلا.
كيف؟
لن أترك أي احتمال للقول بإنّهم تركوه لأنّه غير مرتكب، بل سأجزم بأنّهم جميعهم متورّطون بالمجزرة، بينما هو كانت مهمّته تطهير بيروت الغربيّة من المخرّبين، فتمّ استغلاله وتحوّلت عمليّته إلى عنوان مضخّم: “مجزرة صبرا وشاتيلا”
والباقي…
فتّشوا عمّن استفاد.

 

**لقراءة مقالات ومشاهدة مقابلات الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري المنشورة على موقعنا اضغط هنا

**To read articles and watch interviews by writer and director Youssef Y. El Khoury published on this Website The LCCC Click Here

 

 

Share