
ردًّا على محمد رعد: السيادة لا تتجزأ
العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا/نداء الوطن/24 حزيران/2026
معيار الوطنية هو حصرية السلاح بيد الدولة واستقلال القرار الوطني
في مقاله «حول الهوية الوطنية والسلطة والمواطنة»، يطرح النائب محمد رعد أفكارًا تتعلق بالهوية والسيادة والعلاقة بالخارج واتفاق الطائف ومستقبل لبنان.
وبصراحة، فإن كثيرًا مما يطرحه يستحق النقاش، بل إن بعض المبادئ التي يستند إليها صحيحة في أساسها. فرفض الارتهان للخارج والتمسك بالسيادة هدفان يتفق عليهما معظم اللبنانيين.
لكن المشكلة لا تكمن في هذه المبادئ، بل في الانتقائية في تطبيقها. فالمعايير المستخدمة للحكم على الخصوم تقود إلى استنتاجات مختلفة عن تلك التي يدعو إليها المقال.
لبنان وطن لا ساحة
القلق على الهوية الوطنية مشروع، لكن الأزمة الأساسية في لبنان تتعلق بوجود رؤيتين متناقضتين للبنان. الأولى تعتبر لبنان وطنًا نهائيًّا لجميع أبنائه، ودولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وظيفتها خدمة مواطنيها وحماية حرياتهم وشراكتهم. أما الثانية، فترى لبنان جزءًا من مشروع إيراني إقليمي عقائدي، تتقدم فيه اعتبارات المحور والمذهب على لبنان ومؤسساته وشعبه. وهنا يكمن جوهر الخلاف.
السيادة لا تتجزأ
يقول محمد رعد إن الاستقواء بالخارج يضعف الهوية الوطنية ويقوض السيادة، وهي ملاحظة صحيحة من حيث المبدأ. لكن هل يطبق هذا المعيار على الجميع؟ فإذا كان الرهان على الولايات المتحدة أو الغرب يُعد انتقاصًا من القرار الوطني، فكيف يصبح الارتباط السياسي والعقائدي والاستراتيجي بإيران وولاية الفقيه تعبيرًا عن الوطنية؟ وإذا كان المطلوب رفض أي وصاية خارجية، فلماذا يُدان الارتهان لواشنطن، ويُبرر الارتهان لطهران اليوم ولسوريا الأسد سابقًا؟
السيادة لا تُقاس بهوية الطرف الخارجي، فالتبعية تبعية مهما كان اتجاهها، والسيادة لا تتجزأ.
الثامن من تشرين الأول: أين كانت الدولة؟
يتحدث محمد رعد مطوّلا عن السيادة الوطنية وعن رفض الارتهان للخارج. ولذلك، يصبح من المشروع أن نسأله: أين كانت الدولة اللبنانية في الثامن من تشرين الأول، عندما اتخذتم قرار إدخال لبنان في حرب إسناد غزة؟ من اتخذ القرار؟ هل اجتمع مجلس الوزراء؟ هل صوّت مجلس النواب؟ هل استُشير اللبنانيون؟ هل كانت الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار؟ أم أن القرار جاء في إطار استراتيجية إقليمية أوسع تتجاوز حدود الدولة اللبنانية ومؤسساتها؟ فإذا كانت السيادة الوطنية هي المعيار، فإن الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم هي دولة مخطوفة، وسنواجهها.
أين كان لبنان؟
يحق للبنانيين أيضًا أن يتساءلوا: أين كانت الدولة عندما أرسلتم آلاف المقاتلين إلى سوريا؟ وأين كانت عندما شاركتم في نزاعات تمتد من العراق إلى اليمن، ومن الكويت إلى البحرين والبوسنة؟
إذا كانت الهوية الوطنية تعني تقديم مصلحة لبنان على ما عداها، فأين كانت مصلحة لبنان في تلك الحروب؟ وإذا كان التعاون مع الخارج يُعتبر خروجًا على المصلحة الوطنية، فلماذا لا يُطبق المعيار نفسه عليكم وعلى إيران؟
السيادة والعدالة
يتحدث محمد رعد عن الخيانة وأعداء الوطن، لكن اللبنانيين يتساءلون أيضًا عن العدالة الغائبة في سلسلة الاغتيالات السياسية التي هزّت لبنان، من رفيق الحريري إلى جبران تويني وبيار الجميل وأنطوان غانم ووسام الحسن ومحمد شطح ولقمان سليم وغيرهم. لسنا هنا بصدد إصدار أحكام قضائية، بل بصدد طرح سؤال أساسي: كيف يمكن الحديث عن السيادة الوطنية، فيما يشعر قسم كبير من اللبنانيين أنكم غيّبتم الحقيقة والعدالة عنهم؟ فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها تعاني أزمة سيادة بقدر ما تعاني أزمة عدالة.
أي وطنية مع نظام الأسد؟
يتحدث رعد عن مقاومة التدخلات الخارجية، لكن كيف يمكن التوفيق بين هذا الخطاب والتحالف الوثيق لـ»حزب الله» وحركة أمل مع نظام الأسد؟ أي مفهوم يبرر التحالف مع نظام يعتبره كثير من اللبنانيين مسؤولا عن عقود من الإجرام، وعن السيطرة الأمنية والسياسية والاعتقالات والقمع والاغتيالات، فضلا عن نهب مقدّرات الدولة واستنزاف مواردها؟ وأي مفهوم للسيادة يسمح بتبرير الارتهان لمحور تعامل مع لبنان طوال عقود باعتباره ساحة نفوذ لا دولة مستقلة؟
لبنان الدولة
قامت الفكرة اللبنانية على الحرية والتعددية والتوازن والشراكة، لا على منطق المحاور والمشاريع العقائدية. ولهذا، يشعر كثير من اللبنانيين بأن الخطر لا يأتي من إسرائيل أو الغرب، بل من إيران ومن تحويل لبنان إلى ساحة دائمة لحروب الآخرين وصراعاتهم، سواء كانت مرتبطة بولاية الفقيه أو بنظام الأسد أو بالمشاريع العسكرية والتنظيمات التي استخدمت الأراضي اللبنانية لخدمة أجنداتها، كما حدث في مراحل مختلفة مع منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. فلبنان ليس جبهة متقدمة لإيران ولولاية فقيهها، تستخدمه في الحروب وفي المفاوضات كما تشاء، بل وطن مستقل يقرر مصيره بنفسه.
عندما يصبح ميزان القوى بديلا من العقد الوطني
يشير محمد رعد إلى مبدأ توازن القوى، لكنه يتناسى أن الأوطان لا تُبنى على موازين القوى، بل على عقد اجتماعي.
فميزان القوى متقلب بطبيعته، والتاريخ اللبناني مليء بالأمثلة على تبدلاته السريعة. لذلك، فإن الرهان على فائض القوة لفرض مشروع سياسي – عقائدي على بقية اللبنانيين ليس مشروعًا مستدامًا. فالقوة قد تمنح نفوذًا موقتًا، لكنها لا تنتج شرعية وطنية، بل تدفع الآخرين إلى البحث عن وسائل جديدة لإعادة التوازن. ولهذا، فإن الدرس الذي يفرضه التاريخ اللبناني بسيط: لا تراهنوا على القوة في مجتمع تعددي كلبنان، فالقوة لا تنتج استقرارًا. والإصرار على فرض الإرادة سيدفع الآخرين حتمًا إلى البحث عن مصادر قوة مقابلة، ما سيؤدي، في نهاية المطاف، إلى تغيير المعادلة التي تعتقدون أنها ثابتة اليوم.
الطائف والفدرالية
يلوم محمد رعد اللبنانيين الذين لا يتحمسون لتنفيذ بند إلغاء الطائفية السياسية. لكن اتفاق الطائف لم يطرح هذا البند بمعزل عن بقية بنوده، بل بوصفه جزءًا من مشروع متكامل يبدأ بقيام دولة فعلية تحتكر السلاح والقرار والسيادة. أما المطالبة بإلغاء الضمانات السياسية التي أوجدها النظام التوافقي، في ظل استمرار السلاح خارج الدولة واختلال موازين القوة، فلا تؤدي إلى بناء دولة مدنية بقدر ما تؤدي إلى تكريس هيمنة فريق واحد على بقية المكونات.
والمفارقة أن «حزب الله» وحركة «أمل» كانا من أبرز القوى التي عطّلت تطبيق اتفاق الطائف لعقود، واستخدما موازين القوة لترسيخ نفوذهما داخل الدولة، وهما يدعوان اليوم إلى تنفيذ بعض بنوده من دون الالتزام الكامل بروحيته وباقي استحقاقاته. كما أنهما، في الوقت الذي يتحدثان فيه عن إلغاء الطائفية السياسية، يتمسكان بمنظومة سياسية وعسكرية وعقائدية ذات طابع مذهبي واضح، ومرتبطة بمرجعية تتجاوز الدولة اللبنانية وحدودها.
وأعترف بأنني لم أعد أعلم ما إذا كان لا يزال ممكنا التوصل إلى تفاهم جديد حول لبنان مع من يضع أولويات المحور فوق أولويات الدولة، أو يعتبر أن السلاح يمكن أن يحل محل العقد الاجتماعي.
وفي ظل تعذّر الوصول إلى تفاهم من هذا النوع، يصبح من الطبيعي أن يبدأ اللبنانيون بالتفكير في صيغ سياسية بديلة. ومن هنا، يتصاعد النقاش حول الفدرالية بوصفها نتيجة لفشل الدولة المركزية في حماية الشراكة الوطنية، وصون حقوق المكونات الأربعة، وضمان التوازن بينها. وقد تصبح الفدرالية، بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، وسيلة للحفاظ على لبنان لا لتفكيكه، ولحماية التعددية لا لإلغائها، ولإعادة إنتاج الشراكة الوطنية على أسس أكثر استقرارًا وعدالة.
أستاذ رعد…
إذا كانت السيادة لا تتجزأ، فلنطبق هذا المبدأ على الجميع. وإذا كان الارتهان للخارج خطرًا، فلنرفضه أيًّا يكن مصدره. وإذا كان لبنان وطنًا نهائيًّا لجميع أبنائه، فلا يمكن أن يبقى قرار الحرب والسلم بيدكم وبيد إيران، وسنقاوم هذا الواقع بكل الوسائل المتاحة. لقد قدّمت في مقالك مبادئ مهمة، لكن هذه المبادئ، عند تطبيقها على تجربة «حزب الله» و»أمل» وعلاقتهما بإيران وعلى واقع الدولة اللبنانية، تقود إلى استنتاج مختلف.
فإذا كان معيار الوطنية هو حصرية السلاح بيد الدولة واستقلال القرار الوطني ورفض الارتهان للخارج، فإن كثيرًا من اللبنانيين يرون أن هذه المعايير تفرض على «الحزب» و»أمل» إعادة النظر في علاقتهما العضوية بإيران.
فالسيادة لا يمكن أن تكون انتقائية، والهوية الوطنية لا يمكن أن تُبنى على ولاء يتجاوز الوطن والدولة، والشراكة لا يمكن أن تتحقق في ظل اختلال مزمن في موازين القوة ووجود سلاح خارج الدولة.
ولهذا، فإن السؤال الذي يواجه اللبنانيين اليوم ليس كيف نحمي لبنان من الخارج فحسب، بل كيف نحميه من الداخل، من سلاحكم ومن مشروعكم. وهذه هي القضية التي تجاهلها مقالكم، وهي القضية التي ستحدد مستقبل لبنان. وكونوا على ثقة بأن اللبنانيين الأحرار سيجدون الإجابات عن هذه الأسئلة، والطريق الذي يعيد الحقوق والشراكة إلى المكونات الأربعة، ويعيد بناء لبنان على أساس العدالة والتوازن والسيادة والشراكة.
نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ.
ملاحظة
في اسفل نص المقالة التي نشرتها جريدة الأخبار لمحمد رعد وهي موضوع رد العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا الذي في أعلى/
حول الهُويّة الوطنية والسلطة والمُواطَنَة
محمد رعد/جريدة الأخبار/الخميس 18 حزيران 2026
1 – الهوية الوطنية اللبنانية
من المؤسف بشدّة أن تدفع الحروب العدوانية الإسرائيلية اللبنانيين، أو بعضهم، إلى البحث مجدّداً في معنى انتمائهم الوطني ومعايير صحته. ومن المؤسف أيضاً أن تحوّلات ميزان القوى في البلاد والمنطقة تفرض، تباعاً، تغييرات في معايير هذا الانتماء بدل أن تعزّزها وتعمّق التمسّك بها.
ويشير ذلك إلى أثر التنوّع في التركيبة اللبنانية، وإلى ضعف البرامج الحكومية وهشاشة أثرها في توسيع دائرة التشارك والتآلف بين اللبنانيين، وفي توفير قواعد ثابتة للتلاقي الوطني حول رؤية موحّدة ومتكاملة لمواجهة التحدّيات التي تطاول الجميع.
نزوع اللبنانيين عموماً إلى مواجهة التحدّيات الوطنية الكبرى من خلال الاستناد إلى مصلحة الطائفة أو المذهب أو الفريق الخاص، بمعزل عن المصلحة الوطنية العامة، من شأنه تكريس عائق إضافي يعقّد الوصول إلى تفاهم تشاركي جامع، يلحظ المخاطر والتحدّيات التي تهدّد الجميع، وتتطلّب موقفاً وطنياً متماسكاً لمواجهتها وإحباط أهدافها.
ولعلّ أحد أسباب ذلك عدم الجدّية في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، والتساهل في الالتزام الدقيق به، بما يؤدّي إلى مفاجآت غير محسوبة، تعيق تدارك التداعيات وتطويق الأضرار بالسرعة المطلوبة والآليات المُقرّرة، بدلاً من الارتباك في تحمّل مسؤولية المعالجة، واللجوء إلى التفرّد، أو إلى تشاور مع غير الممثّلين الحقيقيين للبنانيين.
وقد يكون هناك سبب آخر يكابر البعض في الإقرار به، لدواعٍ بعضها مفهوم وإن غير مُبرّر، وبعضها مُضمر وغير مسؤول، إلا أن جوهره يتمثّل في إبقاء الاختلاف حول معنى أو تطبيق ما تم الاتفاق عليه ضمن نصوص التفاهم العام. وهذا ما يتبدّى لاحقاً، ويؤكد أن التفاهم لم يكن دقيقاً أو كاملاً، أو أن المطلوب حين تمّ التفاهم أن يبقى الأمر مُبهماً إلى زمن آخر.
وأبرز مثال على ذلك، الخلاف القائم اليوم حول فهم نصّين واردين في وثيقة الوفاق الوطني: الأول، متعلّق بتحرير البلاد من الاحتلال الإسرائيلي وما يتضمّنه من لفظ ومعنى وسياق قانوني وتطبيقي، والثاني، متصل بتشكيل الهيئة الوطنية العليا لإلغاء الطائفية السياسية.
ومن المفارقات المؤسفة أن تتراجع العدائية تجاه الكيان الصهيوني العنصري، رغم وضوح تهديده الوجودي – وليس السياسي فقط – للبنان بتنوّعه الطائفي، ورغم احتلاله أجزاءً من الأرض اللبنانية، لا نتيجة مستجدّ في كيان العدو يشجّع على توقّع سلم أو أمن مُستدام للبنان، بل في سياق الاستقواء به ضد مكوّن لبناني آخر، منافس في العمل السياسي أو في النفوذ الشعبي أو في دوره وتأثيره في الحكومة والسلطة. وبدافع فئوي نفعي، يتوسّل هؤلاء بالنجاسة نكاية بالطهارة، ويتبرّعون بالخدمات للعدو المُهدِّد للبنان واللبنانيين لتنفيس حقدهم، وينتصرون لمصلحته الفئوية على حساب المصلحة الوطنية.
والأنكى أن يذهب هذا النهج إلى حدّ التماهي مع سياسات الداعمين الدوليين للاحتلال والإرهاب الإسرائيلي، والتلطّي بنفوذ هؤلاء الداعمين لترويج فكرة أن مصلحة لبنان قد تكمن في الاستسلام أو القبول بشروط العدو، حتى لا يغضب منّا داعمه الأميركي. وإن بلداً تُقدّر مصلحته الوطنية تبعاً لرضى أو غضب هذا النافذ أو ذاك، بعيداً عن حقه وحق أبنائه في تحرير أرضهم وسيادتهم, من المُستبعد جداً أن تستقر لدى مواطنيه الهوية الوطنية التي تستحق التضحية والصمود.
اعتورت اتفاق الطائف مجموعة نواقص وتضمّنت نصوصه مجموعة مواربات
وفي المحصّلة، فإن أخطر ما يواجه لبنان وكشفته الحرب العدوانية الصهيونية ضده، أن يستبدله بعض مواطنيه برصيف ينتظرون عليه عروض وبضائع سفن أجنبية عابرة، أو مواعيد ارتحال إلى أوطان تَمنح، في أحسن الأحوال، من يزهدون في الدفاع عن سيادة وكرامة وطنهم، فرصة عيش لا معنى للحياة فيها من دون هوية وطنية تجسّد انتماء حقيقياً إلى أرضهم وشعبهم ودولتهم.
2 – لبنان وطن وليس وجهة نظر
المُتتبِّع لأداء السلطة في لبنان منذ أسعفها الحظ وتسنَّمت مقاليد حكم البلاد، يلاحظ جملة من المسائل المرتبطة بآلية تسلّم السلطة، وبنمط من الأداء، سواء في مقاربة العلاقات الخارجية أو في إدارة الشؤون الداخلية. وهو أداء غير خاضع لضوابط الدستور ومعاييره غالباً، بقدر ما يستقوي بتدخّلات خارجية غير خافية، إن لم نقل إنها محلّ ترحيب واعتزاز، مروراً بخطاب فظّ تارةً، واستعلائي متوتر، ظاهره الجمع وباطنه التفرّد، ومتدثّر بالوطنية شكلاً ومشدوهاً برعاية الخارج ضمناً.
والأمثلة على ذلك كثيرة، لا حاجة إلى استعراضها، إذ يكفي المواطنَ معيارٌ واحدٌ للحكم على حسن النية أو الأداء أو الخطاب السلطوي: ما مدى تماهي هذا الأداء أو اقترابه أو خدمته، بشكل مباشر أو غير مباشر، للمشروع الإسرائيلي المعادي، وما يهدف إليه من احتواء ابتدائي للبنان عبر تعزيز اتجاه سياسي داخلي يسعى إلى إنهاء حالة العداء مع الاحتلال وأطماعه، والتأسيس لإجراءات ميدانية تُضعِف الرافضين لمهادنة العدو والتصالح معه، وتشكّك في مشروعية وجدوى الجهود المناهضة والمقاومة للعدوانية الإسرائيلية؟ ويتمّ ذلك عبر التنسيق والانصياع لتعليمات الخارج الراعي للعدو الصهيوني وكيانه الغاصب والتوسّعي، أو اللاهث وراء مُصالحته وتطبيع العلاقات معه على حساب الثوابت والمبادئ والالتزامات القيمية والقانونية وحتى المصلحية.
ولأنّ المواطنين يمتلكون هذا المعيار في تقييم المواقف والإجراءات، لم يعد سهلاً على السلطة تمرير ما تستبطنه من التزامات وقناعات وافدة، بل تجد نفسها في حالة مُساءلة دائمة وتحذير واعتراض، وصولاً إلى العزلة عن المواطنين واتّساع الفجوة معهم.
ووسط كرّ السلطة وفرّها، يطفو على سطح النقاش العام سؤال جوهري حول السيادة الوطنية: هل هي مبدأ قانوني ومحوري في تأسيس الأوطان، أم أنها مجرّد وجهة نظر قابلة للتبدّل تبعاً للظروف الداخلية والخارجية؟
ومن هذا السؤال يتفرّع سؤال آخر حول مفهوم الخيانة ومنزلقاتها: هل هي فعل جرميّ أم ممارسة استنسابية تعبّر عن وجهة نظر مُعتمدة من بعض أفراد أو جماعات في البلاد؟ وتتوالى بعد ذلك الأسئلة التي تطاول بنية الوطن وتكوينه، والثوابت التي يقوم عليها، والضوابط التي ينبغي أن تحكم سلوك جميع مكوّناته.
غير أنّ مفهوم السيادة الوطنية يبقى المفهوم الحاكم الذي تستند إليه سائر المفاهيم والثوابت الضرورية لقيام وتمايز الأوطان. فالبلد المنقوص السيادة ليس آمناً لأبنائه، ولا ملاذاً لمجتمعهم، ولا منطلقاً لتحقيق أحلامهم ومستقبلهم. ذلك أن هذا البلد بلد متسامح مع الخونة، والتسامح مع الخونة تقويض لبناء الوطن وهدم لقواعد هيكله وأُسس طبقاته.
وعندما تُعامل الخيانة كوجهة نظر، فإن ذلك يعني عملياً تقويضاً لمفهوم السيادة نفسه. فلا ادّعاء حماية البلاد تلفيقاً وانهزاماً يُبرِّر الخيانة والخضوع للأعداء. ولا الاحتماء بالذئب الأميركي حامي وراعي العدو الصهيوني وطلب النجدة منه يحميان السيادة الوطنية.
وحده الحرص على التفاهم الوطني، وحفظ وحدة المصير الوطني، واعتماد الشراكة الوطنية، بدل الإقصاء والتهميش، هو ما يعزّز السيادة الوطنية ويوحّد اللبنانيين لحماية بلدهم من العدوان الخارجي، ومن التدخّلات والاستقطابات الخارجية الطامعة.
3 – نحو وطنية دون تدليس
لا يخفى على أحد أن السلوك السياسي للقوى غير المقاومة، أو غير المؤيّدة لمقاومة الاحتلال الصهيوني وعدوانيته المتوحّشة، تحكمه رؤية ومنطلقات فكرية وسياسية ومصلحية ترسم الحدود والضوابط للخطاب والأداء فضلاً عن التحليل والموقف. ولا يختلف أحد أيضاً، أن مصلحة لبنان الوطن ينحصر تحقّقها بأعلى مستوى ممكن، إذا ما تفاهم اللبنانيون مع بعضهم وتوافقوا على المبادئ والأهداف والحدود والآليات والمعايير التي يضمن الالتزام بها قيام لبنان الذي يريده ويدافع عنه كل اللبنانيين.
في التسويات مع الخصوم، قد يصلح إظهار بعض النوايا وإخفاء بعضها الآخر، أو استخدام المواربة في التعابير. أمّا في بحث موضوع الوطن والميثاق الوطني الذي يُترجِم العقد الاجتماعي والسياسي والفكري والسلوكي للمواطنين، فالصراحة وصدق الالتزام هما دعامتا الوصول إلى توافق وطني جدّي، يعزّز مصداقيته أن يحصل في ظل توازن في ميزان القوى بين المتفاهمين، وأن تتحدّد بالنص والشكل والمضمون الثوابت والمبادئ والأسس الحاكمة في آليات حياة المواطنين وضمان انتظامها.
لقد مثّل الطائف نموذجاً متقدّماً في مسار الوفاق الوطني المنشود، إلّا أن مجموعة نواقص اعتورته ومجموعة مواربات تضمّنتها نصوصه، فتسلّلت عبر المجموعتين مكائد المتربّصين بتوافق اللبنانيين، وعملت على توسيع الخلافات. وعاونها الأداء الاستنسابي للسلطة في بعض – أو كثير من – الأحيان وطغت موجة إدارة الخلاف على حساب قاعدة تثبيت الوفاق، فأمضى اللبنانيون سنوات من الاستقرار المشوب بالمُنغِّصات لبعضهم دون بعضهم الآخر، من دون أن يكترث المعنيون النافذون في البلاد، من سلطة وغيرها، للمخاطر المُهدِّدة للدولة والمجتمع والوطن.
ومن أسف شديد أن السلطة كلها حيناً، وبعضها حيناً آخر، أذعنت بحكم اختلاف مكوّناتها لتوسعة مساحة تدخّل النافذين في إدارة شؤون البلاد تبعاً للمصالح الخاصة أو الاستنسابية، مستفيدين من حجم اتّساع التباين بين أهل السلطة أنفسهم، وبين المكوّنات السياسيّة اللبنانيّة.
ولعل المواربة التي اعتُمدت في تحديد هوية لبنان، بشكل عام وغير مُحكم، وتعمُّد إسنادها إلى الغموض والعمومية في التعريف والانتماء، أفسحا المجال أمام المتضرّرين من صيغة الوفاق وغير المقتنعين بمضمونه أساساً، للاستفادة من تغيّر موازين القوى الإقليمية والدولية، وتجيير ذلك لمصلحتهم الفئوية على حساب مصلحة الوطن، وبدأت رحلة العودة إلى الافتراق والتخاصم والاستقواء بالخارج على حساب البلاد واستقرارها ووحدة شعبها.
اليوم لا نجانب الحقيقة إذا قرأنا تباينات لدى مكوّنات اللبنانيين حول مفهومهم الوطني، أو هويتهم الوطنية، أو العلاقات التي ينبغي أن يلتزمها لبنان الرسمي والشعبي مع الدول والبلدان الأخرى، وما هي مقاييسهم لصوابية الحرص أو النفور إزاء هذه العلاقة أو تلك.
بين أن تصبح إسرائيل صديقاً مُحتملاً، أو أن تسقط أوجه الشبه بين بعض اللبنانيين وبعضهم الآخر، لا تغدو المشكلة في لبنان مشكلة خلاف حول شكل السلطة ولا حول الحكومة وطريقة تسيير وزاراتها إدارياً.
المشكلة تظهر أعمق بكثير من ذلك… إنها مشكلة هوية وطنية مُلتبسة، يصبح معها الوطن مُلتبساً والدولة أكثر التباساً.
اللبنانيون، ونحن منهم، معنيون بمعالجة هذا الالتباس بشكل كلّي وصحيح، قبل أن يعالجوا أي مسألة أخرى.
ليس مناسباً بعد، التدليس على اللبنانيين وعلى العالم من حولنا. فأياً تكن الخلافات حادّة بين المنتمين إلى وطن واحد، لن يقتنع أحد أن حدّة الخلافات الداخلية تدفع فريقاً أو فريقين من اللبنانيين ليتواطآ فعلاً وتوجّهاً مع عدو الوطن ضد الفريق الذي يختلفان معه في الداخل.
هذا المشهد وحده يكفي لإعادة النظر في الكثير من المسائل التصالحية التي حصلت، وفي الأسس التي يجري في ضوئها – ولو شكلاً وانتقاءً – تسيير أمور البلاد.
الموضوع خطير وأكبر مما يتصوّره البعض. واللحظة تستدعي شحذ الهمم من العقلاء في كل الطوائف والمذاهب والفرقاء لترميم الصدع الكبير الذي عاد للظهور مجدّداً في هذا الوطن.
دافعنا الوطني يدعونا إلى إثارة هذه المعضلة التي لا تقبل استخفافاً ولا تباطؤاً ولا تفرّداً.
وبجرأة نقول: لا نحتاج إلى تدخّل خارجي، ولا إلى وصاية أيضاً. وبالجرأة نفسها: ننتهز الفرص من بعض التطورات السياسية من حولنا لتعزيز هويتنا الوطنية التي نميّز في ضوئها بين الأصدقاء الحقيقيين وغيرهم، وبين من يحترم هويتنا ويتعامل معنا وفق مشتركاته معها، ومن يتعامل مع وطننا على أنه سلعة للاستخدام ولتحقيق بعض مصالحه، ولو على حساب الوطن والمصلحة الوطنية لبلدنا.
* رئيس كتلة الوفاء للمقاومة