حين يحاكي نتنياهو فكر سعيد عقل والجبهة اللبنانيّة
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/27 أيلول/2026
في هذا المقال، لست بصدد التمجيد بخطاب رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو الأخير في الأمم المتّحدة، بل التباهي بمواقف معاصرين لنا؛ منظّرين ومفكّرين ومناضلين في سبيل الهويّة والانتماء اللبنانيَّين.
أوّل ما استوقفني في الخطاب هو أنّ نتنياهو يعيش أحداث الشرق الأوسط بأدقّ تفاصيلها، من الاعتداء على جندي إسرائيلي في “يهودا والسامرة” إلى الحرب مع إيران، بينما العرب والفلسطينيون والتركي توقّف بهم الزمن عند حلّ الدولتين قبل ثمانين عامًا! أمّا رئيس حكومة لبنان المحتل، فأسطوانته عالقة على نغمة “حصريّة السلاح” و”القرار بيد الدولة” و”تراجع إسرائيل إلى خلف حدودها المعترف بها دوليًّا”، ولا أعرف إذا كان يُدرك أنّه، بهذه الأخيرة، يعترف بحدود دولة إسرائيل، لا بل يعترف بإسرائيل.
توافق أو لا توافق على رأيي، لكنّي قرأت في خطاب نتنياهو معالم الشرق الأوسط الجديد؛ هو لم يعد يذكر تسمية “الضفّة الغربيّة”، بل أعادها إلى تسميتها التوراتيّة والسياسيّة الإسرائيليّة: “يهودا والسامرة”. هو تكلّم عن حزب الله، عن صواريخه، عن قادته وعن نصر الله، لكنّه لم يحتج حتّى إلى لفظ اسم لبنان الذي يخوض معه مفاوضات مباشرة. لا بل، وهذا أصوب، لم يأتِ على لفظ كلمة “سلام” في كلّ خطابه إلّا مرّة واحدة، وعرضًا، في حين أنّنا هنا لا نزال نتلهّى بما إذا كان اتّفاق الإطار “ماشي أو مش ماشي”، وبمقالة تافهة كتبها أحد مستشاري القصر. ومن الدول العربيّة، لم يخصّ نتنياهو بالذكر إلّا قطر التي اتّهمها برعاية حماس وبتمويل المعادين للساميّة، في الجامعات ووسائل الإعلام والتواصل.
فهل ما سبق يعني أنّ الضفّة الغربيّة ستقع تحت حكم إسرائيل، ووداعًا لحلّ الدولتين!؟ وأنّ لبنان غير موجود ولا داعي للسلام معه بـ”إطار” أو من “دون إطار”!؟ وهل يلمّح نتنياهو إلى أنّ الحساب مع قطر، “المحرّضة على كره إسرائيل”، لم ينتهِ!؟ وماذا عن تجاهله باقي الدول العربيّة!؟
أحزنني الخطاب، وفي الوقت نفسه زاد فخري بقضيّتي اللبنانيّة القائمة على فكر مسيحي يميني.
من دواعي فخري أنّ خطاب نتنياهو ذكّرني، طيلة أربعين دقيقة، بمواقف شخصيّات مسيحيّة من الجبهة اللبنانيّة دافعت عن لبنان إبّان حرب الـ1975. ومن دواعي حزني أنّ مواقف نتنياهو نفسها، حين كانت تصدر عن جماعتنا منذ نصف قرن، كانت تبعث الأمل بولادة لبنان جديد. أمّا صدورها بالأمس على لسان نتنياهو من على منبر الأمم المتّحدة، فقد يعني نهاية حلمنا، إذ لا أحد اليوم في لبنان يلاقي نتنياهو في هذا الفكر، لا سيّما المسيحيون!!
تمحور خطاب نتنياهو حول عنوان أساسي وثلاثة عناوين فرعيّة:
الأساسي: “سننتصر، فلا خيار آخر أمامنا”؛ لازمة تكرّرت في الخطاب، من بدايته إلى خاتمته، أكثر من عشر مرّات.
الفرعيّة: وجود دولة إسرائيل واليهود. معاداة الساميّة والتضليل الإعلامي. التشبّث بالحقيقة.
ألا تذكّركم هذه العناوين بمثلها على ألسنة سعيد عقل وبشير وأبو أرز والأباتي قسيس!؟ يكفي، لتتذكّروا، أن تستبدلوا فيها عبارة “دولة إسرائيل واليهود” بعبارة “دولة لبنان والمسيحيين”، و”معاداة الساميّة” بـ”عزل الموارنة”.
حين تكلّم نتنياهو عن أنّ حروب الشرق الأوسط خيضت من العرب ضدّ إسرائيل لحرمان اليهود من دولة لا تتجاوز مساحتها “ثلث الواحد بالمئة” من مساحة الدول العربيّة، ذكّرني بسعيد عقل حين قال قبل ثلاثة عقود من الزمن: “منع هجرة اليهود إلى فلسطين كان يجب أن يأخذ طابع «قتال بين الفلسطينيين والأغراب» وليس «حربًا بين العرب واليهود»! فمقاتلة اليهود كعرب مجتمعين هي سقطة، إذ استجلبت التضامن والعطف على اليهود نظرًا لعدم توازن حجمهم مع حجم العرب. فاليهود (الكلام دائمًا لسعيد عقل) عددهم في فلسطين 5 ملايين، والأرض التي يسعون إليها لا تتجاوز مساحتها الـ30 ألف كلم²، بينما عدد العرب 260 مليون نسمة، ومساحة أراضيهم 12 مليون كلم²!” وأضاف: “والحال هذه، فلماذا الدول العربيّة لا تعطي بقعة أرض للفلسطينيين ليعيشوا فيها، كونهم جميعهم أمّة عربيّة مسلمة واحدة، وبيت الإسلام في مكّة وليس في فلسطين!!؟”
وحين سخر نتنياهو من الذين ينتقدون اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفّة الغربيّة، ويتجاهلون عشرات الأعمال الإرهابيّة التي يتعرّض لها اليهود في إسرائيل والعالم، ذكّرني كيف تمكّنت المنظّمات الفلسطينيّة واليسار اللبناني من إيهام العالم، خلال حرب الـ1975، بأنّ المسيحيين هم الذين يعتدون عليهم وليس العكس. يومها وقف الأباتي شربل قسيس من قلب الجبهة اللبنانيّة ليقول لكلّ العالم الذي صدّق الرواية الفلسطينيّة: “في البداية لم يُقتل فلسطيني واحد في مخيّمه، بل كلّهم قُتلوا على أبوابنا، ولم يكونوا حاملين باقة ورد، بل كلاشينكوف!”
وبعدما أمعن الفلسطينيون واليسار في تضخيم مجزرة صبرا وشاتيلا لتشويه سمعة القوّات اللبنانيّة، وفي الوقت نفسه للتغطية على كلّ الجرائم والمجازر التي ارتكبوها بحقّ المسيحيين طيلة الحرب في لبنان، يومها، وبعد تضارب المعلومات حول المجزرة وتنكّر الجميع لها، وقف رجل واحد ليسأل العالم أجمع: “لماذا كلّ هذه الضجّة حول صبرا وشاتيلا، ولم نسمع صوتكم على سقوط 100 ألف لبناني بسبب الحرب التي افتعلها الفلسطيني على أرضنا!؟” هذا الرجل اسمه أبو أرز.
أمّا عنوان “التشبّث بالحقيقة”، الذي استخدمه نتنياهو للإشارة إلى الدور السلبي الذي لعبه الإعلام ووسائل التواصل للتحريض على إسرائيل وتشويه سمعتها، فذكّرني فورًا بشعار الرئيس بشير الجميّل حين قال: “جيت أطلب منكن تقولوا الحقيقة قد ما كانت صعبي”. لا أحد منكم لا يعرف هذا الشعار، لكن قد يغيب عن البعض أين اختار بشير أن يُطلق هذا الشعار؛ فقد أطلقه في زيارته لتلفزيون لبنان، وأمام الإعلاميين، بعد انتخابه رئيسًا. لماذا هناك؟ لشدّة ما عانت الجبهة اللبنانيّة لتقنع الإعلام العالمي بحقيقة أنّنا ندافع عن وجودنا الحرّ في هذا الشرق في وجه بربريين يُتقنون التلاعب بالميديا، ويطمحون إلى رمينا في البحر، “ولم يكن لدينا خيار سوى الانتصار”.
قد أبالغ إذا قلت، بعد هذا العرض، إنّ نتنياهو استعار من فكر الجبهة اللبنانيّة أو نقل عن بعض رجالاتها، لكنّ المؤكّد أنّ الخطابين وُلدا من إحساس متشابه بالخطر الوجودي، فتطبّع الفكر الوجودي بين الاثنين في المأساة قبل أن يتطبّع في السلام.
وهل مقاربتي اليوم تعني أنّ هذا التطبيع لا يزال قائمًا؟
لا.
فالفارق شاسع اليوم بيننا وبينهم، وهذا أيضًا يمكننا استخلاصه من قوّة خطاب نتنياهو، بالرغم من أنّ لا شيء جديدًا فيه؛ فقوّته متأتّية من إلمام صاحبه بتاريخ شعبه وبلاده عبر ثلاثة آلاف عام إلى الوراء، بينما زعماؤنا انفصلوا عن تاريخنا المعاصر القريب، لا بل ساهموا ويساهمون في تشويهه، وقد غلبتهم الدعايات المُفبركة من اليسار والملالي، فصدّقوا أنّنا عرب، وأنّ شعب لبنان الأصلي هم الشيعة، وأنّ إسرائيل هي عدو.
المسيحيون في لبنان اليوم لديهم كنيسة، ولديهم أحزاب، وهم في السلطة، لكنّهم ضيّعوا إرث الجبهة اللبنانيّة، وما عادوا يشعرون بالأزمة الوجوديّة الطارئة، وينقصهم روّاد فكر بمستوى سعيد عقل، الذي، وللأسف، لا يعرفون عنه سوى أنّه يومًا حمل قنديلًا وصار يبحث عن “حبّة تراب تكره الجنرال”، فسخّفوا الفكرة وتجاهلوا أنّ الجنرال حينها كان يتكلّم “لبناني”.
(كلّ الاستشهادات في هذا المقال سوف أنشرها لاحقّا بالصوت والصورة)
**لقراءة مقالات ومشاهدة مقابلات الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري المنشورة على موقعنا اضغط هنا
**To read articles and watch interviews by writer and director Youssef Y. El Khoury published on this Website The LCCC Click Here



















