لبنان و”العيش داخل الكذبة”
العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا/نداء الوطن/04 أيلول/2026
المشكلة في لبنان ليست فقط أننا لم نجد بعد الاستراتيجية التي تقودنا إلى الخروج من أزمتنا، بل أننا ما زلنا نختلف حول حقيقة الأزمة نفسها. نحاول معالجة واقع متغيّر بأدوات سياسية ولغة ومفاهيم تنتمي إلى واقع لم يعد موجودًا. وعندما يكون التشخيص خاطئًا، تصبح حتى أكثر الاستراتيجيات المنطقية عاجزة عن الوصول إلى النتيجة المطلوبة. لذلك، قبل أن نسأل ماذا يجب أن نفعل، علينا أن نمتلك الشجاعة لنسأل: هل ما زلنا نرى لبنان كما هو فعلا، أم كما اعتدنا أن نتخيله ونصفه؟
في هذا المجال تحديدًا تتجسّد فكرة فاتسلاف هافل في “قوة المستضعفين”: نظام يستمر ليس لأنه يقنع الناس، بل لأن الجميع يتصرفون كما لو أنهم يصدقون الرواية التي يُطلب منهم تصديقها. بائع الخضار عند هافل يضع شعارًا سياسيًا في واجهة متجره، رغم أنه قد لا يؤمن به. الجميع يعرف ذلك، وهو يعرف أن الجميع يعرف، ومع ذلك تبقى اللافتة معلّقة. فوظيفة الشعار ليست الإقناع، بل الامتثال، ليس أن نؤمن بالكذبة، بل أن نتصرف كما لو أنها حقيقة.
ولعل هذه الفكرة تلامس لبنان بصورة مؤلمة. فمنذ عقود نرفع شعارات مثل “الوحدة الوطنية” و”السيادة” و”الدولة الواحدة” و”القرار الواحد”، ثم نعود إلى واقع يناقضها يوميًا. المشكلة في أننا نتعامل مع هذه الشعارات كأنها تصف واقعًا قائمًا، فيما الوقائع تقول شيئًا آخر.
والمسألة لا تتعلق بالشعارات وحدها، بل بأفعال وقدرات وخطاب القوى السياسية. وحين ينتقل خطاب إيران- “حزب الله”- “أمل” من مجرد التعبير عن موقف سياسي إلى تعبئة جمهوره استعدادًا لفرض أمر واقع بالقوة في الداخل، فلا يعود من الحكمة التعامل معه على أنه مجرد خطاب سياسي يمكن تجاهله. فالخطاب، عندما يصدر عن جهة تمتلك القدرة على تحويله إلى فعل، يصبح جزءًا من الواقع السياسي نفسه، ويصبح تجاهله نوعًا من إنكار هذا الواقع.
وليس من الحكمة، في المقابل، أن نجعل هدفنا إقناع هذا المحور بتغيير رؤيته عبر المزيد من الجدال. وكما يقول المثل: “الآراء مثل المسامير، كلما طرقت عليها أكثر، دخلت أعمق”. لسنا بحاجة إلى حرب آراء، ولا إلى استنزاف أنفسنا في معركة خطابية. ما نحتاجه هو أن نغيّر الواقع الذي يجعل هذه الآراء قادرة على فرض نفسها كأمر واقع.
في المقابل، تقف الدولة أمام مأزق حقيقي: إذا تحركت اصطدمت بموازين قوى لا تستطيع تجاهلها، وإذا لم تتحرك اتُّهمت بالعجز. وهذا يكشف أن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في نظام سياسي أثبت لعقود محدوديته في إنتاج دولة قادرة على ممارسة صلاحياتها بصورة مستقرة.
وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء التوازن السياسي والاجتماعي والأمني، بدءًا من تفاهمات داخلية متينة، وفي مقدّمها الوحدة المسيحية- الدرزية، بوصفها نقطة ارتكاز لإعادة فتح الباب أمام تحالف أوسع يضم كل لبناني يرى أن المعيار يجب أن يكون المشروع السياسي، وأن الشراكة وحق اللبنانيين في تقرير مستقبلهم بحرية يجب أن يكونا أساس اللعبة السياسية الجديدة. فالهدف هو بناء نظام سياسي يضمن لكل مكوّن لبناني حقه في أن يعيش وفق خياراته وقناعاته، ضمن دولة تحمي هذا التنوع وتمنع تحويل أي رؤية خاصة إلى أمر مفروض على الآخرين.
ومن هنا يمكن فتح النقاش حول الفدرالية أو أي صيغة أخرى تعيد توزيع السلطة وتحمي التعدد وتخفف الصراع الدائم على المركز. ليس المطلوب افتراض أن هناك صيغة واحدة جاهزة، بل الاعتراف بأن الصيغة الحالية عجزت عن إدارة التنوع.
ولا ينبغي أن نخدع أنفسنا: أي تغيير حقيقي في بنية النظام السياسي وموازين القوى سيواجه مقاومة سياسية وأمنية من القوى المستفيدة من الوضع القائم. لكن الخوف من المقاومة لا يمكن أن يكون استراتيجية، كما أن رفض البحث عن البدائل بحجة أنها قد تثير مواجهة لا يعني أننا نتجنب المواجهة، بل يعني أننا نترك الآخرين يحددون شكلها وتوقيتها وشروطها. المطلوب ليس الذهاب إلى الصدام، بل امتلاك القدرة على منعه، عبر بناء تفاهمات متينة، وفي مقدمها التفاهم المسيحي- الدرزي، وإعادة تكوين ميزان قوى يجعل فرض الأمر الواقع على أي مكوّن لبناني أكثر صعوبة، ويفتح في الوقت نفسه الباب أمام صيغة سياسية جديدة تقوم على الشراكة الفعلية، لا على التعايش القسري تحت سقف موازين قوى مختلة.
اِنْتَظِمُوا.
*نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار
*الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ