The flag of Lebanon pinned on the map. Horizontal orientation. Macro photography.
أي جبهة وطنية؟ لبنان أولا العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا/نداء الوطن/24 أيلول/2026
بعد الاستماع إلى خطاب “الجبهة الوطنية” في مؤتمرها المنعقد السبت 12 أيلول 2026، لا بد من التوقف عند الشعارات التي وُجّهت إلى اللبنانيين، ومناقشة أي مفهوم للوطنية يُراد طرحه اليوم.
يبدو أن المتحدثين ما زالوا يعيشون في زمن الناصرية والبعثية والعرفاتية والأسدية، وفي زمن القومية العربية التي اختزلت الشعوب في شعارات كبرى، ورفعت عناوين الوحدة والتحرير والمقاومة، قبل أن تنتهي عمليًا إلى مصادرة القرار الوطني ووضع لبنان في خدمة قضايا الآخرين.
لكن ذلك الزمن انتهى. انتهى زمن احتكار الحقيقة والوصاية على الناس، وانتهى زمن تحويل المشاعر إلى أدوات لإخضاع المجتمع ومصادرة خياراته. ولفهم طبيعة هذا الخطاب، من المفيد التوقف عند أفكار سيرج تشاخوتين، صاحب كتاب Le Viol des foules par la propagande politique، الذي تناول فيه قدرة الخطاب السياسي على توظيف العاطفة والخوف والرموز والتكرار، وتحويل الموقف السياسي إلى قناعة، والقناعة إلى سلوك، والسلوك إلى واقع.وهذه الآليات لم تكن غريبة عن التجربة اللبنانية طوال عقود. فقد قيل لنا إن تغيير النظام مستحيل، وإن المطالبة بالسيادة تهدد السلم الأهلي، وإن إعادة النظر في تركيبة الدولة تعني الحرب، وإن المطالبة بحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة ليست سوى فتنة تقود إلى حرب أهلية.
وهكذا تحولت الخيارات إلى محظورات، والخوف من الماضي إلى أداة لمنع اللبنانيين من التفكير في المستقبل.
من هنا، فإن السؤال ليس فقط: من يشكّل جبهة وطنية؟ بل: أي وطنية نقصد؟
هل هي وطنية تضع لبنان أولا، وتؤمن بأن لا حزب ولا محور ولا دولة خارجية يملك حق تقرير مصير اللبنانيين؟
أم هي جبهة تعيد إنتاج الاصطفافات القديمة، وتطلب من اللبنانيين أن يتوحدوا خلف شعارات تتجاوز لبنان، من إيران إلى البوسنة والعراق وسوريا واليمن والبحرين وجنوب السعودية، بينما يُترك الوطن مرة أخرى رهينةً لصراعات المنطقة؟
لقد سمعناكم بوضوح. والآن اسمعونا: لكم جبهتكم، ولنا جبهتنا. لكم نصرة غزة وطهران، ولنا نصرة لبنان ومستقبله. لكم آيات الله وعرفات، ولنا لبنان الذي نريده: لبنانًا سيدًا، شريكًا بين جماعاته، وقادرًا على حماية تعدده.
لكم محاوركم، ولنا جبهة الجبل. لكن جبهة الجبل التي نقصدها ليست جبهة طائفة في مواجهة طوائف، ولا مشروعًا مسيحيًا- درزيًا مغلقًا، بل نقطة انطلاق لمشروع وطني أوسع، تشكّل فيه الوحدة المسيحية- الدرزية قاعدة، ننطلق منها إلى كل السنّة والشيعة الأحرار، وإلى كل لبناني يريد دولة تحميه ولا تستخدمه.
نريد لبنانًا تستطيع فيه كل جماعة أن تحقّق تطلعاتها، وتحافظ على ثقافتها وطريقة عيشها، وتبني مستقبلها، من دون أن تفرض إرادتها على الآخرين أو تخضع لإرادة جماعة أخرى.
لبنان الذي نريده ليس لبنانًا تفرض فيه طائفة على الطوائف الثلاث الأخرى ارتباطاتها الخارجية. وليس لبنانًا تُطلب فيه من جماعة أن تتخلى عن هويتها أو ثقافتها أو طريقة عيشها كي تشعر جماعة أخرى بالأمان.
هذه هي الشراكة الحقيقية. أن يشعر كل لبناني بأن وطنه يحميه، وأن دولته تمثّله، وأن حقوقه مصانة.
والشراكة الحقيقية لا تعني أن نقبل باستمرار نظام أثبت عجزه عن تأمين الأمن والاستقرار والسيادة والحكم الرشيد. كما لا تعني أن نؤجل البحث في جذور الأزمة كلما ارتفعت نبرة التهديد.
لقد آن الأوان لفتح نقاش جدي وصريح حول شكل الدولة والنظام السياسي: نظام اتحادي يقرّب القرار من المواطن، ويعزز المساءلة، ويحمي التعددية، ويمنح المجتمعات المحلية قدرة أكبر على إدارة شؤونها، ضمن دولة لبنانية واحدة، سيّدة ومستقلة.
الفدرالية التي نطرحها هي محاولة لبناء دولة تستطيع حماية وحدتها من خلال الاعتراف بتعدد مجتمعها، بدل الاستمرار في فرض مركزية أثبتت التجربة عجزها عن إدارة هذا التعدد.
والمطلوب اليوم ليس مجرد شعار قديم-جديد فارغ، كالجبهة الوطنية، بل مؤتمر حوار وطني حقيقي لإنتاج رؤية جديدة للبنان، حوار يبدأ بالاعتراف بأن اللبنانيين قادرون على صناعة بديل أفضل، وأنه لا يمكننا أن ننتظر الخارج ليصنع لبنان الذي نريده. وإذا لم تبادر السلطة إلى هذا الحوار، فعلى القوى السياسية والمجتمع المدني واللبنانيين المؤمنين بالسيادة أن يتحركوا وينتظموا، وأن يبادروا إلى عقد حوار وطني يفضي إلى عقد اجتماعي جديد، وإلى نظام سياسي يُحَصِّن هذا العقد. لبنان أولا. انتظموا. *نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار *الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ