web analytics
Home تعليقات ومقالات مميزة بيار مارون: لبنان لا يُنقذه أحد — لكنه يستطيع أن ينقذ نفسه

بيار مارون: لبنان لا يُنقذه أحد — لكنه يستطيع أن ينقذ نفسه

5
Screenshot

لبنان لا يُنقذه أحد — لكنه يستطيع أن ينقذ نفسه
بيار مارون/29 حزيران/2026
منذ عام 2006، ورغم تغيّر الإدارات، بقي جوهر المقاربة الأميركية تجاه لبنان ثابتاً إلى حد بعيد: فلبنان نادراً ما كان أولوية مستقلة في واشنطن، بل جرت مقاربته غالباً ضمن ملف أوسع يشمل إيران وحزب الله وأمن إسرائيل والاستقرار الإقليمي. ومع إدارة ترامب ازدادت هذه المقاربة حدّة، من خلال عقوبات أقسى على حزب الله وشبكاته، وتماهٍ أوضح مع الأولويات الأمنية الإسرائيلية، وربط أكثر صرامة بين المساعدات والإصلاح واستعادة سلطة الدولة.
الرهان على الخارج بوصفه «منقذاً» خطأ تاريخي متكرر. فالخارج يغيّر موازين القوى ويفتح نوافذ، لكنه لا يبني دولة مكان اللبنانيين.
ظهر ذلك في التفاهم الأميركي–الإيراني في حزيران 2026: تأثر لبنان بمضمونه ونتائجه، من دون أن يكون طرفاً في التفاوض عليه. ثم جاء اتفاق الإطار مع إسرائيل، بوساطة أميركية، ليغيّر موقع لبنان في المعادلة: دخل المفاوضات باسمه، ووقّع بصفته دولة ذات سيادة.
لكن الجلوس إلى الطاولة لا يعني استعادة السيادة، والتوقيع لا يعني امتلاك القدرة على التنفيذ.
اتفاق يختبر، لا ينقذ
يرسم الاتفاق مساراً تدريجياً يقوم على انتشار الجيش اللبناني بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي مرحلي، ويربط الانسحاب الكامل وإعادة الإعمار بحصر السلاح بيد الدولة.
وتشير المعطيات المعلنة إلى دور مباشر للقيادة المركزية الأميركية، «سنتكوم»، في آلية للتنسيق وفضّ الاشتباك ومراقبة التنفيذ، قد تتخذ طابع غرفة عمليات مشتركة في الجنوب إذا استُكملت ترتيباتها. ومن شأن هذه الآلية متابعة الخروقات، والتنسيق بين الأطراف، والتحقق من الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، والحد من احتمالات سوء التقدير والتصعيد.
لكن هذا الدور لا يعني أن الجيش الأميركي سيتولى فرض سلطة الدولة ميدانياً، أو أن قوات أميركية ستحل مكان الجيش اللبناني. فالمسؤولية الأمنية والسيادية تبقى للمؤسسات اللبنانية، فيما يتركز الدور الأميركي على التنسيق والدعم والتحقق والضغط لضمان التزام الأطراف.
وقد تمنح هذه المشاركة الاتفاق قدرة تنفيذية لم تكن متوافرة في ترتيبات سابقة، لكنها تستوجب تحديد الصلاحيات والمرجعية بوضوح، كي لا تتحول آلية الدعم إلى وصاية مفتوحة أو بديل من القرار اللبناني.
كما يحمل التدرج نفسه مخاطر واضحة. فغياب جدول زمني ملزم وآليات تحقق فاعلة قد يحوّل المراحل الانتقالية إلى وضع دائم، كما يُظهر التعثر المزمن في تنفيذ القرار 1701. كذلك يبقى بند «الدفاع عن النفس» مفتوحاً للتأويل المتبادل، ما قد يجعله مادة للنزاع بدلاً من أن يكون ضمانة للاستقرار.
والنتيجة حلقة مغلقة محتملة: إسرائيل تربط انسحابها بنزع السلاح، وحزب الله يربط سلاحه بالانسحاب، فيما تبقى الدولة اللبنانية محاصرة بين الشرطين.
لذلك، لن يكون التنفيذ مسألة تقنية يتولاها الجيش فقط، بل نزاعاً سياسياً ووطنياً حول مصدر القرار الأمني، وقدرة الدولة على فرضه، ومدى استعداد القوى الداخلية لقبول نهاية السلاح الخارج عن المؤسسات.
حزب الله لن يتخلى بسهولة عن وظيفته
لا توجد مؤشرات جدية إلى أن حزب الله سيتخلى عن سلاحه بسهولة أو طوعاً، ما دام هذا السلاح جزءاً من وظيفته الإقليمية ومن استراتيجية إيران في مواجهة إسرائيل. فالحزب ليس تشكيلاً عسكرياً قابلاً للتفكيك بقرار إداري، بل مشروع سياسي–أمني–عقائدي مرتبط بإيران، ويمتلك قاعدة شعبية وبنية اقتصادية واجتماعية راسخة.
لذلك، سيواجه تنفيذ الاتفاق مقاومة سياسية وشعبية، وربما ميدانية. ولن تكفي الدعوات الأخلاقية أو التفاهمات النظرية لحسم المسألة، بل ستحتاج الدولة إلى تراكم في الضغط السياسي والمالي والشعبي، وإلى استمرار التحول في موازين القوى، بالتوازي مع تقديم ضمانات فعلية للمواطنين في المناطق المتأثرة.
كما أن إضعاف جزء من قدرات الحزب العسكرية لا ينهي نفوذه السياسي والاجتماعي. لكن هذه الحقيقة لا تبرر استمرار دولة موازية، كما لا تجعل الصدام الأهلي خياراً وحيداً.
فالهدف هو إنهاء الوظيفة العسكرية الخارجة عن الدولة، لا إذلال بيئة اجتماعية. وهذا يستلزم أن تحل الدولة محل الحزب في الأمن والتعليم والصحة والعمل والتنمية — لا بعد حصر السلاح، بل بالتوازي معه.
وإلا ستبدو حصرية السلاح لجزء من اللبنانيين غلبة طائفية بوجه جديد، لا استعادة للدولة.
المشكلة أعمق من حزب الله
حزب الله لم ينشأ في فراغ، بل تمدّد في ظل ضعف الدولة والوصاية السورية وعجز المؤسسات عن توفير الأمن والخدمات والتمثيل، قبل أن يتحول من نتيجة لهذا الفشل إلى أحد أبرز العوامل التي تعيد إنتاجه.
لكن الحزب ليس أصل الأزمة وحده، بل أكثر تجلياتها تسلحاً وتنظيماً. فالنظام الطائفي يوزع المؤسسات بين الزعامات، ويحوّل الإدارة والقضاء والمال العام إلى أدوات للمحاصصة، ويجعل الولاء للطائفة أقوى من الثقة بالدولة.
لذلك، لا يكتمل حصر السلاح من دون إصلاح سياسي عميق يعزز المواطنة واستقلال القضاء والمحاسبة واللامركزية الإدارية. وإلا قد يُحصر السلاح شكلياً، فيما تبقى الدولة عاجزة وقابلة لإنتاج دويلات جديدة.
فالسيادة ليست حصرية السلاح فقط، بل أيضاً حصرية القرار، وسلطة القانون، وحماية المال العام.
الجيش أداة الدولة لا بديل منها
الجيش اللبناني هو المؤسسة الشرعية المؤهلة لتنفيذ الترتيبات الأمنية، ويتمتع بشرعية وطنية أوسع من معظم المؤسسات. لكنه ليس خارج النظام السياسي، ولا محصناً بالكامل من توازناته الطائفية وضغوطه.
ولا يجوز تحميله وحده كلفة تحول سياسي وتاريخي بهذا الحجم، أو تحويله إلى رأس حربة في مواجهة داخلية. فالجيش ينفذ قراراً سياسياً، ولا يستطيع بمفرده حل أزمة سياسية وطائفية وإقليمية تراكمت على مدى عقود.
ومن يطالبه بحسمها عسكرياً، من دون قرار وطني واضح وغطاء دستوري ونيابي وشعبي، ومن دون إمكانات وضمانات وآليات تحقق للتنفيذ المتبادل، لا يدعمه بل يعرّضه للاستنزاف والانقسام.
لذلك، يحتاج الجيش إلى دولة تقف خلفه، لا إلى دولة تختبئ وراءه.
نافذة بثمن مدفوع
إن تغيّر ميزان القوى يفتح هامشاً حقيقياً أمام الدولة، لكنه لا يضمن صعودها. فالفراغ الذي ينتج عن تراجع أي قوة غير شرعية قد يتحول إلى فوضى أو محاصصة جديدة إذا لم تتحرك المؤسسات سريعاً لملئه.
وثمة استعداد خليجي حذر، ودعم غربي مشروط، وطاقات وخبرات ورساميل ضخمة في الانتشار اللبناني. لكن المنتشرين ليسوا خزينة احتياطية تستدعيها السلطة عند الأزمات، ولن يعيدوا أموالهم وخبراتهم إلى منظومة لا تحمي الملكية، ولا يستقل فيها القضاء، ولا تستقر فيها القوانين، ولا تحتكر الدولة قرارها الأمني.
وعودة الانتشار لا تبدأ بشعارات الشراكة، ولا بتفاهم هش بين الدولة والسلاح، بل تبدأ بالثقة. والثقة تحتاج إلى سيادة فعلية، وقضاء مستقل، وشفافية، ومحاسبة، وضمانات تحمي الأموال والحقوق.
لكن هذه النافذة لن تبقى مفتوحة إلى أجل غير محدد.
من يحمل مشروع الدولة؟
المشكلة ليست غياب الخطط أو الدعم، بل غياب فاعل لبناني منظم وقادر على التنفيذ.
المطلوب أكثرية دستورية وسياسية عابرة للطوائف، تبدأ من رئاسة الجمهورية والحكومة، وتعمل من خلال الجيش والقضاء والإدارة، وتستند إلى برنامج حكومي واضح وغطاء نيابي وشعبي.
لكن هذه الأكثرية لن تُبنى حول رفض طرف أو طائفة، بل حول مشروع يوفر لجميع اللبنانيين الأمن والحقوق والفرص، ويعيد بناء المؤسسات على أساس الكفاءة والمحاسبة، لا المحاصصة.
والتنفيذ مرتبط عضوياً بالمحاسبة: شفافية في أموال الإعمار، ورقابة مستقلة، وربط المساعدات بإنجازات قابلة للقياس، وإجراءات تجعل تعطيل الإصلاح مكلفاً سياسياً ومالياً وقضائياً.
فمشكلة لبنان ليست أنه لا يعرف ما يجب فعله، بل أن من يعطّل الإصلاح نادراً ما يدفع ثمن تعطيله.
كما أن الدولة لا تُبنى بخطاب يستفز طائفة أو يضع بيئة كاملة في خانة الاتهام. فالدولة ليست خصماً للطائفة الشيعية، والجيش ليس جيش فريق في مواجهة فريق آخر، والحرب الأهلية لا تحمي أحداً.
وإنجاح هذا التحول يحتاج إلى شراكة وطنية فاعلة من المواطنين الشيعة ومرجعياتهم السياسية والاجتماعية، وإلى دولة تمنحهم — كما جميع اللبنانيين — الأمن والحقوق والتمثيل العادل. فالانخراط في الدولة لا يعني التخلي عن الضمانات، بل نقلها من حماية الحزب والسلاح إلى حماية المؤسسات والقانون.
ثمن لا يجوز إهداره
اتفاق الإطار لا ينقذ لبنان، لكنه يفتح أمامه فرصة لاستعادة الدولة وقرارها. وقيمة هذه الفرصة لن تُقاس بالتوقيع، بل بقدرة المؤسسات على التنفيذ، وحماية الجيش، وإخضاع الجميع للقانون.
لكن هذه النافذة لم تُفتح مجاناً. لقد دُفع ثمنها بالدم والتهجير والدمار والانهيار، ولا يجوز أن تتحول مرة أخرى إلى فرصة تضيّعها المحاصصة والتعطيل والخوف من القرار, أو الارتهان للخارج.
هذه المرة، لبنان وقّع باسمه. وإذا عجز عن تحويل التوقيع إلى دولة، فلن يكون قد أهدر اتفاقاً فحسب، بل أهدر الثمن الذي دفعه اللبنانيون من وطنهم وحياتهم ومستقبلهم.
*بيار مارون/باحث ومحلل استراتيجي
رئيس منظمة دروع لبنان الموحّد (SOUL)
SOUL for Lebanon

Share