توفيق شومان: دواعشنا ودواعشهم/كأننا ملائكة أطهار، أدنا مجزرة نيوزلندة

1221

دواعشنا ودواعشهم
توفيق شومان/16 آذار/19

كأننا ملائكة أطهار، أدنا مجزرة نيوزلندة
كأننا لا نعرف أن كنائس الأقباط في مصر فجرناها وأحرقناها وقتلنا عربا مثلنا.
كأننا لم نستبح الإيزيديين في العراق ولم نسبح بحمد أبي بكر البغدادي الذي سبى نساءهم واستباح أعراضهم وهي أعراضنا.
كأننا لم نحول أطفال النصارى في العراق إلى غلمان وولدان كما كان يفعل هارون الرشيد وسلاطين قبله وسلاطين بعده.
كأننا أنقياء وأتقياء ندين مجزرة في آواخر المعمورة.
ندين مجزرة هناك ونغفل عن المجازر هنا.
نغفل وننسى أننا نقيم المجازر بين السنة والشيعة وبين المسلمين والنصارى وبين العرب والكرد وبين العرب والأمازيغ وبين القبيلة والقبيلة وبين العشيرة والعشيرة وبين الحزب والحزب وبين نحن ونحن.
مهلكم أرجوكم مهلكم قبل أن تدينوا.
هل تذكرون أن “داعش” قتلت بإسمنا وبراياتنا صحافيين في مجلة “شارلي إيبدو” في باريس، فوجدنا لها الذريعة تلو الذريعة؟.
هل تذكرون كيف كانت تلاحق باصات الدواعش سكانا آمنين في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأنحاء أوروبا، فتقتل من تقتل وتدهس من تدهس، ثم نجد ألف سبب وسبب لنبرر القتل والدعس، تارة بالمؤامرة، وطورا بأن الغرب حصد ما زرع وجنى ما كسبت أياديه؟
مهلكم يا قوم، كم واحد منكم صفق لأبي مصعب الزرقاوي، حين كان دواعشه يخطفون الأجانب في العراق، ويرمي انتحاريوه جثثهم المقنبلة في الأسواق والمساجد والأعراس، فينثرون دماء الناس كما تنثر السماء مطرا.
كم واحد منكم صفق وأنشد لحركة “طالبان” في أفغانستان، وهي التي كانت تسلخ الوجوه عن الرؤوس، فذبحت من الطاجيك والأوزبك والهزارة كما لم يفعل قبلها هولاكو ولا تيمورلنك.
يا أيها الباكون الأتقياء والأنقياء،
كم واحد منكم دان مجزرة الأقباط المذبوحين في ليبيا؟
كم شيعي قتل سنيا في العراق لأنه سني ؟
وكم سني قتل شيعيا في العراق لأنه شيعي؟
كم واحد منكم دعا إلى إبادة الأكراد؟
وكم واحد منكم يقول إن المسيحيين العرب صليبيون ويجب إخراجهم من هذه الأمة؟.
مهلكم أرجوكم:
من دان منكم تفجيرات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر2011 في الولايات المتحدة؟
ألم يرقص بعضكم؟
ألم يصفق للمقتلة؟
ألم ينشد للمذبحة؟
ألم يجد تبريرات ما أنزل الله بها من سلطان وإلى حدود شككت باحتمال أن يقوم عرب بالتخطيط والتنفيذ، لأن عقل العرب قاصر عن التخطيط والتنفيذ، وعن استخدام تقنيات الحداثة وتكنولوجيا العصر؟.
مهلكم يا أيها الغيارى،
مهلكم وتذكروا أن نصوص بعضكم حافلة بإعتبار قسم منكم “روافض” يجب محوهم وقتلهم وسبيهم، وربما شرب دمائهم.
مهلكم وتذكروا أن نصوص بعضكم مليئة ومثقلة باعتبار قسم منكم “نواصب” يجب حرقهم وإسقاطهم من عل، وربما أكل أكبادهم.
يا أيها الأطهار انظروا إلى وجوهكم وعقولكم وقلوبكم،
انظروا إلى وجوهكم وكيف تقطر سُما حين يختلف واحد منكم مع واحد منكم حول حديث في كتاب أوخبر في التاريخ.
انظروا إلى عقولكم وكيف تهطل منها أفكار الموت الزؤام وأفكار الخبث وأفكار القتل، حين يختلف واحد منكم مع واحد منكم حول واقعة في السياسة أو خطاب في الإعلام أو موقف من قضية.
انظروا إلى قلوبكم وكيف تختزن أحقادا منكم نحو منكم ومن أنتم نحو أنتم.
يا الملائكة الأطهار لو تنظرون إلى مرايا نفوسكم وذواتكم سترون أن نصفكم يخون نصفكم ونصفكم الثاني يخون نصفكم الأول وهذا النصف وذاك النصف، كل يدبر مقتلة في ليل للنصف الخائن والنصف المارق.
يا أطهار القوم ما هكذا تدان المجازر ليس لأن المسلمين تم قتلهم فطارت لحومهم على الجدران والحيطان، أو لأن بعض من استشهد منا، أو بعض من قضى نحبه في دمه شيء من دمنا، أو لأنه من أصلاب عشيرتنا،
كأننا نأبى أن نغادر إرث امرؤ القيس الذي هاج وماج لأنه فقد حُكما ومُلكا وليس لأن أباه قُتل ونُحر، فأنشد وقال لصاحبه الذي بكى:
فقلت له: لا تبك عينك إنما نحاول مُلكا أو نموت فنُعذرا.
كأننا نأبى أن ندخل في سماحة وشريعة سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد (ص) إذ يقول: “لا تغلوا ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخا ولا صبيا ولا وليدا ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرة “.
ليس لأنهم مسلمين قد قتلوا فندين المجرزة. ندين المجزرة يا قوم لأن الذين قتلوا بشرا.
في نيوزيلندة قُتل الإنسان، الإنسان المقدس، الإنسان الذي كرمه الله فقال تعالى: “لقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا “.
هو الله، الرحمن الرحيم: فمن منكم يرحم منكم ؟.
هو الرؤوف: فمن منكم يرأف بمنكم؟
هو الغفور: فمن منكم يغفر لمنكم؟
هو الودود: فمن منكم يود منكم؟
هو الصبور: فمن منكم يصبر على منكم؟
هو السلام: فمن منكم يسالم منكم؟
أيها القوم
قبل أن ندين مجزرة الآخرين بنا ماذا عن مجازرنا التي تفتكنا؟
وماذا عن مجازرنا الجوالة؟ ومجازرنا الرحالة؟
لنبدأ من هنا، من المجازر التي بيننا، من أن ننكس السيوف المرفوعة بيننا، ونرفع الرايات البيضاء بيننا.
من هنا نبدأ، من السلام بيننا، بالعودة إلى “السلام عليكم”، إلى قداسة “السلام عليكم”.
يا قوم: السلام عليكم.