حنا صالح/عن الأزمة الحقيقية في لبنان

42

عن الأزمة الحقيقية في لبنان
حنا صالح/الشرق الأوسط/23 آب/18

الأيام اللبنانية حافلة بالأحداث الجسام ومواقف أهل الحكم حافلة بالإنكار: بعد عطلة العيد، يزور بيروت وفد أميركي برئاسة روبرت كاريم، مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي، والزيارة مرتبطة بالبحث الذي تجريه الإدارة الأميركية حول تطبيق القرار الأممي 1701؛ نظراً لارتباطه بـ«حزب الله»، وذلك في إطار «مشروع الإدارة الأميركية لمحاصرة إيران وأذرعتها في المنطقة». والبحث يتم قبل التئام مجلس الأمن في 31 الحالي لبحث طلب لبنان تمديد تفويض قوات اليونيفل تنفيذاً للقرار الدولي إياه. في الوقت نفسه، وفي مرحلة وضع الحزمة الأولى من العقوبات الأميركية على النظام الإيراني في التطبيق، تتكثف عمليات المراقبة الحثيثة والدقيقة التي تتابعها واشنطن، وتركز على حركة الأموال في بعض المصارف اللبنانية.

بالتزامن مع تشكيل الفريق الأميركي الخاص من أجل سوريا، يتم في واشنطن مناقشة خطة أميركية لفرض حظر جوي وبري في شرق سوريا («الشرق الأوسط»، الثلاثاء 21 أغسطس/آب)؛ الأمر الذي يعني تقزيم نفوذ النظام الإيراني وطي صفحة الكوريدور البري الذي كان من المفترض أن يربط طهران بالمتوسط. القرار يعني أن الولايات المتحدة التي تمتلك قواعد عسكرية عدة في شرق الفرات والتنف لم تعد في وارد الانسحاب، ولن تتكرر أخطاء الإدارة الأميركية السابقة، وربما نشهد في الآتي من الأيام عودة إلى شعار أميركي قديم يربط هذا الوجود بإنجاز الحل السياسي الذي يرضي السوريين استناداً للقرار الدولي 2254 ومسار جنيف، الذي تجهد موسكو لاستبداله بمسار سوتشي. في هذا السياق، تأتي جولة بولتون ومحادثاته وعنوانها إخراج ميليشيات الحرس الثوري من سوريا، والحصيلة مؤثرة بالتأكيد في الموقف اللبناني.

في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) المقبل، تبدأ جلسات المحكمة الدولية من أجل لبنان الاستماع إلى مناقشة الادعاء ووكلاء الدفاع ووكلاء المتضررين للأدلة المُتضمنة في قرار الاتهام في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وعلى مدى عشرة أيام تمتد فترة المناقشة النهائية، قبل ذهاب القضاة إلى المذاكرة الأخيرة لإصدار الحكم، سيقدم الادعاء ما في جعبته من إثباتات وأدلة علمية على الجهات التي قررت إزاحة الحريري جسدياً. والموضوع يتعدى اعتبارات روّج لها «حزب الله» من أن المحكمة أداة سياسية، وأن كل ما تقوم به يندرج في إطار الاستخدام السياسي.

ورغم أن المحكمة الدولية بنظر أكثرية اللبنانيين، هي الأداة التي لا غنى عنها للوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة، تجددت محاولات تعطيلها ووقف التعاطي معها؛ وذلك من باب ضرورة العودة إلى القضاء اللبناني، وهو لم يُسمح له بإنجاز واحد في الجرائم السياسية الكبرى، وما أكثرها، وتصدى لهذه المهمة النائب عبد الرحيم مراد، أحد أبرز النواب المحسوبين على النظام السوري، الذي ينظر البعض إليه بوصفه مرشحاً محتملاً لرئاسة الحكومة في حال استمر الضغط على الحريري لإحراجه وفرض إخراجه.

وقد أثار هذا الموقف المفاجئ في خِضم مشاورات التأليف الأسئلة، خصوصاً أن الحكومة التي ترأسها نجيب ميقاتي بعد عام 2011، وكانت توصف بأنها حكومة «حزب الله»، لم تقارب هذا الموضوع، بل واصلت القيام بتسديد المطلوب من لبنان لتمويل المحكمة. لكن سرعان ما كُشف السبب فبطل العجب، بعدما أكدت جهات رسمية أن المحكمة الدولية راسلت السلطات اللبنانية للسؤال عن شخصيتين إيرانيتين، عن توقيت دخولهما لبنان وخروجهما منه منذ عام 2004؛ الأمر الذي يشير إلى تطورات جديدة في عمل الادعاء الدولي وعمل المحكمة، وربما سيشمل الاتهام شخصيات جديدة أو حتى كيانات.

لم تقابل هذه القضايا الكبيرة باهتمام جدي من جانب محترفي الأحجام والأوزان، بل كان يتردد في الإعلام أن موقفاً لبنانياً حرّك العالم بشأن قضية النازحين (…)، وحمل الوزير باسيل الملف إلى موسكو مع رهان كبير على المبادرة الروسية بأن العودة ستفتح الباب للتنسيق مع النظام السوري تمهيداً للتطبيع. وأطلقت المواقف عن دعم «العودة الآمنة المتدرجة والمستدامة» من دون ربطها بالحل السياسي، ومعروف أن هذا الأمر مرهون بممارسات النظام السوري حيال مواطنيه، وهي ممارسات لم تتغير.

لم يتم التوقف أبداً أمام ما يعيق هذه العودة، من عدم توفر إمكانية استيعاب الأعداد الكبيرة قبل عودة الإعمار وتجهيز البنى التحتية، وكيف سيتم توفير المليارات لذلك، خصوصاً أن فريق آستانة، أي روسيا وإيران وتركيا، يخضع وإن بشكل متفاوت لعقوبات أميركية، وهي دول أساساً لا تملك المال اللازم لمثل هذه المهمة. لذا فإن أميركا وأوروبا حددت موقفها: الحل السياسي طريق عودة اللاجئين وليس العكس، ولفت ما أعلنه السفير ديفيد ساترفيلد بشأن الموقف الأميركي: «كنا واضحين إلى أقصى الحدود مع روسيا أنه لن تكون هناك مساعدات دولية لإعادة الإعمار في سوريا، من دون عملية سياسية لا رجعة فيها تقرها الأمم المتحدة وتنفذها».

في اليوميات أحداث كبيرة ومتلاحقة، والإنكار يفاقم السلبيات، وما تقدم بعض القضايا المحورية في عملية تأليف الحكومة الجديدة، وغياب المقاربة الجدية يعني الاستهتار بمصير لبنان، والنتيجة مزيد من المراوحة والشلل واستمرار للعهد السابق، مع نهج غير مسبوق في الملاحقات لتكريس نظام أمني لكمّ الأفواه عن الفساد المخيف في ظل نظام المحاصصة الطائفية التي يستقوي أصحابها بالسلاح وبالخارج. والآن، ما زال الزمن زمن ممارسة سياسة «النأي بالنفس» عن سياسة المحاور وابتداع السياسات التي تحمي البلد ومصالح أبنائه، وهذا يسري على تأليف الحكومة قبل أي عمل آخر.

رغم ذلك خرج رئيس الجمهورية على اللبنانيين قائلاً إن المهلة ليست مفتوحة أمام الرئيس المكلف، وإن رئيس البلاد سينتظر حتى الأول من سبتمبر وبعدها سيتكلم (…)، وواضح جداً أن لبنان منقسم بشأن العلاقة مع النظام السوري، ومنقسم حيال العقوبات الأميركية على إيران، التي ستشمل كل المتعاملين مع نظام الملالي، ومنقسم حيال المحكمة الدولية، ومعروف أن مواقف التصعيد في الداخل هي صدى للخارج، ومحاولات جر لبنان إلى محور الممانعة أكبر من طاقته على تحملها وطنياً وعربياً ودولياً، ولا شك أن رئيس الجمهورية مدرك في نهاية المطاف الخطورة التي يمكن أن تتأتى عن المساس باتفاق الطائف؛ لأن الأزمة في جوهرها ليست أزمة نص ولا دستور ولا اتفاق الطائف، بل هي في الإملاءات على البلد من جانب الدويلة التي تكاد تبتلع الدولة والأجندة الموكل لـ«حزب الله» تنفيذها.