ادمون الشدياق: المجد لله…دايماً لله

69

المجد لله…دايماً لله
ادمون الشدياق/15 حزيران/18

بعد كل حروب ومآسي لبنان ودماء الشهداء والاحتلالات وعقود الهيمنة الغريبة، متى سيتعلم اللبناني بأنه من الأهمية بمكان ومن الجوهري ان يبدأ بتفصيل الزعيم على مقاس قضيته المقدسة والثابتة والامتناع عن تفصيل قضيته على مقاس الزعيم الذي يلتزم به.

انا افهم أن يتغير التكتيك أو الاستراتيجية عند زعيم، ولكن ان تتغير الاهداف 180 درجة ونبقى على ولائنا له رابطين بذلك مصيرنا ومصيروطننا به فذلك والله يتنافى مع أي شرط من شروط الارادة الحرة والوطنية الحقة المجردة إلا من الولاء للوطن وقضية الوطن وحدها.

أنا افهم أن الشعوب تحتاج دائماً إلى شخصية غير إعتيادية تتطلع إليها وتسبغ على أعمالها صفة البطولة لترتفع معها إلى مرتبة أسمى من واقعها المعاش، ولكن ليس من صفات البطولة بشيء ان نستغل العمل البطولي كرهينة عندما تتعرض مصالحنا للتهديد وبذلك يصبح العمل المميز والبطولي سلاحاً مصوّباً الى صدر المجموعة التي من أجل بقائها تم العمل.

عندها ينقلب العمل البطولي سلعة مقايضة ويصبح البطل خاطفاً صغيراً مبتزاً تحتقره قوافل الشهداء التي قدمت التضحية القصوى بدون أن تطلب أي منة أو جائزة أو منصب.

أنا افهم أن تاريخ لبنان هو تاريخ سياسي بامتياز منذ فجر التاريخ ذاته. وهو تاريخ في كثير من الاحيان لم يكن اللبناني أو الحاكم اللبناني يتحكم به بل تتحكم به القوة الخارجية التي كانت تسيطر على منطقة تواجده، ولكن في كل حقبات التاريخ كان للبناني دائماً ردة فعل تنبع من عنفوان شخصيته وكرامته التي كانت دائماً اكبر واعظم من أي خضوع داخلي لزعمائه أو أي سيطرة خارجية تتحكم بالمنطقة، ولنا بمقاومة صيدا لجحافل الفرس ومقاومة صور للاسكندر وعامية انطلياس وبطولات المقاومة اللبنانية منذ سنة 1975 في حرب الأخرين على وطننا والتي تتوجت بثورة الأرز في 14 أذار 2005 بعضاً من أمثلة على ما نقول.

نعم أنا افهم ضغوط الانتماء الحزبي والانجراف العقائدي ومنطلقات الولاء للقائد والزعيم والرئيس ولكن هذه كلها هي روابط “لا تقاوم” طالما مصلحة الوطن ترفرف كالبيرق فوق المسيرة التي يتقدمها هذا القائد والزعيم والرئيس.

ولكن بالله عليكم أفهموني أين مصلحة الوطن في حرق لبنان على رؤوس أبنائه بحروب أعترف حزب الله الذي شنها بأن العدو الاسرائيلي كان يتمناها ويحضر لها.

أين مصلحة الوطن في أن نقدم الشهداء لنخرج الجيش السوري المحتل من ارضنا ومن ثم نتطوع شخصياً للتحالف مع رموز وعملاء سوريا ونعمل لتحقيق أهداف سوريا وغرف مخابراتها في لبنان واعطائها صكوك براءة الذمة كلما تنفسنا.

وزيادة على ذلك نعمل على تمكين الهيمنة الايرانية لتربض سعيدة على صدر وطننا وبذلك نكون استبدلنا هيمنة واحدة بهيمنتين.

أين مصلحة الوطن في أن نقاوم النظام السوري لعقود لأنه اضطهد اهلنا وقتل اطفالنا واغتصب نسائنا وخرب اقتصادنا وشجع الفساد والافساد وقوض مؤسساتنا وعندما يثور الشعب السوري وينقض على هذا النظام ليتخلص من نيره وبذلك يعطي وطننا فرصة للتخلص وللأبد من طغيان هذا النظام الذي وان ترك لبنان ما زال يربض على صدره ويتحكم بمفاصله، نحارب هذا الشعب الذي عانا كما عانينا ونغطي جرائم هذا النظام القاتل بسبب ورقة تفاهم ارخص من الحبر الذي كتب عليها ونتناسى بذلك دماء وعظام الشهداء وصرخات الثكالى والايتام وبذلك وبكل وقاحة نبدي مصلحتنا على مصلحة شعبنا ووطننا ونتنكر لتاريخنا.

أين مصلحة الوطن في أن ننادي يومياً بالاصلاح الاقتصادي وبتحسين مستوى المعيشة وبوجوب تخفيض الدين العام ومن ثم نعمل على ضرب الدورة الاقتصادية لسنين طوال كما حصل في الماضي كتعطيل الوسط التجاري وسائر مرافق الوطن وعرقلة وتعطيل كل استحقاق نيابي وحكومي ورئاسي وشل البلد عند كل منعطف اساسي واضعين حصتنا من الجبنة في الميزان مقابل مصلحة القضية والشعب والوطن.

أين مصلحة الوطن في أن ننادي بالشفافية والصدق ومن ثم نزور الحقائق والصور والوثائق للتعمية على وخداع من ندعي بأننا نناضل من اجلهم وبالتالي نشق المجتمعات ونحرش الاخوة وتأتي عن يدنا الشكوك.

أين مصلحة الوطن في أن ننادي بالحرية والديمقراطية ومن ثم نسمح بقطع الطرقات واجتياح المناطق بالسلاح وسيوف الثبور وعظائم الأمور، كلما تهياء لنا بأن غبرة الكفار مست عباءة السيد الآلهي وحزبه وحساسية الاستيذ وربعه.

أين مصلحة الوطن في أن ننادي بوحدة لبنان وأرضه وشعبه وقد قسمناه مربعات أمنية حزبلهاوية ومن ثم نحاول نفسياً عزل الشمال عن الجبل، والجبل عن بيروت، وبيروت عن الجنوب وكذلك عزل البقاع عن سائر اجزاء الوطن ونرفع اصبع التحذير القاسماوي الشهير أن فتح الدونيون عَزل السلاح عقورهم دفاعاً عن وحدة لبنان كما يفهمونها ويفهمها كل بشري غير حزبلهي على وجه المعمورة.

أن مصلحة الوطن العظمى هي في ان نكون صادقين مع أنفسنا وصادقين أمام دماء شهادئنا وصادقين مع وطننا وان يكون اللبناني خاصة صادق مع قادته وزعمائه وبالتالي يقول لهم الحقيقة حتى لا يقعوا ويوقعوه في التجربة.

شيء خطير ان لا يعرف الانسان عدوه فيدفعه هذا الجهل، في لحظة حماس، للفخر بالتقرب من هذا العدو، ولمساعدة هذا العدو، ولتمهيد الطريق لهيمنة هذا العدو، ولكن الاخطر أن يتجاهل الانسان تاريخه وتاريخ مجتمعه وتاريخ وطنه ويبيعهم بحفنة من الوعود، لم تجلب على مجتمعه وعلى الوطن سوى الحروب والمأسي والخراب، وأن يدعي الدفاع عن قضاياهم وبعد ذلك يسلم رقابهم ومقاليدهم للفرس والعجم.

أو أن يبيع الانسان تاريخه وتاريخ مجتمعه وتاريخ وطنه ويتحالف مع زمر نظام البعث الذي قتل شعبه واحتل أرضه ودنس مقدساته واغتصب استقلال لبنان طمعاً “بكرسي” تجرد مع الايام بسبب الطمع والانبطاحية وتأليه الذات من أي قيمة او وزن او صلاحية. نعم من الخطير جداً أن يتمسك الانسان وبغطرسة بمقولة “أنا أو لا أحد” وكأنه اصبح عامود السما وأطلس لبنان وبالتالي اصبح اكبر من الوطن وسبب وجوده وبدونه تقع السماء على الارض. على كل تاجر سياسة وقضايا اوطان أن يرجع إلى نفسه ويتذكر ويتعظ بثلاث حقائق:

أولاً – أن تاريخ لبنان وشعبه يعود إلى اكثر من سبعة آلاف من السنين وأن لبنان استمر وبقي حتى اليوم بدون الارتكاز على “عواميد السما”، ولم يتحكم بهذا التاريخ لا فرعون ولا امبراطور ولا قيصر ولا جنرال، ولا قام على اسياد وعبيد وسخرة التابعين وعرق المستلحقين. لا بل كان تاريخ لبنان هو التاريخ الوحيد الذي طبعه الانسان العادي، الصادق، المجتهد ،الحر،المتنور بفكره وبطابعه.
ولذلك لم يترك لأحفاده اهرامات ولا زكورات ولا جنائن معلقة ليخلد اسماء أسياده، لأنه كان سيد نفسه.
لا بل ترك لنا فقط علم ومعرفة وانفتاح ولهذا كانت عظمة لبنان نابعة من انه مهد الحضارة وناشرها وخزان العلوم ومانح الابجدية.

ثانياً – اللبنانيون الاقحاح عامة والمسيحيون خاصة وخلال حقبات التاريخ كلها لم يمروا بصعوبة أو تحدي أو اضطهاد إلا وخرجوا منه أقوى وأصلب ونَمُو نمّو شجرة الأرز وصمدوا صمودها. فهم ينمون مع التحدي ويكبرون به. وبالاحرى على كل سياسي مستزعم أن يقبل التحدي معهم حتى النهاية، ولا يعقد الصفقات المشبوهة، ولا يوقع ورقات التفاهم الملغومة، ولا يسوق للاحتلالات وانظمة الهيمنة ويتناغم معها، ولا يقوم بزيارات لبس العباءات الأسدية ضارباً بعرض الحائط شعور أهالي الشهداء وبذلك يكون كبر بمجتمعه وكبروا هم معه.

ثالثاً – ليعلم المتباكون على حقوق المسيحيين وهم يستجدون وبذمية حماية حلف الاقليات طمعاً بأمجاد الحكم وكراسي النيابة والوزارة والرئاسة، بأن المسيحي في لبنان كان يبداء سلامه ب “المجد لله” وكان دائماً يتلقى الجواب نفسه “دايماً لله” ومن هنا نبع صموده وتكونت قوة شكيمته وترسخ ايمانه المطلق بتاريخه وحاضره ومستقبله، لأنه يعرف ويؤمن إيمان مطلق وقاطع وحقيقي بأن لا مجد سوى لله، ولا مجد وقوة وانتصار إلا مع الله وبظل صليبه حتى نهاية العالم.

فلنتذكر ونتعظ ونمجد اسم الله القدوس.