نديم قطيش/الجولاني – نصرالله والعملة الواحدة

527

الجولاني – نصرالله والعملة الواحدة
نديم قطيش/العربي/03 حزيران/15

كان يمكن لإطلالة قائد “جبهة النصرة” أبو محمد الجولاني التلفزيونية، لو حصلت قبل أشهر أو سنة أو سنتين، أن تصب في مصلحة الدعاية السياسية لإيران والتي يعد حزب الله في لبنان رأس حربتها، من خلال إعلامه وتصريحات مسؤوليه، وإطلالات أمينه العام حسن نصر الله. لم يتخفف الجولاني من منطقه الإقصائي لا سيما حيال المسلمين غير السنة. أجل حسابه مع المسيحيين إلى وقت آخر. ولكنه بقي في عموم حديثه أميناً لنصه، بلا مفاجآت تذكر، تبرر الرهانات السياسية والاستخباراتية المزدهرة على ترويض النصرة، وصب مياها كثيرة في كأس أفكارها المتشددة.

كان يمكن لهذه الصورة التي ظهر فيها أن ترسّخ في الأذهان العصب الأساسي الذي تقوم عليه الدعاية الإيرانية من أن التطرف الشيعي لا يقارن بالتطرف السني، لناحية قسوة الثاني، وانفصاله التام عن أي مشتركات مع الآخر. كل آخر.

فقد دأب حسن نصر الله مثلاً في خطابته لفترة طويلة على استعمال عبارة “نابشو القبور وشاقّو الصدور” في معرض تدليله على عموم المعارضة السورية. إشارته هذه استلّها من شريط فيديو مرعب لمقاتل سوري يشق صدر جثة جندي في جيش الأسد ويأكل قطعة من قلبه أو كبده. حوّل نصر الله هذه الصورة المرعبة إلى صورة الثورة ككل. صار الثوار كلهم هذا الرجل. لا يحيدون عنه ولا يحيد عنهم، في اختصار مقزز لقضية شعب تحمل كل عناصر الظلم والاضطهاد.

ثم جاءت مشاهد جزّ الرقاب والإعدامات الميدانية والمحاكم الدينية القروسطية لتخدم دعاية نصر الله أفضل خدمة. تُوج كل ذلك بالمشهدية الخرافية لحرق الطيار الأردني مُعاذ الكساسبة على يد فرقة من تنظيم داعش.

كانت جبهة النصرة وداعش تركبان آلة سفر عبر الزمن، ويسافر الكوكب معهما عبر شاشات التلفزة ووسائل التواصل الاجتماعي، 1400 سنة إلى الوراء، في حين كانت إيران تقدم نفسها كدولة راهنة، ابنة الزمن الراهن وابنة آلياته، من مجلس أمن وهيئات حوار ومنصات دولية تحاور عليها وتناور بها، وتعزز من خلالها صورة أدواتها في المنطقة مقابل صور داعش والنصرة.

وفي كل هذا كانت الدعاية الإيرانية تتهم النصرة وداعش بخدمة الأهداف الإسرائيلية والعمل لديها لتشويه صورة الإسلام وتفتيت المجتمعات وإضعاف الدول.

هذا بعمومه، هو السياق الذي كان يمكن لمقابلة الجولاني أن ترفده وتغذيه. لكن الواقع أن التطورات والتحولات الاخيرة التي تابعناها في الإعلام حول الوقائع الميدانية في العراق وسوريا تلغي هذه الهوة المتوهمة بين تطرفين. تطرف الجهادية السنية، وتطرف الجهادية الشيعية.

فمقابل الكساسبة و“شاقّو الصدور وآكلو القلوب” تابع العالم الصور الآتية من العراق لعناصر ميليشيا الحشد الشعبي، المدعومة من إيران والشقيقة لحزب الله، يلهون برؤوس بشرية، لمقاتلين سنة، وقد فصلت عن أجسادها. وتابع العالم إحراق عناصر هذه المليشيا مسلحا سنيا آخر بمثل ما أحرقت داعش الكساسبة، وإن بمشهدية أقل وبدائية أكثر.

بموازاة الداعشية الشيعية في العراق، إذا صح التعبير، كان حسن نصر الله يفتتح حقبة التكفير العلني، الذي يدعي محاربته، واصفا الشيعة المخالفين له، بالخونة والعملاء، ما يعني إهدار دمائهم في واحدة من أعلى اللحظات تعبئة بين السنة والشيعة منذ عقود.

وبمثل وثبة الجولاني في الزمن إلى الوراء وثب نصر الله قبل أسبوعين، معتبراً في لقاء مع جرحى حزب الله بمناسبة يوم الجريح، أن “الله كتب علينا كما كتب على الذين من قبلنا في بدر مع الرسول وكل المعارك… حتى خيبر، ويجب أن نكمل إلى صفّين ومن يثبت في صفين يكون قد وصل”. باستعادته صفّين يضيف نصر الله بعداً جديداً للتماهي مع نص الجولاني في مقابلته الأخيرة في أنه يقر بمذهبية الصراع، على عكس ما حاول جاهدا في ما مضى، أن يغلف مشروعه المذهبي بغلاف الصراع السياسي.

ولئن كان نصر الله يتكئ على أرشيفه المقاوم ضد إسرائيل ليتهم خصومه بخدمة الصهيونية وأجندتها، معتلياً أرضية “أخلاقية” أعلى من أرضيتهم، جاءت بعض التصريحات الإسرائيلية لتعرّيه، وتعرّي إيران من خلاله، من آخر ورقة تمايز يدّعيها عن نظرائه السنة. فقد أشار الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي الخارجي الموساد، إفرايام هالفي، إلى أن “حزب الله” يسهم في حماية أمن إسرائيل بطريقتين. الأولى من خلال حربه مع داعش التي تشكل تهديداً لإسرائيل، والثانية أن هذه الحرب نفسها تضعف حزب الله الذي يشكّل بدوره تهديداً آخر لإسرائيل.

بهذا المعنى تكتمل كل ملامح الصراع المذهبي وتنهار الفروق النصية بين الجولاني (وداعش وغيرهما) وبين نصر الله اللذين يقفان على طرفي نقيض من محور إفنائنا، فيما العالم يتفرج.