طارق متري… الفلسطيني لم يدخل حربنا، بل كانت الحرب معه.
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/05 تشرين الأول/2026
تابعت باهتمام ورويّة كلام طارق متري، نائب رئيس مجلس الوزراء، مع الصحافي الهادئ جاد يتيم في آخر مقابلة بينهما، فاستوقفني التناقض في شخصيّة متري. لا شكّ في أنّ متري مخضرم، ولامس مستوى المنظّرين في معظم مقارباته، إلّا أنّه يُضيّع كل موضوعيّة علميّة وأخلاقيّة حين يتطرّق إلى ذاكرة حرب الـ1975، ويجنح بخياله إلى زواريب ضيّقة تعبّر عن ذاتيّته اليساريّة الحاقدة على اليمين المسيحي، والمحدودة بالعداء غير المنطقي لإسرائيل والدفاع الأعمى عن قضيّة عرفات الفلسطينيّة.
ككلّ يساري عايش منظّمة التحرير الفلسطينيّة، أمعن متري في تزوير الحقائق وتقديم النظريّات التي تُخفّف من مسؤوليّة الفلسطينيين ودورهم في اندلاع الحرب، مستهزئًا بالفريق اليميني في البلاد، ومتّهمًا إيّاه بإعادة اختراع ذاكرة السبعينيات للإيهام بأنّ الحرب كانت بين لبنانيين سياديين من جهة، وغرباء فلسطينيين من جهة أخرى. في حين هو يعتبر أنّ الصراع بدأ بين اللبنانيين، اليسار واليمين، المسلمين والمسيحيين، وأنّ هؤلاء استجلبوا الغرباء للدخول فيه، فـ”تداخل الخارجي بالداخلي”، حسب رأيه وتعبيره.
يتّهمنا متري، كيمينيين، بأنّنا نتلاعب بالذاكرة، بينما هو الذي يتلاعب بالتاريخ إمعانًا في تشويه الذاكرة اللبنانيّة، لا بل مَحْوِها!
هنا، وللإيضاح، سوف أعيد شرح ما سبق لي أن شرحته في وقت مضى، حول كيفيّة “تداخل الخارجي بالداخلي”، وبين مَن ومَن كانت الحرب في لبنان بدايةً، وبالوقائع والمنطق البسيط.
لإنعاش ذاكرة الدكتور متري، نذكّره بأنّ الحرب عشيّة اتّفاق القاهرة عام 1969 وقعت بين الجيش اللبناني والغرباء الفلسطينيين، وأنّ اتّفاق القاهرة تمّ توقيعه بين لبنانيين وفلسطينيين.
وحرب المخيّمات عام 1973 وقعت بين الجيش اللبناني والمنظّمات الفلسطينيّة الغريبة، وتلاها توقيع تفاهم ملكارت بين الطرفين نفسيهما.
شرارة الحرب الأولى في عين الرمانة بدأت باعتداءات فلسطينيّة ضدّ أهالي المنطقة اللبنانيين، لتنتهي بحادثة البوسطة بين الكتائب اللبنانيّة وركّاب البوسطة من أكثر من جنسيّة عربيّة.
لغاية الآن، دكتور متري، أين تجد فريقًا لبنانيًّا يعارك فريقًا لبنانيًّا آخر؟ إلّا إذا كنت تعتبر الخلافات السياسيّة بين الأطراف اللبنانيّة، حينها، حربًا تستدعي تدخّل الخارج، أو تعتبر نظامنا الديمقراطي البرلماني نظامًا «ديمقراطيًّا بولشيفيًّا».
وكي لا يكون ردّنا عليك مقتضبًا وغير كافٍ، أحيلك إلى خارطة معارك السنتين لنرى بين مَن ومَن كانت.
أُزيح الجيش اللبناني من المعادلة، أو حُيّد، فدخل الميدان طليعة المقاومين المسيحيين لمواجهة الفلسطيني دفاعًا عن مناطقهم.
مَن كان يهاجم عين الرمانة؟
مَن كان يُمسك بجبهة الأسواق؟
مَن كان يريد خرق مناطقنا من الكحالة؟
مَن أشعل الجبهات في البقاع والشمال، من زحلة إلى القبيّات وتل عباس؟
الفلسطيني كان الأساس على هذه الجبهات، بمشاركة غرباء من جنسيّات عدّة، وهو لم يدخل حربًا لبنانيّة قائمة، بل كان أصلًا أحد عناصر الصراع الذي سبق الانفجار، ثم ساهم مباشرة فيه.
لماذا كان الفلسطيني هو الأساس؟
لأنّه كان الأقوى بمقاتليه وعديده وعتاده. والأهم، كان هو المموّل والمحرّك لكلّ المعارك. والحرب بدأت بصدام معه، ثمّ انضمّ إليه «لبنانيون»، ولم تبدأ مع لبنانيين ثم أتى الغريب الفلسطيني لمساعدتهم، كما تدّعي، دكتور متري!
في الجهة المواجهة، هل هاجم المسيحيون مناطق إسلاميّة لبنانيّة حصرًا؟
لا.
فالجبهات الاستراتيجيّة الأساسيّة حول المنطقة الشرقيّة ارتبطت إلى حدّ كبير بالمخيّمات والقواعد الفلسطينيّة، وبالممرّات التي كانت القوى الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة تحاول فتحها أو السيطرة عليها: مخيّم الضبيّة الفلسطيني، الكرنتينا، مخيّم تل الزعتر الفلسطيني ورديفه جسر الباشا، وبؤرة النبعة.
وإذا لم يهاجم المسيحيون أيّ مناطق إسلاميّة لبنانيّة في البداية، والمسلمون والحركة الوطنيّة ساندوا الفلسطيني ولم يكونوا الأساس في معاركه ضدّ المسيحيين، فما الأقرب إلى توصيف حرب الـ75: حرب بين لبنانيين وغرباء، أم حرب بين اللبنانيين؟
أمّا عن تداخل القوى الخارجيّة بالداخليّة، والذي يعتبر الدكتور متري أنّ الخلافات اللبنانيّة هي التي جلبته، فهذا محض هُراء، خصوصًا أنّ المسيحيين لم يكن في البداية أحد يساعدهم، حتى قبلت إسرائيل أن تمدّهم بالأسلحة في ربيع 1976، أي بعد عام من انطلاق الحرب.
أمّا الآخرون، فهذه خارطة تحالفاتهم الموثّقة:
ليبيا تموّل الجبهة الشعبيّة، والجبهة الشعبيّة تدعم وتموّل منظّمة العمل الشيوعي.
ليبيا واليمن الجنوبي والجزائر تموّل الجبهة الديمقراطيّة، والجبهة الديمقراطيّة تدعم وتموّل الحزب الشيوعي اللبناني.
سوريا تموّل الصاعقة، والصاعقة تموّل حزب البعث السوري في لبنان.
العراق يموّل جبهة التحرير العربيّة، التي بدورها تموّل حزب البعث العراقي في لبنان.
إذا كانت الحرب في بدايتها لبنانيّة-لبنانيّة، فلماذا كانت هذه الدول العربيّة، ومعها الاتّحاد السوفياتي، لا تموّل الأحزاب «اللبنانيّة» مباشرة، بل عبر الفصائل الفلسطينيّة؟
ببساطة، لأنّ الفلسطينيين هم مَن خاضوا الحرب ضدّ المسيحيين، وليس تلك الأحزاب «اللبنانيّة» التي كانت مُلحقة بالفلسطيني وغطّت استجلاب صراعات الآخرين إلى أرض لبنان.
سيّد متري،
نحن، اليمينيين، لسنا نتلاعب بالذاكرة، بل نجهد لتظهيرها قبل أن تمحوها سرديّاتكم اليساريّة السوداء.
أمّا أنت، دكتور متري، فعليك السعي منذ الآن لتبرير تواطؤك ضدّ اللبنانيين منذ تولّيك مفاوضات الـ1701 عام 2006. فأنت مَن روّج أنّ “نزع سلاح حزب الله شأن لبناني داخلي يجب أن يتمّ بالتفاوض، وليس بالقوّة”. وأنت مَن عارض التصوّر الأميركي لقوّة دوليّة قويّة تأتي عمليًا لضبط حزب الله وحماية الحدود الإسرائيليّة، معتبرًا أنّ ذلك «قد يعرّض “الاستقرار اللبناني للخطر”.
وكنت وزير الإعلام في الحكومة التي كرّست في بيانها الوزاري معادلة “حقّ لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته في تحرير الأراضي المحتلّة بالوسائل المشروعة”؛ خطيئة يدفع لبنان ثمنها غاليًا إلى اليوم. وأنت مَن أفهم الأميركيين أنّ شاحنة السلاح التي سقطت على كوع الكحالة كانت “لاستخدام حزب الله الداخلي، وليس لشنّ هجوم محتمل على إسرائيل”.
طمأنت إسرائيل، وتركت لبنان لمهبّ الفوضى والحروب. لا سامحك الله على هذا الفكر اليساري الكافياري الذي تُخفيه تحت عباءة الدكتوراه والمراكز العالية.
أنت تقول إنّ على اللبنانيين أن ينسوا تناقضاتهم إذا كانوا يريدون أن يستمرّوا في وطن واحد.
وأنا أقول لك، كيميني:
أن ننسى؟ لا ننسى.
فالأوطان لا تُبنى بمحو الذاكرة، بل بمساءلة التاريخ ومحاسبة أمثالك.
**لقراءة مقالات ومشاهدة مقابلات الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري المنشورة على موقعنا اضغط هنا
**To read articles and watch interviews by writer and director Youssef Y. El Khoury published on this Website The LCCC Click Here





















