العتب على قدر المحبة
الكولونيل شربل بركات/31 آذار/2026
أنا ابن عاملة لا طهران عاصمتي ولا دمشق ولا أُبتاع أو أُشرى
والأرض أرضي وهذا البيت مملكتي أتيه فيه على مروان أو كسرى
هذه الأبيات قالها شاعرنا الأستاذ يوسف حبوب، شاعر المقاومة الجنوبية الحقيقية، التي تتمسك بالأرض والحق. وهي لا تعادي بدون سبب، ولا تتعصب للنظريات وتبني عليها المصير، ولا توالي إلا لبنان والأرض التي نعيش عليها. وتستميت، نعم، في الدفاع عنها، لا عن طهران ولا عن دمشق ولا عن القدس، ولا عن موسكو أو بيكين أو واشنطن أو باريس. وهذه المقاومة ثبتت الحدود سنة 1920 ولم تتجاوزها، لا لدعم الفاعور المسترئس عليها بقرار من التركماني يوسف العظم، والمنفذ لمشاريعه الطائفية البغيضة، باختراع المجازر بين الأهل والتهجير الذي يلحقها. ولم تساند عبد الناصر يوم أراد اغلاق ميناء بيروت ليعيد توجيه تجارة أوروبا والبحر المتوسط صوب قناة السويس، ولا عرفات أيضا يوم كان يجب أن يغلقه مرة ثانية لكي يفتتح السادات القناة المنظفة بعد حرب عبد الناصر الفاشلة والتي اضطرته إلى القيام بحرب 1973 لتحريرها. هذه المقاومة لا يمكن أن تساند الأسد في قتل السوريين كرمة لعيون طهران وحرسها الثوري ومشاريعها لتغيير الديمغرافيا. ولا أن تقاتل الجار الاسرائيلي الذي تحمّل عبئ حروب سوريا واسرائيل وكل العرب، من ساحة جنوب لبنان، ودخل وخرج عدة مرات لاظهار حسن النية، ولم يقابله موقف لبناني واضح وينهي وضع تلك الساحة المفتوحة لقتاله من هذا الجنوب، ما يتسبب كل مرة بمعاناة اهله وتحمّلهم ردات الفعل التي تقودها عصبيات مبنية تارة على العروبة وطورا على اسلام الاخوان وأخيرا على ولاية الفقيه. فأين الجنوبيون من كل هذا وأين المفكّرون منهم بمصير الأهل؟
اليوم وخلال سنة فقط يتهجّر الجنوبيون للمرة الثانية، وقد تكون الأخيرة، وهم يقتلون أبناءهم في حرب ضد الولايات المتحدة واسرائيل، وربما العالم أجمع، بينما يسقط نظام الولي الفقيه في طهران، ويعاني من وقف معه من ارتداداتها، ويتعرّض جيرانه المسالمون لعملياته الحاقدة وقصفه العشوائي. ونحن في لبنان يقودنا صبية تربّوا على الولاء الأعمي وتنفيذ الأوامر بدون تفكير، وهذا قد يفهم، ولكن من يدّعون الفهم، وقد ترأّسوا الادارات والمؤسسات، وتخرّجوا من الجامعات وكتبوا الكتب، ونظّروا في الوطنية وشعاراتها، لا يسمع لهم نفس، لا بل يؤيدون في مجملهم مواقف الرعاع، ويسيرون في قافلة التهجير بدون أي تذمّر. وهم يلقون الملامة على اسرائيل بالطبع، فهي الوعاء الذي يستوعب كل الترهات. فكيف يقوم مجتمع على أمثال المفترض أنهم قادة الرأي هؤلاء؟ وكيف يفسّرون ما تتعرض له الطائفة المصادر قرارها؟
لم القى شعباً بغير الأرض مرتبطاً له ولاءٌ غريبٌ كيفما ارتحلَ
لم ألقى شعباً يرجّي هدم موطنه ليبني الغير من أنقاضه دولَ
شعبٌ كهذا جديرٌ إن مررت به أن تسدد الأنف من نتنٍ وتنعدلَ
هذه الأبيات أيضا لنفس الشاعر الاستاذ يوسف حبوب.
للأصدقاء من الطائفة المقهورة والذين تربطنا بهم ذكريات الطفولة ومقاعد الدراسة والمماحكات السياسية أحيانا، كي لا نقول مغامرات الشباب والايام الجميلة، نقول بأننا نأسف لما يحصل وبالأخص لغياب الفكر والمنطق، وغياب المبادرة، فقد تركت الساحة لقلة من أبناء الطائفة يقولون رأيهم، ولكنهم ككل اليساريين في لبنان لا يزالون أسرى العداوة المطلقة لمن يسمونهم “الصهاينة”. ونحن وقد مرت علينا مئة سنة لم نزل نناقش وضع لبنان النهائي ونظامه المميز، ولم يتقبّله الكثيرون بعد، فكيف ستنتقلون إلى تقبّل دولة اسرائيل وهي واقع يضغط على عقولكم، وهي قد أثبتت جدارتها في كل مجال، وفرضت رايها وأمنها بالقوة، ومهما عاندتم سوف تبقى، أقلّه أكثر زمنا من العديد من دول المنطقة وأنظمتها. لقد تفكك الاتحاد السوفياتي وانتقل إلى المعسكر الرأسمالي بكل ثقله؛ من تجارة الغاز والنفط إلى التحالفات والحروب، ومثله الصين الشيوعية التي اخترعت نظاما جديدا غير معروف بين الرأسمالية المنفتحة والشيوعية المنتقاة، ولم يزل شيوعيو لبنان متمسكين بنظريات تروتسكي ولينين، بالرغم من أنه حتى كوبا كانت تخلصت من بقايا كاسترو لولا أنه ورّث شقيقه راوول السلطة وهو يحاول أن يجد مخرجا ملائما للابتعاد عن تلك النظريات التي أخرت تقدم بلاده كل هذه المدة.
الفرص لا تأتي بدون مجازفة، وخلاص الشيعة في لبنان يجب أن يكون على أيدي أبناء الطائفة، كي لا يلقون اللوم لاحقا على الغير، وقد عاشت الطائفة مرحلة السيطرة على البلد، وعرف أبناؤها معنى الانتماء إلى وطن، ولو كان تحت ستار ولاية الفقيه، التي أضاعت الفرصة ولكن الشعور بالانتماء كبر والتضحية، ولو بغير محلها، توضحت، فالأوطان لا تبنى بالتمني بل العمل والتجربة والنضال في سبيل مستقبل أفضل لا مستقبل غامض يعادي الكل ولا أمل له في العيش.
هلموا وانتفضوا على طغيان بري المستفيد الأكبر من الوضع، وحزب الشيطان قاتل الشيعة في لبنان وخانق مستقبلهم، فربما هناك بعد أمل للتكاتف والتواصل مع بقية اللبنانيين، واستباط حلول مع جيراننا الاسرائيليين تسهم في تخطي الأزمات واستعادة المبادرات الناجحة، التي تبني الدول والعلاقات وتجعل جنوب لبنان مرة أخرى مكانا يمكن أن يشبه الوطن، بأمنه واستقراره وتعاونه مع جيرانه بالقانون لا بالحقد وبالتعاون لا بالعداوة…
السيرة الذاتية للكولونيل شربل بركات
خبير عسكري، كاتب، شاعر، مؤرخ، ومعلق سياسي
*ضابط متقاعد من الجيش اللبناني
*متخرج من المدرسة الحربية ومجاز بالعلوم السياسية والادارية من الجامعة اللبنانية
*كلف كأحد الضباط لتنظيم الدفاع عن القرى الحدودية منذ 1976
*تسلم قيادة تجمعات الجنوب
*تسلم قيادة القطاع الغربي في جيش لبنان الحر وأصبح مساعدا للرائد سعد حداد ثم تسلم قيادة الجيش بالوكالة عندما مرض الرائد حداد واستمر بعد وفاته حتى مجيء اللواء أنطوان لحد فأصبح مساعده ثم قائدا للواء الغربي في جيش لبنان الجنوبي
*ترك العمل العسكري في 1988 وتسلم العلاقات الخارجية
*شهد أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي مرتين
*كاتب سياسي وباحث في التاريخ له الكثير من الكتب والمقالات السياسية التاريخية والانسانية
نشر كتابه الأول “مداميك” (1999) الذي يحكي عن المنطقة الحدودية ومعاناة أهلها، ترجم إلى العبرية ونشرته معاريف (2001) والانكليزية (2012) Madameek – Courses – A struggle for Peace in a zone of war موجود على Amazon Books
*نشر كتابه الثاني “الجنوب جرحنا وشفانا” الذي يشرح الأحداث التي جرت في المنطقة بين 1976 – 1986
*الكتاب الثالث “Our Heritage” كتاب بالانكليزية يلخص التراث اللبناني مع رسومات لزيادة الاستيعاب موجه للشباب المغترب
*كتابه السياسي الثالث “لبنان الذي نهوى” (2022) جاهز للطبع
*كتاب مجزرة عين إبل 1920 وهو بحث تاريخي عن المجزرة التي ساهمت في نشوء وتثبيت لبنان الكبير
*كتاب “المقالات السياسية 2005 – 2013” مئة ومقالة منشور على صفحته
*كتاب “الشرق الأوسط في المخاض العسير” مجموعة مقالات سياسية (2013 – 2025)
*كتاب “العودة إلى عين إبل” بحث تاريخي بشكل قصصي عن تاريخ المنطقة بين 1600 – 1900
*كتاب شعر عن المعاناة خلال الحرب الكبرى 1914 – 1918 من خلال قصيدة زجلية نقدية جاهز للطبع
*كتاب “تاريخ فناء صور الخلفي” بحث تاريخي عن المنطقة الجنوبية – قيد الانجاز
*كتاب المقالات الانسانية وكتاب عينبليات قيد الانجاز