حين يُصبح الفكر جريمة في قاموس “جريدة الأخبار”.
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/29 آذار/2026
في لحظة نادرة بوضوحها، أطلّ المهندس الأستاذ ألفراد الماضي مطلع الأسبوع عبر شاشة االـ mtv، وطرح فكرة تختصر مأساة لبنان منذ عقود:
لبنان ليس ساحة لحروب الآخرين، بل معبرًا لمحاربة إسرائيل.
جملة واحدة، لكنها تهزّ كل السرديّات التي بُنيت لتبرير تحويل هذا البلد إلى صندوق بريد للصراعات الإقليميّة.
هذه الفكرة، ببساطتها وعمقها، دفعتني إلى التعمّق بها، فاستأذنت الأستاذ ألفراد لمناقشتها والتوسّع فيها، لأنّها تختصر أصل الأزمة اللبنانيّة، وتفتح بابًا لمستقبل مختلف إذا تجرّأنا على فهمها.
لكن ما حصل بعد ذلك لم يكن نقاشًا، بل محاولة اغتيال معنوي؛
فجأة، تقفز جريدة “الأخبار” لتصوّب على الرجل، لا لتناقش فكرته، بل لتشوّهها. تجاهلت بالكامل جوهر طرحه “لبنان معبر لمحاربة إسرائيل”، وركّزت على اقتباسات مجتزأة لتتّهمه بالدعوة إلى التطبيع. هكذا ببساطة، يتحوّل نقاش استراتيجي إلى محاكمة نوايا، ويتحوّل رجل أمضى حياته في الدفاع عن لبنان إلى متّهم في وطنيّته.
لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه:
إذا كان الهدف تفنيد فكرة المهندس الماضي، فلماذا هذا التضخيم المفتعل لحضوره في المقال؟ لماذا صورة في أعلى الصفحة الأولى، وصورة ثانية كبيرة داخل المقال، فيما لا يتجاوز الحديث عنه بضعة أسطر؟ ولماذا هذا التناقض الفجّ بين إعطائه هذا الحجم البصري، ومحاولة التقليل من شأنه بعبارات من نوع أنّ “حركته الخيار الآخر لم يسمع بها أحد”؟
الجواب واضح:
هذا ليس نقدًا… بل تحريض.
تحريض منهجي اعتدنا عليه من جريدة مرتهنة، لا تتردّد في شيطنة كل من يخرج عن خطّها الموالي لإيران، والمموّل منها.
فما الذي يزعجهم في ألفراد الماضي؟
هل لأنّه رجل، رجل، لم يساوم يومًا على القضية اللبنانية؟
هل لأنّه لم يضع أي قضية فوق لبنان؟
أم لأنّه كان في صلب الواحد والعشرين يومًا الأكثر سيادة وكرامة في تاريخ هذا البلد، بعيد انتخاب بشير رئيسًا؟
الأرجح، لأنّه ببساطة… يعرف؟
يعرف كيف كانت تُدار العلاقات الدولية إلى جانب رفيقه بشير الجميّل.
يعرف كيف تحوّلت القوى التي كانت تعادي المقاومة المسيحية إلى محاور لها من الندّ إلى الند.
يعرف كيف صُنعت التوازنات التي أوصلت بشير إلى سدّة الرئاسة.
وهذا تحديدًا ما لا يُغفر له لأنّ لا يرى لبنان ساحة، ولا يرى اللبنانيين وقودًا ولا يقبل بأن يُستخدم لبنان كأرض معركة نيابة عن الآخرين.
هنا جوهر المشكلة.
فمنذ العام 1949، حين ضغط العرب على لبنان لدخوله الحرب ضدّ إسرائيل، ومنذ أن استُخدمت أرضه كمنصة للنضال الفلسطيني، بدأ الانحراف. لم يكن لبنان يومًا صاحب القرار في حروبه، بل كان دائمًا مُستدرجًا إليها.
المشهد نفسه يتكرّر، فقط تغيّر اللاعب… وبقيت الآلية و “الآلهة”.
من منظمة التحرير بالأمس، إلى حزب الله اليوم، ومن الوصاية العربية سابقًا، إلى الاحتلال الإيراني حاليًا، بقي لبنان ساحةً للآخرين.
من هنا تأتي خطورة طرح الماضي لأنّه يقلب المعادلة.
هو لا يقول إنّ لبنان ينسحب من الصراع مع إسرائيل، بل يقول إنّ هذا الصراع يجب أن يُدار من موقع الدولة، لا من موقع الوكالة. ويقول إنّ لبنان ليس أرضًا مفتوحة لكل من يريد أن يقاتل إسرائيل على حسابه، بل يجب أن يكون هو صاحب القرار في متى وكيف ولماذا. أمّا بالنسبة لجريدة “الأخبار”، فهذا الكلام خطر لأنّه يهدّد وظيفة لبنان كما يريدونها:
ساحة دائمة، لا دولة.
ولهذا السبب، لا يناقشون الفكرة، بل يهاجمون صاحبها.
لا يردّون على الطرح، بل يشوّهون النوايا.
لا يدخلون في جوهر النقاش، بل يهربون إلى تهمة جاهزة: “تطبيع”.
كلمة واحدة، تُستخدم كسلاح لإسكات أي تفكير خارج الخط، في حين أنّ الحقيقة هي أبسط من كل هذا الضجيج:
ما يخيفهم ليس التطبيع… بل السيادة.
ما يخيفهم هو أن يأتي من يقول إنّ لبنان ليس ساحة ويعيد تعريف موقع هذا البلد. يُسقط كل ما بُني خلال عقود. يسقط فكرة “وحدة الساحات”. يسقط فكرة “الوظيفة”. ويُسقط فكرة أنّ لبنان مجرّد خط تماس في حروب الآخرين.
فلكلّ ما سبف، كان الهجوم الذي مهما اشتدّ، لا يغيّر الحقيقة:
لبنان لم يُدمَّر لأنّه واجه إسرائيل، بل لأنّه لم يكن هو من يقرّر كيف يواجهها.
ولبنان لن يُنقذ بالشعارات، بل حين يستعيد حقّه الطبيعي:
أن يكون دولة… لا معبرًا للآخرين، ولا ساحةً لحروبهم، بل صاحب القرار في أرضه، وحده.
حماك الله، أستاذ ألفراد، فالحقيقة التي تقولها أمضى من سلاحهم… وأبقى.
إنّه اليوم المئة والثاني والسبعون بعد السنة السادسة لانبعاث طائر الفينيق.