web analytics
Home رسائل رأي عام/Public Opinion Letters شبل الزغبي/لبنان بين قداسة الشعارات ودناءة الأفعال … زعماء لبنان وتينة الإسخريوطي

شبل الزغبي/لبنان بين قداسة الشعارات ودناءة الأفعال … زعماء لبنان وتينة الإسخريوطي

6

لبنان بين قداسة الشعارات ودناءة الأفعال … زعماء لبنان وتينة الإسخريوطي
شبل الزغبي/23 شباط/2026

إذا كانت الشجرة تُعرَف من ثمارها، فسياسيو لبنان يُعرَفون من خرابهم. ثمارهم ليست مشاريع تنمية ولا مؤسسات مزدهرة، بل دين عام، مصارف منهوبة، شباب مهاجر، وكرامة مسحوقة. منذ الاستقلال وحتى اليوم، تتبدّل الوجوه وتبقى الذهنية ذاتها: نهب منظم، محاصصة مقنّعة، وولاءات خارجية تُقدَّم على مصلحة الوطن. يتحدثون عن السيادة وهم أول من يرهنها، يرفعون شعارات الإصلاح وهم أوّل من يدفن أي محاولة للمحاسبة.

يشبهون شجرة التينة التي لعنها السيد المسيح لأنها لم تُثمر. ضجيج كثير، ثمار معدومة. خطابات نارية عن الواجبات والحقوق، فيما السلاح غير المنضبط أقوى من الدولة، والقانون أضعف من الهاتف السياسي، والفساد شبكة أمان تحمي السارق وتخنق الضحية. يضحكون على الناس بمسرحيات انتخابية تعيد إنتاج الطبقة نفسها، الطينة نفسها، العقلية نفسها، وكأن الوطن حقل تجارب لفشل متكرر لا نهاية له.

يتدينون في العلن ويتعبدون للمال في السر. يصلّون بشفاههم ويغشّون بقلوبهم. أي تقوى هذه التي تسمح بإذلال شعب؟ أي إيمان هذا الذي يتعايش مع سرقة جنى أعمار الناس؟ كيف لمن يخاف الله أن ينام مرتاحاً وبلده يغرق في العتمة والفقر؟ المشكلة لم تعد في خطأ عابر، بل في ثقافة سياسية مريضة تُورِّث الزعامة كما تُورَّث العقارات، وتتعامل مع الدولة كغنيمة، ومع المواطن كصوت يُشترى أو يُخدَّر بالشعارات.

الوراثة السياسية ليست تفصيلاً، بل أحد أمراضنا المستعصية. عائلات تتناقل النفوذ جيلاً بعد جيل، وكأن لبنان مزرعة خاصة. لم نتعلم من حروبنا ولا من انهياراتنا، بل نستعد لتوريثها لأبنائنا. كأننا نقول لهم: هذا الخراب أمانة في أعناقكم، حافظوا عليه.

وإذا بحثنا عن الهوية اللبنانية الصافية، عن الانتماء الذي يرى في لبنان وطناً نهائياً لا محطة عبور، سنجده أقلية. كثيرون عاشوا فيه جسدياً لكن قلبهم للخارج، لم يؤلمهم تدميره. من لا يعتبر الأرض بيتاً لن يبكي إن احترق سقفها. قبل أن نناقش شكل النظام، علينا أن نسأل بصدق: هل نريد وطناً فعلاً أم ساحة نفوذ؟ هل نرى لبنان رسالة أم صفقة؟ أي لبنان نريد أن نعيش فيه، وأي لبنان نريد أن نتركه؟

وبما أن سياسة لبنان وصلت إلى هذا الدرك من الرداءة، وبما أن أغلب ساسته باعوا ضمائرهم كما باع غيرهم القضية بثلاثين من الفضة، فربما آن لهم أن يفتّشوا عن شجرة تين الإسخريوطي. فالتاريخ لا يرحم من يخون شعبه، ويطعن بانتمائه، والذاكرة لا تغفر لمن يسلّم وطنه مقابل مكاسب زائلة. أما لبنان، فسيبقى أكبر من خياناتهم، وأنقى من ضمائركم، لأن الأوطان قد تتعثر، لكنها لا تموت إن بقي فيها من يؤمن بها حتى الرمق الأخير، فلبنان تاريخ وهويّة لا غنيمة، ويستحق أن يولد من رماده وطن يشبه أحلام أبنائه لا أطماع حكامه.

Share