الحرس الإيراني العالق في علي الطاهر
أحمد عيّاش/جنوبية/28 آب/2026
صنع “حزب الله” وأنصاره من بقاء الديبلوماسي الإيراني محمد رضا شيباني ضمن أسوار السفارة في بيروت “انتصاراً”. وقلل الحزب وأنصاره من أهمية أن يتحوّل شيباني من مشروع سفير لبلاده في لبنان إلى مجرد مواطن إيراني عادي. واهتم في المقابل بـ”أهمية” سقوط قرار الدولة اللبنانية بمغادرة شيباني، بفضل منح السلطات اللبنانية شيباني إقامة قانونية في لبنان لمدة ستة أشهر بصفته “مواطناً إيرانياً وليس دبلوماسياً”. وكادت جماعة النظام الإيراني في لبنان بكل تلاوينها إقامة استقبالات لنهاية مرحلة بدأت في آذار الماضي، حيث اعتبرت الخارجية اللبنانية شيباني “شخصاً غير مرغوب فيه”، طالبةً منه مغادرة البلاد خلال 72 ساعة، لكنه لم يمتثل.
من السفارة إلى علي الطاهر
تنطلق بدءاً من الاثنين هذا الأسبوع إقامة شيباني لمدة نصف عام في السفارة الإيرانية. لكن قادة الحرس الثوري الإيراني وعناصره العالقون في نفق علي الطاهر في النبطية يتمنون لو أنهم مع شيباني يتمتعون برفاهية العيش كما يفعل هو، بدلاً من العيش في المنشأة التي أقامتها طهران بعد حرب العام 2006 لتكون قلعة النفوذ الإيراني في الجنوب. وتتيح أقوال رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف، كما نقلتها في منتصف آب الجاري وكالة مهر الإيرانية، تلمّس معضلة جماعة الحرس الثوري في علي الطاهر، ولو أن قاليباف لم يشر إلى ذلك صراحة. فقد قال قاليباف خلال اجتماع مع “نخبة من المثقفين”، وفق الوكالة الإيرانية: “منذ عام 1985 وأنا منخرط في قضايا لبنان. كانت تربطني صداقة وعلاقة وثيقة بكل شهداء لبنان، وما زلت على تواصل مع المقاتلين في الخطوط الأمامية في لبنان”.
من هم “المقاتلون” الذين يتحدث عنهم قاليباف؟
تحدث المسؤول الإيراني الكبير عن التواصل مع “المقاتلين في الخطوط الأمامية في لبنان”. وبات معروفاً أن منطقة النبطية التي تضم معقل علي الطاهر خطاً أمامياً بامتياز، بعد احتلال إسرائيل سائر المناطق الجنوبية التي تفصل جبل عامل عن إسرائيل. وقد امتنع قاليباف عن توضيح هوية هؤلاء المقاتلين.
فمن سيفعل ذلك؟
أتى الجواب يوم الأحد الماضي في تقرير أعده رون بن يشاي ونشرته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية تحت عنوان “الجيش قادر على حسم المعركة في تلة علي الطاهر، وهذا هو سبب عدم استعجاله”. وجاء في مستهل التقرير: “إن الطريقة التي ستنتهي بها المعركة في تلة علي الطاهر فوق الأرض، وكذلك تحتها، سيكون لها تأثير حاسم في نتائج حرب لبنان الثالثة، ولا سيما على فرص نزع سلاح “حزب الله”. ولهذا السبب، فإن جميع الأطراف المشاركة في القتال، وخصوصاً في الاتصالات السياسية المكثفة التي تجري بعيداً عن الأضواء لإنهاء هذا الصراع، تحافظ على أدنى مستوى ممكن من الظهور الإعلامي، ولا تفرج عن المعلومات إلا بقدر محدود”.
“المصيدة” تحت الأرض
أضاف التقرير: “يخشى “حزب الله” والإيرانيون من أن تؤدي التغطيات الإعلامية إلى الإضرار بفرصهم في التوصل، عبر الوسطاء، إلى اتفاق يسمح لعناصرهم بالخروج سالمين، وبأقل قدر ممكن من الإذلال، من المصيدة التي علقوا فيها تحت الأرض، لكن ما يجعل المواجهة شديدة الانفجار هي حقيقة أنه، فضلاً عن وجود عشرات المقاتلين والقادة الكبار في “حزب الله”، يوجد تحت صخور سلسلة علي الطاهر، وفقاً لقناة “العربية”، العشرات من المستشارين الإيرانيين أيضاً، وأكثريتهم ضباط في الحرس الثوري، وصلوا خلال العام الماضي إلى المقر تحت الأرض لمنطقة عمليات “حزب الله” الواقعة شمال نهر الليطاني”. “ما يسميه حزب الله “الحيز العملياتي بدر” يمتد من الليطاني جنوباً إلى نهر الزهراني شمالاً، وتقع في وسط هذه المنطقة هضبة النبطية ومدينة النبطية، وإلى الغرب منهما ترتفع سلسلة علي الطاهر إلى نحو 600 متر مباشرةً. اختار “حزب الله” وضع مقر قيادة منطقة بدر ووسائل نيرانه الثقيلة على هذه السلسلة لأنها، من حيث الرصد والنيران، تسيطر على جميع طرق المواصلات والمسارات التي تتيح الوصول إلى هضبة النبطية الاستراتيجية، وهي أيضاً قريبة بما يكفي من الحدود مع إسرائيل، لإدارة حرب القصف ضد الجبهة الداخلية في الجليل، وكذلك معركة صدّ الجيش الإسرائيلي في حال تقدّم شمالاً”.
الجيش الإسرائيلي يحاصر “بدر”
“وإدراكاً للأهمية الاستراتيجية للسلسلة، أرسل الجيش الإسرائيلي وحدات من الفرقة 36 للسيطرة على أطراف النبطية وسلسلة علي الطاهر، بالتزامن مع “تطهير” سلسلة البوفور [الشقيف] جنوباً. فالعملية السريعة، التي استندت إلى معلومات استخباراتية مفصلة وذات جودة عالية عن مجمّع القيادة تحت الأرض، باغتت حزب الله، ففوجئ عناصره عندما ظهر مقاتلو “إيغوز” ووحدة “يهلوم” عند مداخل عدد من الأنفاق وأحاطوا بهم. ومنذ ذلك الحين، جرت محاولات عديدة من مقاتلي “حزب الله” وعناصر الحرس الثوري للخروج من المجمّع، أو في المقابل، إدخال الإمدادات والتعزيزات إليه من قرى هضبة النبطية”. ويفيد تقرير “يديعوت أحرونوت” أيضاً: “إن العدد الدقيق للمحاصَرين تحت الأرض في سلسلة علي الطاهر غير معروف، لأن بعضهم تمكن من الفرار قبل أن يفرض الجيش الإسرائيلي الحصار على المنطقة قبل نحو عشرة أسابيع. وتتحدث التقديرات الإعلامية، بما فيها مصادر قريبة من “حزب الله”، عن وجود ما بين 20 و40 من عناصر “حزب الله” المحاصرين تحت الأرض حالياً، إلى جانب العشرات من ضباط الحرس الثوري”.
لماذا لا تستعجل إسرائيل الحسم؟
تابعت الصحيفة: “يبدو كأن وجود الإيرانيين والضغط الأميركي لمنع حدوث تصعيد إقليمي هما اللذان يفرضان على قوات الجيش الإسرائيلي، التي تحاصر السلسلة، نمطاً قتالياً حذراً وبطيئاً فوق الأرض، وخصوصاً تحت سطحها. ومن المعقول جداً الافتراض أن الجيش الإسرائيلي كان يستطيع إنهاء الأمر قبل أسابيع، لو استخدم في أنفاق السلسلة الوسائل وأساليب القتال لـ”تطهير” الأنفاق وإخراجها من الخدمة، والتي طوّرها خلال الحرب الأخيرة في قطاع غزة ولبنان. لكن لو لجأ الجيش الإسرائيلي إلى هذه الأساليب الفتاكة والفعالة، لكانت أجهزة الإنقاذ اللبنانية ستُخرج عشرات القتلى والجرحى من عناصر “حزب الله” والإيرانيين من الأنفاق، ومشاهد من هذا النوع ستجبر كبار مسؤولي النظام في طهران على تنفيذ التهديدات الصريحة التي يطلقونها منذ حزيران من هذا العام ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا يوفر كبار مسؤولي الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي في طهران الكلمات للتوضيح أنهم يرون في “حزب الله” ركيزة استراتيجية إيرانية حيوية، ولا سيما عندما يكون عناصر الحرس الثوري متورطين بشكل مباشر؛ لذلك، ليس من الصعب التكهن بكيفية ردّ الإيرانيين في حال وقوع حمام دم في سلسلة علي الطاهر، فمن المؤكد أنهم سيطلقون صواريخ وطائرات مسيّرة في اتجاه إسرائيل، وسيردّ الجيش الإسرائيلي في إيران، ومن المرجح جداً أن يؤدي ذلك إلى تصعيد أيضاً في الخليج العربي، وأن تتعرض القواعد الأميركية والدول العربية المطلة عليه للأضرار؛ في التوقيت الحالي، إن تطوراً كهذا يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج العربية، ومع مصالح قطاع الطاقة العالمي”.
لماذا لا تستعجل إسرائيل الحسم؟
واعتبرت يديعوت أحرونوت أخيراً أنه “ليس لدى إسرائيل ما يدعوها إلى الاستعجال. لقد واجه الجيش الإسرائيلي وضعاً مشابهاً عندما حاصر مجمّع أنفاق كبيراً في رفح. وفي تلك المعركة، أثمر الصبر؛ صحيح أن الأمر استغرق بضعة أسابيع، لكن في نهاية المطاف، قُتل معظم عناصر “حماس” الذين كانوا محاصَرين في الأنفاق، بينما استسلم وأُسر عدد قليل منهم. لكن حزب الله وأنصاره مستعجلون، ويمارسون ضغوطاً على الحكومة اللبنانية، التي تضغط بدورها على الأميركيين؛ لذلك، تجري اتصالات دبلوماسية باستمرار، معظمها سري، في موازاة القتال على الأرض، بهدف التوصل إلى صيغة لإنهاء حادثة السلسلة من دون التسبب بتصعيد واسع”.
اتصالات دبلوماسية… ومخرج للحصار
“ومن المفترض ألّا يوافق حزب الله على تسليم أسلحته، وسيطالب بأن يكون انسحاب الجيش الإسرائيلي وعناصره متزامناً؛ وهكذا يأمل عناصر “حزب الله”، على ما يبدو، بالانسحاب مرفوعي الرأس، وأسلحتهم بأيديهم، وبالتالي تقليص الإذلال المرتبط بمثل هذا الوضع. لكن تجدر الإشارة إلى أن المفاوضات وصلت حالياً إلى طريق مسدودة”. إذاً، تحدث تقرير الصحيفة الإسرائيلية عن “اتصالات دبلوماسية” لإخراج نفق علي الطاهر الإيراني من عنق الحصار الإسرائيلي. لكن الصحيفة أو سواها لم تشر إلى احتمال أن يكون الموقف الأخير للقيادي في “حزب الله” محمود قماطي من الحوار مع واشنطن يندرج في سياق هذه الاتصالات. فقال قماطي، في موقف هو الأول من نوعه، إن الحزب “لا يغلق الباب نهائياً أمام إمكان التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن القرار بهذا الشأن سيتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة”. ستذهب سكرة “الانتصار” في السفارة الإيرانية عاجلاً أم آجلاً. ومعها فكرة حصار الحرس الثوري الإيراني في نفق علي الطاهر سريعاً.