web analytics
Home تعليقات ومقالات مميزة أحمد الجابر/هل تحمي القواعد التركية القرار السيادي في دمشق؟ القواعد التركية في...

أحمد الجابر/هل تحمي القواعد التركية القرار السيادي في دمشق؟ القواعد التركية في سوريا.. النفوذ الذي تخشى إسرائيل أن يقلب معادلة القوة

4

هل تحمي القواعد التركية القرار السيادي في دمشق؟ …القواعد التركية في سوريا.. النفوذ الذي تخشى إسرائيل أن يقلب معادلة القوة
أحمد الجابر/موقع+963/28 آب/2026
تتسع دائرة التوتر بين إسرائيل وتركيا في سوريا، مع تحول القواعد العسكرية السورية إلى نقطة صراع على النفوذ والقدرة على التحكم بالمجال الجوي. فقد أعادت الغارات الإسرائيلية الأخيرة على قاعدة أبو الظهور العسكرية في إدلب، في 18 آب/أغسطس، ملف الوجود العسكري التركي إلى الواجهة، وسط اتهامات إسرائيلية بأن دمشق تقترب من السماح بتموضع عسكري تركي في القاعدة، مقابل نفي تركي وسوري لهذه الاتهامات. وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة ضربات إسرائيلية طالت مواقع عسكرية سورية كانت تركيا قد أبدت اهتماماً باستخدامها، بينها قاعدة T4 وتدمر، ما يعكس خشية إسرائيلية من أن يؤدي التعاون العسكري المتنامي بين أنقرة ودمشق إلى تقليص هامش حركة سلاح الجو الإسرائيلي داخل سوريا. ومع تحذيرات أميركية من أن التصعيد الأخير كاد يدفع نحو مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا، يبرز السؤال: لماذا تخشى تل أبيب القواعد التركية في سوريا، وهل يمكن أن تتحول هذه القواعد إلى عامل ردع يغيّر قواعد الاشتباك في الأجواء السورية؟

إسرائيل تخشى إعادة بناء الجيش السوري
يقول ناجي ملاعب، خبير عسكري واستراتيجي، لـ”963+”: إن إسرائيل لم تكن منزعجة من النظام السابق، الذي استخدم القوة ضد انتفاضات شعبه، ووصل به الأمر إلى استخدام البراميل المتفجرة والطيران، واستنجد بالروس. ولا ننسى أن اتفاقيات عام 2017 الموقعة مع روسيا لمدة 49 عاماً كانت تتيح للروس أن يفعلوا ما يشاؤون، من دون أن يكونوا خاضعين للمحاسبة، لا محلياً ولا دولياً. ويوضح ملاعب، كانت إسرائيل مرتاحة لوجود النظام السابق في سوريا. أما الآن، فعندما حصل الانتقال السياسي، بدأت تخشى أن تصبح القدرات العسكرية السورية، إذا ما كانت تمثل شعبها بشكل جيد، عاملاً ينبغي أن تحسب له إسرائيل حساباً.

لذلك، يشير إلى أن إسرائيل قامت بتدمير ما لا يقل عن 70% من قدرات الجيش العربي السوري خلال أسبوع، عبر 480 غارة. واليوم، بعد هذا الانتقال السياسي والترحيب الذي حصل بهذا الانتقال عربياً ودولياً، وبالأخص من تركيا، أصبح هذا الأمر يقلق إسرائيل. ففي السابق، كانت إسرائيل غير قلقة من النظام القائم، أما الآن فأصبحت قلقة. يرى ملاعب أن القلق الإسرائيلي من إعادة تنظيم الجيش السوري يرتبط بتطور القدرات العسكرية التركية، التي أصبحت لاعباً بارزاً في الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة والدفاع الجوي، إضافة إلى مخاوف تل أبيب من تقارب دول إقليمية وظهور تحالفات جديدة تضم تركيا والسعودية وباكستان.ويشير إلى أن موقع سوريا الجيوسياسي يجعلها محوراً مهماً لمشاريع الطاقة والنقل الإقليمية، وأن تطوير قدراتها العسكرية بدعم تركي قد يغير المعادلة مع إسرائيل، خصوصاً في ظل وجودها بجبل الشيخ والجنوب السوري. كما يرى أن تعزيز الدفاعات الجوية في المطارات السورية قد يدفع إسرائيل إلى إعادة حساباتها بشأن استخدام الأجواء السورية أو تنفيذ ضربات جديدة. أما بالنسبة إلى احتمالية الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل، فيوضح ملاعب أنه لا يرى أن هناك احتكاكاً حتى الآن. فتركيا ما زالت تزود إسرائيل بالبترول عبر خط باكو-تبليسي-جيهان. وهذا الخط ينقل البترول من أذربيجان إلى جورجيا ثم إلى تركيا، ومن هناك يصل إلى إسرائيل عبر البحر، وصولاً إلى ميناء أشكلون، وفق الترتيبات القائمة منذ عام 2005. ويتابع: شهدنا كل ما شهدناه في غزة، وحتى اليوم، كل الكلام التركي هو كلام، لكن تزويد إسرائيل بالبترول ما زال قائماً بين الدولتين. لذلك، يعتقد أنه طالما أن هناك علاقات اقتصادية لم تُقطع، ولم يُتخذ موقف من تركيا في هذا الاتجاه، فلا يعتقد أن هناك صداماً بين الطرفين. وكذلك، يرى أنه ما زال من المبكر أن يحصل صدام، لأن الأجواء السورية والوضع السوري اليوم لم يصلا بعد إلى مرحلة وجود جيش سوري نظامي قوي. وهذا الجيش يحتاج إلى التدريب على التقنيات السابقة واللوجستيات السوفيتية والروسية السابقة، بالتوازي مع الأنظمة الجديدة التركية. ويوضح ملاعب أننا نحتاج إلى وقت حتى يصبح لدينا جيش سوري قادر على الدفاع عن بلده بمعونة تركيا. ومبدئياً، يؤكد: أنا لا أرى أن الأتراك سيخوضون اشتباكاً مع إسرائيل داخل سوريا في المرحلة الحالية.

قواعد تركيا تقيد حرية إسرائيل الجوية
تقول الدكتورة زينة منصور، أكاديمية وباحثة في العلاقات الدولية، لـ”963+”: إن المخاوف الإسرائيلية من القواعد التركية لها مبرراتها. فإسرائيل تخشى الوجود التركي لكونه يفرض قواعد اشتباك معقدة مع دولة في الناتو، تجنباً لأزمة بين اللاعبين الإقليميين. وهي تخشى، وفق منصور، من كشف شبكات الرادار التركية لحركة الطيران الإسرائيلي عند إقلاعه، مما يُسقط المفاجأة، إضافة إلى الغطاء القانوني للتواجد التركي القائم على اتفاقيات رسمية تصعّب استهدافه. وتضيف أن الوجود التركي والدفاعات والقواعد التركية في سوريا يحد من حرية سلاح الجو الإسرائيلي ومن الحركة الإسرائيلية دون إنهاء تفوقها التكنولوجي، فتتحول الأجواء السورية إلى “منطقة متنازع عليها” تُنهي سياسة العمل بلا مخاطرة، وتُجبر تل أبيب على اعتماد خطوط جوية التفافية وأسلحة مكلفة لتفادي الاحتكاك مع أنقرة. وتشير إلى أن قاعدتي تدمر وT-4 تمنحان تركيا السيطرة على عمق سوريا ومدارج لتشغيل مسيرات ومقاتلات لفرض حظر جوي، مع توفير رؤية رادارية حتى للحدود الإسرائيلية، مما يحرم إسرائيل من التخفي الراداري ويعطل قدرتها على ضرب العمق السوري دون الاصطدام بالقوات التركية. وتتابع أن الدفاعات التركية ومنظومات الدفاع التركية تتحول إلى عامل ردع، عبر فرض حسابات سياسية وعسكرية معقدة تمنع الضربات المباشرة، وإنشاء مناطق حظر وصول تحرم إسرائيل من استخدام الأجواء كمنصة إطلاق، فضلاً عن تحييد أنظمة التشويش الإسرائيلية عبر التكامل بين الدفاع الجوي والمسيرات والحرب الإلكترونية. وترى منصور أن الخلاف حول القواعد التركية يعكس صراعاً يتصل بإعادة تشكيل موازين القوى في سوريا عبر محورين إسرائيلي-تركي.
فالخلاف، بحسبها، يعيد رسم خريطة النفوذ، إذ تسعى تركيا لتثبيت أمنها القومي باعتبار سوريا حديقتها الخلفية تاريخياً في المشرق منذ حكم السلطنة العثمانية، وعاملاً مساعداً لحجز دورها في النظام الإقليمي الجديد. أما إسرائيل، فترى في هذا التمدد تهديداً لهيمنتها الجوية المطلقة، وتوضح أن تركيا تسعى بقرار إقليمي إلى ملء الفراغ الجيوسياسي في سوريا عقب تراجع النفوذ الإيراني. لذلك، بات العمق السوري ساحة تنافس. وتشير إلى أن إسرائيل ترفض التمدد التركي نحو قواعد استراتيجية، كـ”تدمر” و”T-4″، لمنع فرض مناطق “حظر وصول” تُقيد ضرباتها الاستباقية.

وفي المقابل، ينخفض احتمال الصدام بين الطرفين، بحسب منصور، لإدراكهما كلفة المواجهة، فيحرصان على تفعيل خطوط الاتصال الاستخباراتية لمنع الحسابات الخاطئة. وقد ينحصر التصعيد المحتمل باحتكاكات موضعية محدودة، في أخطاء ميدانية غير مقصودة، والإغلاق الراداري، والتشويش الإلكتروني، وهي أمور تُطوّق سريعاً بضغوط دولية. كما تلفت إلى أن تركيا توفر غطاءً أمنياً وحماية موضعية وليست شاملة للمناطق والقواعد التي تتواجد فيها قواتها، لتفادي استهداف إسرائيل للمواقع المرفوع عليها العلم التركي. وتوضح أن مصلحة تركيا تتركز في مدى قدرتها على حماية العمق السوري ضمن أمنها القومي، دون الانزلاق إلى حرب لأهداف خارج هذا النطاق. فهي تلتزم بقيود التحالفات الدولية، ويحد من تحركها علاقاتها مع واشنطن وحلف الناتو، وتفضل أن تستخدم ثقلها العسكري كورقة تفاوض سياسي بدلاً من المواجهة مع إسرائيل، تفادياً للوقوع في أخطاء إيران في المنطقة، وفق منصور.

الردع التركي لا يغني عن بناء القوة السورية
يقول بشار علي الحاج علي، ديبلوماسي وسياسي سوري، لـ”963+”: إن مسألة القواعد التركية في سوريا تأتي ضمن مرحلة إقليمية جديدة تتغير فيها موازين القوى، خصوصاً بعد تراجع الدور الإيراني، وما ترتب عليه من فراغ تسعى أطراف مختلفة إلى التأثير في اتجاهاته. ويرى الحاج علي أن المصلحة السورية تقتضي التعامل مع هذه التحولات من موقع الدولة الوطنية، لا منطق المحاور، وبناء سياسة مستقلة ومتوازنة تحفظ القرار والسيادة السورية. ويشير إلى أن إسرائيل لا تخشى القواعد التركية بحد ذاتها، بقدر ما تخشى أن يؤدي الوجود العسكري التركي إلى تغيير البيئة التي منحت سلاحها الجوي خلال السنوات الماضية هامشاً واسعاً من حرية العمل داخل سوريا. فوجود دفاعات جوية وقدرات عسكرية تركية متقدمة يمكن أن يجعل العمليات الإسرائيلية أكثر تعقيداً وكلفة، لكنه لا يعني إلغاء التفوق الجوي الإسرائيلي أو إنهاء قدرته على العمل، وفقاً للحاج علي. ومن الناحية السورية، يضيف، الأهم ألا يتحول هذا التوازن إلى اعتماد دائم على قوة خارجية، بل أن يكون التعاون العسكري مع تركيا جزءاً من مسار إعادة بناء القدرات الدفاعية السورية. ويرى أن أهمية هذه القواعد ترتبط بموقعها الجغرافي وقدرتها على أن تكون جزءاً من منظومة جوية ودفاعية أوسع، خصوصاً أن وجودها في وسط سوريا يمنحها أهمية في مراقبة المجال الجوي وربط القدرات العسكرية بمناطق مختلفة من البلاد. لذلك، ينوه إلى أن تركيا تنظر إليها من زاوية تعزيز حضورها وقدرتها على دعم الاستقرار والدفاع، بينما تنظر إليها إسرائيل باعتبارها قد تحد من هامش حركتها العسكرية. أما المصلحة السورية، بحسب الحاج علي، فهي أن تصبح هذه المواقع جزءاً من مؤسسة عسكرية وطنية، لا أدوات نفوذ دائم لأي طرف خارجي، ويعتبر أن هذه القواعد يمكن أن تكون عامل ردع مهمًا، لكنها لن تعني بالضرورة قدرة على منع كل ضربة إسرائيلية. يرى الحاج علي أن الردع لا يعني منع إسرائيل من التحرك، بل رفع كلفة أي عمل عسكري وتعقيد حساباته، مشدداً على أن أي دعم دفاعي خارجي يجب أن يرافقه بناء قدرات المؤسسة العسكرية السورية، لا أن يكون بديلاً عنها. ويعتبر أن تراجع النفوذ الإيراني فتح باباً لتنافس إقليمي على مستقبل سوريا، محذراً من استبدال نفوذ بآخر. ويؤكد أن المطلوب هو سياسة سورية مستقلة تقوم على التوازن مع مختلف الأطراف، لافتاً إلى أن تركيا قد تشكل عامل ردع لكنها لا توفر حماية مطلقة. ويشير إلى أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لسوريا لإعادة بناء قوتها وسيادتها وتحويل التنافس الإقليمي إلى مساحة للمناورة السياسية بدلاً من الارتهان للمحاور.

Share