من يدحرج حجراً يرتدّ عليه… تأمل إيماني في عدالة الله وحصاد أعمال الإنسان
الياس بجاني/27 تموز/2026
يعلّمنا الكتاب المقدّس أن الله محبة، لكنه أيضاً إله عدل وقداسة. وفي مسيرة الحياة، كثيراً ما يظنّ بعض الناس أن بإمكانهم إيذاء الآخرين أو ظلمهم أو التشهير بهم دون أن يتحمّلوا نتائج أفعالهم، في حين أن كلمة الله تؤكد أن الإنسان يحصد ما يزرعه، وأن الشر لا يمكن أن يكون طريقاً إلى السلام أو السعادة. هذا التأمل هو دعوة إلى مراجعة الذات، واختيار طريق المحبة والخير، والتنبه إلى أن كل ما نصنعه بالآخرين يعود إلينا بطريقة أو بأخرى، لأن عدالة الله لا تغيب ولا تخطئ.
مما لا شك فيه أن حياة الإنسان تسير في مسارين لا ثالث لهما: طريق الخير وطريق الشر، بكل ما يحملانه من معانٍ إيمانية وإنسانية وعملية عميقة. وعلى كل فرد، كائناً من كان، ومهما تنوعت وضعيته الاجتماعية والعلمية والمالية، أن يختار أيّ الطريقين يسلك، وأن يتحمّل مسؤولية خياره كاملة، متذكّراً أن لا أحد يستطيع أن يهرب من نتائج أعماله، خيراً كانت أم شراً، لأن عدالة الله كاملة ولا تخطئ أبداً.
فإن كنت إنساناً باراً وحكيماً، تتقي الله في أقوالك وأفعالك، وتؤمن بيوم الحساب والدينونة، فلا بد أن تدرك أن الشر لا يجلب إلا الهلاك لصاحبه، وأن الحكمة الحقيقية تكمن في مخافة الله، وضبط النفس، والابتعاد عن الظلم والأذى. فكل كلمة تنطق بها، وكل فعل تقوم به، سيترك أثراً يعود إليك عاجلاً أم آجلاً.
أما إذا قسّيت قلبك، وأعميت بصيرتك، وقتلت نعمة الخجل في داخلك، وأغلقت أذنيك عن صوت الحق، وخنقت صوت الضمير الذي هو صوت الله في داخلك، فتذكّر أن الألم الذي تزرعه في حياة الآخرين سيعود يوماً ليطرق باب حياتك. قد يتأخر الحساب الإلهي، لكنه لا يسقط بالتقادم ولا يغيب عن عين الله الساهرة على كل شيء.
يؤكد الكتاب المقدّس هذه الحقيقة في سفر الأمثال: «مَنْ يَحْفِرْ حُفْرَةً يَقَعْ فِيهَا، وَمَنْ يُدَحْرِجْ حَجَراً يَرْتَدُّ عَلَيْهِ» (أمثال 26: 27).
كما يقول الرسول بولس: «لا تضلّوا، الله لا يُشمَخ عليه، فإن الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً» (غلاطية 6: 7).
وكما يرد في المثل اللبناني الشعبي: «أكيد رح تشرب من نفس الكاس اللي سقيت غيرك منّو».
كم من متكبّر أحمق، قصير النظر، ومنتفخ بالغرور، يتجاهل هذه الحقيقة البديهية! يتآمر ويخطط للشر، ويفرح بأذية الآخرين، ظانّاً أن القسوة تمنحه قوة أو هيبة، لكنه في النهاية لا يجني سوى خراب نفسه وخسارة سلامه الداخلي وضياع روحه.
وفي المقابل، يدعونا السيد المسيح إلى طريق مختلف تماماً، طريق المحبة والغفران والرحمة، قائلاً: «أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم» (متى 5: 44). فالمؤمن الحقيقي لا ينتقم، ولا يردّ الشر بالشر، بل يترك الحكم لله الذي يعرف خفايا القلوب ويجازي كل إنسان بحسب أعماله.
كلّنا نلتقي في حياتنا اليومية بأشخاص جعلوا من الأذية هدفاً، ومن الحقد وسيلة، ومن النميمة والافتراء أسلوباً. يؤذون أقرب الناس إليهم من أهل وأصدقاء، لأنهم فقدوا نعمة الضمير واستبدلوا الرحمة بالبغض والمحبة بالحسد. فلنصلِّ كي يمنّ الله على السالكين دروب الشر والحقد والغيرة العمياء بنعمة التوبة والعودة إلى الحق قبل فوات الأوان، وحتى يدركوا أن من يحفر حفرة لغيره يقع فيها، ومن يدحرج حجراً لأذية الآخرين يرتدّ عليه، ومن يسقِ الآخرين كأس المرارة سيُجبر يوماً على تذوّق مرارتها بنفسه.
أما الذين يرفضون التوبة ويصرّون على الشر والظلم، غير آبهين بالله ولا بوصاياه، فليتذكّروا أن الدينونة الإلهية حق، وأن الإنسان سيقف يوماً أمام الرب ليعطي حساباً عن كل كلمة وكل فعل وكل نيّة.
لنتذكّر دائماً أن الحياة تخضع لميزان عدل الله الذي لا يختلّ. ما تزرعه اليوم ستحصده غداً، وما تفعله بالآخرين سيعود إليك بطريقة أو بأخرى. لذلك، كمؤمنين، علينا أن نزرع المحبة لنحصد السلام، والرحمة لننال الرحمة، وأن نبتعد عن الشر لكي نسير في نور الله.
في الخلاصة، من يدحرج حجراً لأذية الآخرين، سيرتدّ عليه الحجر يوماً ما، أما من يزرع خيراً ومحبة، فسينال بركة الله وفرح القلب وسلام الضمير.
***الكاتب ناشط لبناني اغترابي
رابط موقع الكاتب الإلكتروني
https://eliasbejjaninews.com
عنوان الكاتب الإلكتروني
phoenicia@hotmail.com